لم تعد مشاهد النزوح الجماعي السوري هرباً من الموت تلفت أنظار وسائل الإعلام الغربي أو استنكار قادة العالم، لقد أضحى السوريون رهينة لمصالح اللاعبين الأساسيين بكل ما تحمل الكلمة من فجاجة وقبح. منذ ديسمبر2019   نزح أكثر من مليون شخص من مناطق ومدن محافظة إدلب في أكبر موجة نزوح منذ تسع سنوات، حيث هربت آلاف العائلات من مناطق القصف والقتال من مدينتي معرة النعمان وسراقب وما حولهما، تبعها تدّفق آلاف أخرى من مدنِ وبلدات الريف الغربي لمدينة حلب باتجاه مناطق درع الفراتوغصن الزيتونحيث سيطرة الجيش والحكومة التركية.

لكن لا مكان للهاربين من الموت، البرد قارص، وآلاف العائلات مبعثرة على طرقات المدن وأطراف البلدات، حيث يبيت معظمهم داخل الشاحنات والسيارات التي تضيق بركابها وما تحمله من متاع، ومن كان محظوظاً ويحمل قليلاً من المال دفعه مقدماً لإيجار بضعة أشهر بأسعارٍ لم تشهدها تلك المنطقة سابقاً. ما يزيد من قتامة المشهد غياب المجالس المحلية والمنظمات الإغاثية تماماً عن هذا المشهد المهول، فلا مراكز إيواء أو حتى رغبة بتقديم مكانٍ مخصصٍ لإيواء النازحين، وحدهم المتطوعون من الأهالي ومن الناشطين بعيداً عن منظماتهم ومجالسهم المحلية التي تخشى على تمويلها وتراخيص عملها في المنطقة التي تهيمن عليها منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية آفاد” (AFAD)، هم وحدهم من يناضلون في محاولةٍ لتلبية الاحتياجات التي أصبحت محصورة في إيجاد أماكن لنصب الخيام. أحد النازحين المسنين يشتكيلا يسمحون لنا بأن ننصب الخيام في تلك المناطق، يدّعون بأنها أراضي تركية، ويتابع بحرقة ما أعرفه بأن هذه أراضي سورية وليست تركية، ويكتب قائد فريق ملهم التطوعيعلى حسابه الشخصي على الفيسبوك للأسف نحن لا نملك من أمرنا شيء، هناك قرار بعدم إقامة مخيمات في مدن شمال سوريا، بدون ضغط من أعيان هذه المدن لحماية أهلنا من المناطق النازحة. مدراء المنظمات يخافون على تراخيص منظماتهم، مدراء المجالس المحلية يخافون على مناصبهم، قادة الفصائل نحن ممنوعون من إقامة مخيمات علي أراضينا!“ 

في المقابل يستنفر الجيش التركي ويزيد من تدفق عتاده وجنوده لرسم حدود جديدة داخل محافظة إدلب مدّعياً بأنها حدود متفق عليها مع الروس ضمن مذكرة سوتشيفي 17 أيلول 2018، بينما تظهر ملامح تصادم بين الجيشين السوري والتركي غداة قصف سوري لقاعدة تفتناز الجوية مما أودى بحياة خمسة جنود أتراك، يقابله إسقاط مروحية للجيش السوري بواسطة صاروخ محمول على الكتف من قبل عناصر نقطة المراقبة التركية قرب بلدة دارة عزة بحسب التصريحات الروسية.

هناك غضب تركي واضح، تُظهره وسائل الإعلام التركية مع تصريحات نارية للمسؤولين الأتراك، حيث هدّد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشن عملية عسكرية واسعة في سوريا، إذا لم ينسحب الجيش السوري من المناطق التي سيطر عليها مؤخراً إلى خلف نقاط المراقبة التركية في إدلب، فالحل بحسب إردوغان يتمثّل “بانسحاب النظام إلى الحدود المنصوص عليها في الاتفاقيات. وإلا فإننا سنتعامل مع هذا قبل نهاية فبراير“.
لم تكتفي الحكومة التركية بالتصريحات، فهي تعلم بأن الجيش السوري يتقدم بشكل يومي في ريف حلب الغربي وبالتالي لن تتمكن من إجباره على التراجع حتى لو توقف القتال، لذا فقد أرسلت الكثير من القطع العسكرية والجنود ليتمركزوا في ريف حلب الغربي وخاصة في محيط مدينة الأتارب، أكبر مدن ريف حلب الغربي، والتي يحاول الجيش السوري التقدم ليفرض سيطرته عليها.

لكن ما سبب كل هذا الغضب التركي؟ ولماذا تحاول روسيا خرق تفاهمها بحسب الرواية التركية مع تركيا؟

 يعلم الروس جيداً وكذلك النظام السوري بأنّ تركيا تملك كل خيوط اللعبة في محافظة إدلب، وبالتالي بدون توافق تركي فلا حل نهائياً في الشمال، ولذلك كان الروس واضحين جداً بالتقارب مع الأتراك واغتنام حادثة الانقلاب الفاشل في يوليو 2016 لتحقيق ذلك، على الرغم من التوتر الذي حصل إبان إسقاط المقاتلة الروسية بواسطة قوات الدفاع التركية في 24  نوفمبر 2015.

