* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

بعد انتشار فيروس كوفيد-19 (كورونا)، امتد الحظر الصحي ليشمل معظم دول العالم، مخلّفاً آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية يجهد الأخصائيون للبحث فيها، والعمل على تخفيف التداعيات الناتجة عنها قدر الامكان. ففي ألمانيا التي يبلغ عدد سكانها حوالى 83 مليون نسمة، تستمر القيود المفروضة للحد من انتقال العدوى، إذ بلغ عدد الإصابات وفق البيانات الرسمية المسجّلة حتى يوم 15 نيسان/أبريل 133.154 حالة، تماثل أكثر من نصفهم للشفاء فيما توفّي نحو 3600 شخص، مع ملاحظة تراجع عدد الإصابات المسجّلة يوميا، مما يؤكّد جدوى هذه القيود ودورها في تقليل عدد الإصابات.

يعدّ إغلاق المؤسسات التعليمية المستمرّ في ألمانيا منذ 16 آذار/ مارس إحدى أكبر الخطوات لدرء خطر انتشار الفيروس، باعتبار أن المدارس والجامعات أماكن تجمعات يومية لأعداد كبيرة قد تنتشر فيها العدوى كالنار في الهشيم. لكن لا بد من تبعات لهذا الإجراء، فالأرقام تشير إلى تضرّر ما لايقلّ عن 11 مليون تلميذ وتلميذة في المدارس العامة والمهنية، عدا عن طلاب الجامعات. ويخشى طلاب السنوات الدراسية الأخيرة أن يتسبب إغلاق المدارس في حرمانهم فرص النجاح في امتحاناتهم النهائية. ورغم اللجوء إلى خطة طوارئ عاجلة عملت الكوادر التدريسية عليها بجهد ملفت للنظر، إلا أن اعتمادها على التكنولوجيا والتعليم الرقمي، جعل عيوبها واضحةً للعيان بعد أسابيع قليلة من الحظر، وظهرت تحدّيات كبيرة خلال تنفيذ الخطة التي لم تخضع من قبل للتجربة. فإضافةً لضعف شبكة الإنترنت في مناطق عديدة من ألمانيا، لايتقن كثير من المعلمين آليات التعليم الرقمي، فهم لم يتدربوا عليها وفق ما صرح مختصون بالتعلم الرقمي، عدا أن المواقع التعليمية التابعة لوزارة التعليم تعرّضت لضغط كبير على الشبكة مما أثّر على جودة أدائها المتواضع أصلاً.

في الوقت نفسه يفتقر طلاب كثيرون إلى الأدوات اللازمة لإتمام العملية في المنزل. فإن امتلك غالبية الطلاب- وليس جميعهم – هواتف ذكية، لكنّهاغير كافية ولابد من كمبيوتر لاستخدام برنامج التعلّم الرقمي بالشكل الأمثل، وهو غير متوفر عند الجميع. كما أن كثيراً من أوراق العمل المرسلة بالبريد الالكتروني تحتاج للطباعة من أجل حلّها ثمّ مسحها ضوئياً عبر (سكانر) وإعادة إرسالها للمعلم/ة، ولا يمتلك الجميع كل هذه المعدات في المنزل. المشكلة الأُخرى تسببها الواجبات غير الواضحة التي يجهد الأهل في محاولة فهمها من المعلمين كي يساعدوا أطفالهم فيها، وصعوبات غيرها لاتنتهي، كعدم رغبة الأطفال بالقيام بهذا الكمّ من الواجبات المملة والمكرّرة لمراجعة ما تعلّموه سابقاً، أو تلك الجديدة الصعبة التي ليس من السهل على الأهل شرحها لهم.

الأطفال اللاجئون ونتائج الحجر الصحي:

ماسبق مشكلات يعاني منها الطلاب جميعاً، لكنّها تتضاعف عند الأطفال اللاجئين في نواحٍ مختلفة لعدة أسباب، مسفرةً عن نتائج تزداد سوءاً مع تمديد فترة الحجر الصحي. فالأطفال الذين وصلوا ألمانيا قبل سنوات قليلة ولم تزل ذاكرتهم غضة تغصّ بمعاناة الهروب من الخطر عبر طريق الموت، بدؤوا يعيشون مجتمعاً جديداً مختلفاً بقيمه ومعاييره، ودخلوا المدارس وأجادوا اللغة الألمانية بسرعة قياسية فبدؤوا يفكرون بها ويتواصلون مع محيطهم من خلالها حتى كادت تزيح اللغة الأم من عقولهم تدريجياً، رغم محاولات الأهل الحثيثة التحدث معهم بها. غالبية هؤلاء غدوا الآن مراهقين، واتسعت الفجوة بين الأهالي وأبنائهم، ففقدوا دورهم في العملية التعليمية والتربوية التي تفترض شراكة ثلاثية الأبعاد ما بين الطفل والمدرسة والأهل.

