السوق السورية مليئة بالمنتجات السورية الزراعية والتي تتنوع في جودتها ونوعيتها واسمها حسب مناطق إنتاجها، أتناول هنا أربعة منتجات أساسية وهي (البطاطا، التفاح، والحمضيات، والبندورة) مع المرور على منتجات أخرى حيث يعيش الكثير من الفلاحين بالاعتماد عليها ولكن المشكلة تكمن في التكلفة الكبيرة للإنتاج مقابل سعر المبيع الزهيد.

يشتري المواطن السوري المنتجات الزراعية بأسعارٍ رخيصةٍ وهو سعيد بسبب دخله المتدني ولايعلم أنه سيدفع أثماناً مضاعفة في العام التالي مقابل نفس السلعة بسبب عدم قدرة الفلاحين على إعادة الإنتاج نظراً للخسارات الهائلة في الموسم الحالي وخضوع الزراعات لتقلبات المواسم المطرية، والجفاف، وأسعار البذور والأسمدة والمواد الزراعية التي باتت مكلفة جداً بفعل الحرب.

دفعت الظروف الصعبة شريحة كبيرة من الفلاحين للانكفاء عن إنتاج نفس الموسم بسبب انعدام القدرة المادية وكلما خفّ العرض ارتفعت الأسعار إلى حدودٍ جنونية. فقد وصل سعر الكيلوغرام الواحد من البطاطا مثلاً إلى ٣٠٠ ليرة سورية، في حين أنّ الوزن نفسه كان يُباع في الموسم الماضي بأقل من نصف الكلفة من قبل الفلاحين. وتصل الكلفة إلى ١٢٠ ليرة سورية كما أخبرني أكثر من مزارع في ريف حمص وريف حماة، حتى أنّ السعر وصل الى خمس عشرة ليرة في منطقة الغاب وخمس وستين ليرة سورية في قرية سكرة بريف حمص. سألت المزارع (أبو محمد) من قرية سكرة عن تفاصيل التكلفة، فأخبرني أنّ “سعر البطاطا التي يتم استيرادها من أجل الزراعة باهظ جداً، إضافةً الى أسعار الأسمدة التي تضاعفت مراتٍ عديدةٍ وتجاوزت كثيراً فرق سعر الصرف حيث تجاوز سعر الكيس (٥٠ كغ) عشرين ألف ليرة سورية، بينما لم يتجاوز سعر الكيس (نفس الوزن) الخمسمائة ليرة قبل العام ٢٠١١ (أي قبل الأزمة)، يُضاف الى ذلك كلفة الري حيث كان سعر الليتر من المازوت (الديزل)٧ ليرات سورية واليوم تصل هذه الكلفة إلى ١٨٥ ليرة سورية، في حين سعر المتوفر بدون دعم إلى ثلاثمائة ليرة سورية، ويُضاف إلى كله أجور النقل الى الأسواق.”

قطاف التفاح في أحد بساتين ضهر القصي

أما التفاح فينمو في المناطق الباردة وبالتالي ينتظر المزارع غضب الطبيعة أو رحمتها، فقد يقضي البَرَد على موسم التفاح إذا كانت حباته كبيرة، وإذا كانت الطبيعة رحيمة  يخضع الفلاحون ومواسمهم لرحمة التجار. يُباع التفاح حالياً بسعر ٨٥ ليرة سورية للكيلو غرام الواحد في حال كان النوع جيداً ويصل إلى المستهلك بسعر ٢٥٠ ليرة سورية. زرت (أبو الجود) في بستانه  وسألته عن التكلفة فأخبرني عن ثمن المبيدات الحشرية وأجور الرش والفلاحة حيث كان إنتاجه هذا العام ما يقارب سبعة أطنان ولكن الحصيلة النهائية لفرق السعر بين الإنتاج وكلفته لا يكفيه سوى لمصروف شهرٍ واحدٍ وهو ما يعادل أربعمائة دولار أمريكي، آخذين بعين الاعتبار أنّ ثمن الأشجار مدفوع سابقاً ولم يُحسب حساب الأشجار التي تموت ويحتاج الى بديل لها.

