تمضي أم وائل معظم وقتها في بيع الألبسة المستعملة، فهي عازمة على النهوض بأعباء جديدة فُرضت عليها إثر وفاة زوجها، حيث أصبحت المعيلة الوحيدة لخمسة أبناء. تقول أم وائل “كوني لا أملك شهادة أو مهنة، لا يعني أن أموت جوعاً مع أولادي، فأبواب الرزق عديدة، فقط علينا ألا نيأس”.

وقتل أبو وائل في القصف الذي طال مدينته أريحا أواخر عام ٢٠١٥، اضطرت عندئذ للانتقال لبيت أهلها وتسليم منزل الزوجية المستأجر لصاحبه. “لكنني شعرت بأنني بت عبئاً على أهلي ولا ألومهم في ذلك” تقول أم وائل مبررةً موقف أهلها “بات كل شخص في وقتنا الصعب يعيش محتاراً في لقمة عيشه، لذا قررت الإعتماد على نفسي، وبدأت رحلة شقاء في البحث عن مورد رزق يجنبنا الحاجة، وعندما عجزت عن ذلك ابتكرت عملاً لنفسي، وقمت باستئجار أحد المحلات وملأته بالبضائع التي كنت أشتريها بالدين والسداد عند المبيع ومردود عملي هذا أصبح يؤمن نفقاتي أنا وأولادي”.

وأم وائل واحدة من آلاف النساء التي فقدن أزواجهن في السنوات الثمانية الماضية إثر الحرب التي شهدتها المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، إذ قتل الرجال في المعارك وجراء القصف مُحمّلين زوجاتهم عبئاً ثقيلاً لإعالة أبنائهن، وسط ظروف صعبة يسودها انعدام الأمن وقلة فرص العمل، يضاف إلى ذلك أيضاً مجتمع يرصد تحركاتهن في كل لحظة.

عن واقع الأرامل في مجتمعها تقول أم وائل “تواجه الأرملة هنا في ريف إدلب تحديات جمة، قد لا تستطيع تحملها، وهو ما يدفعها في بعض الأحيان للتخلي عن أولادها واللجوء للزواج ثانية، هرباً من حياة البؤس والفقر والشقاء، في حين ترفض أخريات فكرة أن يدفع أولادهن ضريبة حرب حرمتهم الأب، ليعمدن لحرمهم الأم ايضاً”.

أما أسماء الحسين وهي أرملة في الثلاثين من عمرها، و أم لثلاثة أطفال أحدهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، فهي تعيش في مخيمات جسر الشغور بعد تهدم منزلها الكائن في الريف الشرقي، وعن عملها تقول أسماء “أنا حالياً المعيل الوحيد لأبنائي، أعمل في الصباح بمجال الخياطة وفي المساء بمجال نسج الصوف والحياكة، أحاول أن أوصل ليلي بنهاري كي أتمكن من تأمين مستلزمات أبنائي”، وتؤكد الحسين بأنها تعتمد بشكل كامل على بيع ما تصنعه من القطع وبأسعار منافسة، فهي تعلمت الكثير من الطرق الجديدة في مهنة الخياطة والحبكة لتطوير عملها وتحسين دخلها.

قصة أم حسام الخمسينية أيضاً لا تختلف عن قصص كثيرات من نساء جيلها اللواتي دمرت الحرب أحلامهن البسيطة بالاستقرار والعيش إلى جانب أولادهن وأحفادهن، حيث فقدت زوجها وابنها لتجد نفسها بعد ذلك مسؤولة عن ستة أحفاد أصغرهم في الخامسة من عمره.

تعمل أم حسام بتربية الأبقار للاستفادة من منتجاتها في الإنفاق على عائلتها، ورغم مشقة عملها الذي تقضيه بين إطعام الأبقار وتنظيف الحظيرة وجمع الحليب، فهي تشعر بالرضا والقناعة. وقد باعت أم حسام أرضها التي لا تملك غيرها لتؤسس هذا المشروع التجاري الصغير.

وبينما تستعد أم حسام لحليب الأبقار تخبرنا بابتسامة بأنها معتادة على هذا العمل منذ زمن بعيد، حين كانت لا تزال عزباء وتعتني بأبقار أهلها.

عائشة أيضاً اختارت العمل على مشروع لصناعة الألبان والأجبان، فبعد طلاقها من زوجها الذي حرمها حتى من رؤية أبنائها، عمدت عائشة لتقديم شكوى للحصول على حضانة أطفالها رغم ممانعة أهلها الذين رفضوا إعالتهم، غير أنها لم تتراجع واستطاعت كسب الدعوة، عازمة على تربيتهم وتولي مهمة الإنفاق عليهم دون الحاجة لأحد.

مع مجموعة مع الأرامل الأخريات، تعمل عائشة اليوم بمشروع صناعة الألبان و الأجبان، وتحصل لقاء عملها على راتب شهري لا تجده كافياً للانفاق على أولادها، فتقول”الراتب لا يتناسب مع الغلاء الكبير في منطقتنا، ومع ذلك فأنا أحاول تدبير أموري به، إضافة لعملي المتقطع في المجال الزراعي والمعونة الشهرية التي أحصل عليها من المجلس المحلي بين الحين والآخر”.

وبالإضافة للصعوبات الاقتصادية والأمنية الصعبة والحرب، تواجه المرأة ضغوطاً اجتماعية تؤطر عملها وتفرض عليها قيوداً عديدة.

المرشدة النفسية فاتن السويد تقول عن ذلك “تواجه الأرملة ضغوطات نفسية متعددة، ويرجع ذلك إلى حداثة عمل المرأة خارج المنزل، وإلى المعوقات الإجتماعية المختلفة، إضافة لتركيبة المرأة الخاصة التي لم تعتد سوى أن تكون ربة منزل فقط ” داعية لدعم الأرامل اجتماعياً و نفسياً مما قد يتطلب إعداداً وتأهيلاً ووقتاً كافياً كي تستطيع المرأة تلبية متطلبات الحياة الكثيرة، فالأرملة بحاجة لدعم مادي ومعنوي لتتمكن من الثبات أكثر والوثوق بنفسها، بحسب السويد التي تضيف “تركت الحرب أولئك النساء في مهب الريح مع أطفال أيتام يحتاجون لرعاية، وفي الوقت الذي تعاني فيه الأم من صعوبة الحصول على متطلبات أولادها  فهنالك مجتمع يرصد تحركاتها وفقاً لعادات وتقاليد بالية لا ترحم”، وتبدي السويد إعجابها الشديد بالنساء اللواتي تحملن الصعاب وتأقلمن مع كل المتغيرات التي طرأت على حياتهن من أجل الاستمرار.