سألت غريباً في باريس عن الاتجاهات، حرّك يده حركة فرنسية بامتياز وتعني: لا أعرف شيئاً، وليس لدي الوقت. ولكنّه استدرك أنني أسأل عن المكتبة الوطنية. فراجع نفسه وتراجع واستدار، ولكن سبقته امرأتان دلتاني بابتسامة مشرقة: البناء الشاهق الذي ترين جزءاً منه.

تذكرت أنني لم أكن أرتاد المكتبة الوطنية في سوريا، مكتبة الأسد“. على الرغم أنني على يقين أنني قد أجد فيها الكثير من الكتب المهمة. هنالك عادات من الصعب أن أجد لها تفسيراً الآن. أحاول أن أمنطق الأمور. وأتذكر سنوات تعليمي في دمشق، كل ذلك يبدو بعيداً الآن

في الطائرة كنت أقرأ ما كتبه محمود درويش عن إدوار سعيد: “أنا من هناك. أنا من هناك ولست هناك. ولست هنا.” والآن وبعد سنوات كإدوارد سعيد تماماًلم تعد لأحلامي لغة.

درست في مدارس تزينها صور الديكتاتور، وكان عقابنا في إحداها، قضاء يوم كامل في المكتبة! أما أساتذتي في الجامعة فقد كانوا ينحتون تمثال الأخ الكبيروأحدهم يتباهى أنه يستطيع تبديل الرأس إن لزم الأمر. في آخر سنوات المدرسة أردت الرحيل دوماً إلى مكان ما، حيث لا أجبر أن أحول انتمائي للمكان إلى حس قومي، يذكرني برائحة الدوائر الحكومية. كل شيء تغير بعد فترة، حيث تحولت كل العبارات التي ليس من المسموح قولها، إلى مصدر قوة، أصبحنا نعلن انتماءنا إلى مكان لا يشبههم. رشّت صديقتي إحداها على حائط الجامعة، اتهموني، وأنقذني موظف لم يعلموا عدم ولائهعلى الرغم من زيادة الاعتقالات في ذلك الوقت، تحولت الجامعة أخيراً إلى مكان للتعليم.  

كنت أتعلم من النقاشات، وللنقاشات متعة أخرى عندما تكون الجدران تسمعك أيضاً، عندما تفكك جوالك إلى قطع صغيرة، آملاً أن تخفف من احتمالية ذهابك إلى تلك الأقبية، التي كنا نقرأ عنها في الكتب الممنوعة، ونرى آثارها على الأجساد. أصدقاء تلك الأيام صاروا في كافة بقاع الأرض، أحدهم كان يحدثني بالقرب من القطب الشمالي، الآخر من صحراء الجزائر، وأخرى من غابات إسكندينافيا. ألتقي ببعض الأصدقاء ونتناقش حول حلول ممكنة، أغلبنا يرى أن ما يمكننا فعله الآن بعيد عن أول الحراك حيث كان العمل جمعياً بامتياز. الآن ومع الوقت كل منا يعمل ويدرس بحسب اهتمامه واختصاصه، فما بعد الكارثة، التعليم هو القشة التي نتعلق بها. أما نقاشاتنا السياسية بما يخص البلد فقد بدأت تخف مع الزمن، ليس كنوع من الاستسلام، بل محاولة لتغيير طريقتنا في التعامل مع قضية أصبحت من أكثر القضايا تعقيداً.   

التعليم ليس بعيداً عن الحرية السياسية، بل مرتبط بها كل الارتباط. والأنظمة القمعية كانت على يقين من ذلك. ستالين لقب الوراثة بالعلم البرجوازي الزائف، أما هتلر فعين مجنوناً كمسؤول عن التعليم. والأنظمة الفاشيّة زرعت أيديولوجياتها في عقول أطفال المدارس. فأدلجة الأطفال في زمن موسوليني، لم تكن بعيدة عن تحية الصباح، تحية العلم، الانضباط..  وكان الأطفال يقومون أيضاً بحركة مماثلة لما يرافق جملة: “رفيقي الطليعي، كن مستعداً لبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد والدفاع عنهمجتمعاتنا هي مجتمعات الانضباط، التي وصفها ميشيل فوكو في كتابه المراقبة والمعاقبة“. وفي هذه المجتمعات يتم التحكم بالأجسام، تدريبها، أو تعذيبها. في أماكن مثل المدارس المستشفيات والسجونوهناك حتى المكتبات.  أتذكر معلمة تراقبنا إن تحركنا أثناء تحية العلم. لم أحظ برفع العلم، ولا أحب الأعلام بشكل عام. وابتسمت لمَا رمى أصدقائي علم مشجع فريق ما في النهر، واتهموه بالقومي.    

أن تكون طالباً/ة سورياً في القارة العجوز، أن تعرف من يزور مكتبات البلاد أكثر من شوارعها، ليس بالسهل. المستشرقون هنا كثر. ويشعر معظم الناس أن لديهم الحق لسؤالك أسئلة شخصية وسياسية بعد التعريف باسمك!

ليس هنالك أكثر من برامج الاندماج، ومواقع التثقيف المخصصة للمهاجرين التي لن تجد أي تفسير لها سوى عدم فهم للآخر، وأحياناً عنصرية. أما أغلب الناشطينوالناشطاتفسيتعاملون معك معاملة خاصة، ظناً منهم أن ذلك سيثبت مدى تعاطفهم أو ثوريتهم، التي قد تكتشف زيفها، عند كسرك أول صورة نمطية عن الشرق الأوسط.

ولكن ماذا عليّنا أن نفعل كطلاب هنا؟  

لا أعتقد أننا سوف نصحوا فجأة على سوريا ديموقراطية، على الأقل لا أستطيع تخيل ذلك في هذه اللحظة. الأمور تتغير بالتدريج وذلك قد يعني أجيالاً، ولكن نستطيع لربما أن نجعل أجيال استااااارح واستاااااعدتنتمي للماضي، إن حجم الفجوة يزداد بين الجيل المولود في سوريا الآن، والجيل الذي سيدرس في خارجها.  لعلها طوباوية ولكن الجسر بين الجيلين هو دور المفكر، الأديب، الفنانسيكون دور المفكر في سوريا المستقبل دوراً جوهرياً للتخلص من التعصب، ولإصلاح ما يمكن إصلاحه، للمشي خطوات أو نصف خطوة.  وأن نحرص على أن يكون التعليم في سوريا المستقبل خالياً من الأيديولوجيات، على وجه الخصوص الدينية منها.

بعد سنوات على رحيلي، لا مكان عندي للحنين، لربما على حنيننا أن يكون كحنين إدوار سعيد عندما أجاب محمود درويش: “والحنين إلى الأمس؟ عاطفة لا تخص المفكر إلا ليفهم توق الغريب إلى أدوات الغياب. وأما أنا فحنيني صراع على حاضر يمسك الغد من خصيتيه.”