يعمد المهتمون من الأهل للبحث عن وساطة لغوية للاطلاع على أوضاع أطفالهم المدرسية، لكنّ صعوبة وتكلفة ذلك جعلت كثيرين ينكفئون عنه، منصرفين لحل التعقيدات البيروقراطية التي تواجه حياتهم اليومية، في بلد يعتمد على الورقيات المعقدة التي يعجز الألمان أنفسهم أحياناً عن فهمها ومتابعتها، كما يتغيبون حتى عن حضور اجتماعات أولياء الأمور لعدم توفّر الترجمة دوماً، ويبقى الطفل وحيداً مع مدرسته.

في الوضع الراهن تعيّن على الأهل التواصل مع المدرسة من جديد، ومع الفجوة اللغوية القائمة عجز معظمهم عن متابعة العملية التعليمية عن بعد، والتي تحمل صعوباتٍ حتى بالنسبة للأطفال الالمان كما ذكرنا. بينهم من لا يملك حتى بريداً الكترونياً لتلقّي أوراق العمل وتعليمات المعلمين ونصائحهم، فضلاً عن التسجيل في المواقع التعليمية التي تبدو أشبه بالأحجية عند عدد لايستهان به منهم. البرامج التوضيحية والفيديوهات على اليوتيوب ليست كافية لأن غالبيتها تقدم باللغة الألمانية، وبالتالي لايستطيع الأهل فهم الواجب المطلوب وشرحه للطفل. قد يتمكن بعض الأطفال من تدبر أمرهم دون الاستعانة بالأهل، لكن هذا لاينطبق على جميع الأطفال ولا على المراحل التعليمية جميعها، وهكذا يخسر أبناء اللاجئين وقتاً ومعلومات وفرصاً كثيرة، وتُلقى على عاتقهم أعباء وتحديات سيتحتم عليهم مواجهتها والتعامل معها بعد العودة إلى المدارس.

آثار الحجر الصحي لاتقتصر على الجانب التعليمي عند الأطفال اللاجئين، بل تمتد إلى قضية أكثر تعقيداً وعمقاً هي حجرهم مع أسرهم التي أصبحت تمثل لغالبية الأبناء، وخاصة المراهقين، مجتمعاً موازياً مختلفاً عن مجتمع الأقران والمدرسة، فالهوية متعددة الألوان بدأت تتشكل عندهم، وبعض ألوانها لا يلقى القبول نفسه في كلا المجتمعين، مما يؤدّي لاختلال التوازن وفقدان كثير من عناصر استقرارها أثناء الحجر.

البقاء في البيت مع العائلة ضمن مساحات صغيرة معظم أوقات اليوم، ليس سهلاً على أطفال اعتادوا تمضية نحو سبع ساعات وسطياً كل يوم، تتضمّن برنامجاً منظمّا وأنشطة متنوّعة لا تتوفر في الظروف الحالية، مما يشكّل ضغطاً جديداً تسبّبه مقارنات لا تنتهي: فهم مركز مقارنة في المدارس لاختلافهم، كما يقارنون حياتهم مع حياة أقرانهم وقيمهم وعاداتهم، بدءا بالمأكل والمشرب والملبس، وليس انتهاءً بعلاقات السيطرة والعنف بأشكاله وتعارضها مع ما تعلّموه من حقوق. لذا فإن بعض الأطفال والمراهقين/ات، وقد عرفوا جيداً حقوقهم القانونية وأبعادهم في المجتمع الجديد، لا يتردّدون في اللجوء إلى الشرطة أو مكتب الشباب، وهو ما قد يعرضهم لمزيد من العنف يزيد الطين بلة، في عائلات تسعى بكل السبل لحماية صورتها وتقاليدها وهويتها.

إنها حقاً مفارقة كشفت فترة الحجر عن اتساع نطاقها في أوساط اللاجئين. آلاف العائلات اضطرّت إلى هجر موطنها وسلكت طريق اللجوء لتحمي أطفالها، والآن يضطر الأطفال أنفسهم للهجرة عن ذويهم نفسياً نتيجة ضياع اللغة وفقدان التواصل بينهم، ليقضي كثيرون منهم أثناء الحجر حجراً مضاعفاً من نوع خاصّ، لحماية أنفسهم لا من كورونا بل من آثار اغتراب وتصدع نفسي.