قطاف التفاح في أحد بساتين ضهر القصير

أما الحمضيات فتتركز زراعتها في مناطق الساحل السوري فقط. ورغم عدم  توفر الليمون بشكلٍ كافٍ في المناطق السورية الأخرى الأمر الذي يجعل أسعار مبيعه باهظة جداً، إلا أنّ العديد من المزارعين قاموا باقتلاع أشجارهم واستبدالها بزراعات أخرى لأنّ سعر المبيع أقل من التكلفة. فمثلاً أثناء قطافي لثمار الليمون من مزرعة (أبو الغيث) لإحضاره إلى حمص سألته (لماذا لايبيع هذه الكمية الكبيرة من الليمون؟)، فبدأ بتعداد التكاليف من سعر الصناديق، إلى أجور العمال، إلى النقل الى الأسواق، فوصلت كلفة الكيلوغرام من هذه العملية الى أكثر من سعر المبيع، هذا بدون حساب العمل طيلة عامٍ كاملٍ. ويبلغ سعر الصندوق ٣٠٠ ليرة سورية ويتسع لعشرة كيلو غرامات أي أنّ سعر كل كيلو غرام ٣٠ ليرة، وتبلغ أجور القطاف ١٠ ليرات، وأجور النقل من البستان إلى تاجر الجملة ٥ ليرات، يصبح المجموع ٤٥ ليرة سورية، لكنّ سعر المبيع للمستهلك يتراوح بين ٤٢-٤٠ ل.س، طبعاً هذا السعر ليس ثابتا وقد يرتفع السعر أو ينخفض، لكنه يعطي فكرة عن الخسائر التي يعاني منها الفلاح الذي بات يُفضل سقوط الثمار في مكانها أفضل من الخسائر التي سيجنيها هذا في حال تم تسويق المحصول.

وأخيراً البندورة التي تعد من المحاصيل المهمة جداً والضرورية بالنسبة لكلٍ بيتٍ وهي تُزرع في كافة أنحاء سورية ولكن في الصيف تزرع في المناطق الداخلية وفي الشتاء على السهول الساحلية، وهي من الزراعات المحمية شتاء، لكن سعر المبيع في الموسمين الماضيين انخفض إلى ما دون سعر التكلفة سواءً بالنسبة للزراعة المحمية في الساحل أو الزراعة الصيفية في المناطق الأخرى، وهي تصل إلى المستهلك بأرقامٍ صعبةٍ على مدخوله، ويشتري المستهلك كيلو البندورة الواردة من ريف حلب بمبلغ مئة وخمسين ليرة في حين يبيعها الفلاح هناك بخمس عشرة ليرة سورية.

إذاً أين تكمن المشكلة؟ بالإضافة إلى العوامل الجوية التي لايمكن دائماً التحكم بآثارها، مايفاقم من هول التحديات التي يواجهها الفلاحون والمستهلكون على حدٍّ سواء هو سوء إدارة الأزمة الزراعية وغياب الدعم والرقابة، فمن هي الإدارة المسؤولة عن هذا البلد وحماية القطاع الزراعي الذي أثبت أنه عصب الحياة الاقتصادية بعد أن عصفت الحرب بالقطاعات الصناعية والتجارية والسياحة؟

هناك الكثير من المشاكل السابقة لسنة ٢٠١١، لكنّ العديد من المشاكل الجديدة نجمت عن العقوبات الاقتصادية وتفشي اقتصاد الحرب كفرض الجباية والأتاوات من قبل الحواجز على السيارات العابرة والبضائع، وهذه ضرائب مُقنّعة يدفعها السوريون علانيةً ولكن ليس لها مكان في جدول حسابات الإنتاج ولا مكان لها بالنسبة لواردات الدولة. كما باتت توجد هوة كبيرة ما بين الدخل المتدني للسوريين وأسعار السوق، وتؤرق هذه المشكلة معظم السوريين. ورغم أنّ أسعار المنتجات الزراعية السورية أرخص من مثيلاتها بالمقارنة مع الدول المجاورة، إلا أنّ القدرة الشرائية المنخفضة لاتسمح للسوريين بالشراء، وهذه مشكلة من مشاكل كثيرة يعاني منها السوريون ولايمكن طرحها بشكل منفصل عن مشكلتهم الأساسية مع مفهوم الدولة، ولكن تبقى المشكلة مطروحة ببعدها الاجتماعي والاقتصادي وعلى أي حكومة سورية مستقبلية العمل على إيجاد توازن بين سعر السوق والدخل بالإضافة للتركيز على أن يكون سعر المنتج مدعوماً من الحكومة بحيث يكون أعلى من الكلفة وتتحمل الحكومة ردم الهوة بينهما مهما كانت حتى يستطيع المزارع متابعة إنتاجه في مواسم لاحقة ولتحقيق الأمن الغذائي بالنسبة للجميع.

ورغم الاقتصار هنا في تناول المحاصيل المنتجة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري إلا أن هناك منتجين رئيسيين في المناطق التي تسيطر عليهما قوات سوريا الديمقراطية وهما القمح والقطن وتلك مشكلة أخرى حيث أن القطن من الزراعات الصناعية الأساسية في سورية، وانعكست آثار الحرب تلك على قطاعات واسعة من السوريين العاملين في محالج القطن وشركات الغزل وشركات صنع الزيوت من بذر القطن، وكل ذلك بسبب الإنتاج الضعيف والذي يعود سببه الى عدم وجود سعر يشجع الإنتاج، بالإضافة إلى تردي الوضع الأمني الذي انعكس على الطرقات التجارية والترانزيت وخضوع المناطق السورية المختلفة لسيطرة قوى مسلحة متصارعة ومختلفة.