 لم يستطع الجيش التركي أن يتجاوز الحدود إلى الداخل السوري عندما كان الملف السوري بيد واشنطن، فلا حجة المنطقة الآمنة أو فكرة حظر الطيران، ولا حتى محاربة داعش سمحت للجيش التركي بالتوغل في الأراضي السورية ناهيك عن السيطرة على بعض المدن الحدودية والعبث فيها، وحده التوافق مع روسيا مكّنهم من ذلك ولا يزال، هي منافع متبادلة، فتركيا لديها أمنها القومي المهدد من تنامي قوة الأكراد في شمال سوريا، وروسيا لديها خارطة الحل المنحازة إلى جانب النظام السوري، ولا يمكن تحقيق كلا الأمرين إلا بالتوافق بين هاتين الدولتين، ولذلك كانت مؤتمرات أستانا أكثر فاعلية من كل مؤتمرات جنيف التي سعت إليها ونظمتها الأمم المتحدة.

 هذا التوافق الروسيالتركي القائم على المنافع المتبادلة، والذي بدأ بتبادل مناطق للسيطرة، ثم تطمين الجانب التركي فيما يخص أمنه القومي من خلال إعادة تفعيلاتفاقية أضنة بضمانة روسية، ناهيك عن سيطرة الجيش التركي على منطقتي رأس العين وتل أبيض الواقعتين على الشريط الحدودي شرق الفرات، بدأ يصطدم بتعنتٍ تركي واضح بعد العملية العسكرية للجيش السوري في جنوب محافظة إدلب، والتي انتهت بالسيطرة على مدينة خان شيخون الاستراتيجية. حاول الجيش السوري حينها بدعمٍ روسي التوجه شمالاً نحو مدينة معرة النعمان ولكن الجيش التركي تحرك مسرعاً لوضع جنوده وعتاده جنوب مدينة معرة النعمان لإرغام الجيش السوري على التوقف، ليظهر الروس سخطهم عن طريق استهداف مقاتلة روسية لشاحنة صغيرة تابعة للفصائل المعارضة كانت تستطلع الطريق أمام الرتل التركي عند الأطراف الشمالية لمعرة النعمان، ولكن الرتل التركي تابع طريقه بعد توقف قليل ليؤكد على تماسك موقفه في سبيل وقف تمدد الجيش السوري عند هذا الحد.

بعد سيطرة الجيش السوري على مدينتي معرة النعمان وسراقب، بدأ الجيش بالتوغل في منطقة ريف حلب الشرقي باتجاه مدينة الأتارب، محاولاً الوصول نحو معبر باب الهوى الحدودي ليضع بذلك أغلب مدن وبلدات محافظة إدلب خلف ظهره في محاولة لإعادة السيطرة عليها بعد قطع خط إمدادها، لكن يبدو بأن الحسابات التركية مختلفة عن الحسابات الروسية المستعجلة لإنهاء ملف إدلب بشكل كامل.

لقد تعاملت الرئاسة الروسية بطريقة مراعية للمخاوف التركية حين قبلت بأن يكون الحل شرق الفرات أولاً قبل ملف إدلب، وذلك بعد قمة طهران الثلاثية في نهاية عام 2018، والتي نتج عنها تحركات عديدة لحل ملف شرق الفرات انتهى بانسحاب آني للقوات الأمريكية في أكتوبر 2019تاركةَ المجال مفتوحاً أمام دخول الجيش السوري ليتمركز في مناطق محددة في شمال شرق الفرات، وكذلك الجيش التركي ليسيطر على منطقتي رأس العين وتل أبيض الحدوديتين، وأيضاً انطلاق محادثات بين الجانب الكردي مع النظام السوري لحل ملف شرق الفرات والميليشيا الكردية. لكن يبدو بأنّ المخاوف التركية لا زالت موجودة على الرغم من ذلك، فالجيش الأمريكي عاد ليتمركز في أماكن تواجده السابقة في شرق الفرات من جديد، ولا نتائج حقيقية في الملف السياسي المتداول بين النظام والأكراد، وربما هذا يدعو تركيا لعدم التفريط بمحافظة إدلب، فهي كما وصفها الرئيس التركي في قمة طهران الثلاثية إن مستقبل منطقة إدلب لا يتعلق بمستقبل سوريا فقط، وإنما يتعلق بمستقبل تركيا أيضاً، وبالأمن والاستقرار في تركيا، وبالتالي لا وقت للتنازل والمساومة، وغالباً هذه فرصة تركيا الأهم في تاريخها لضمان أمنها القومي المُهدّد من شمال سوريا وبشكل نهائي، ويبدو بأنها عازمة عليه.

 وأيضاً هناك أمر آخر، ويبدو من الممكن البحث فيه، فمن الواضح بأن التوافق الروسي التركي في سوريا يصطدم باختلاف مواقف كلا البلدين في ليبيا، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني بكامل ثقلها وإلى جانبها قطر وإيطاليا، حتى أنها سمحت بتدفق مقاتلين سوريين من الفصائل السورية التابعة لها للقتال إلى جانب حكومة السراج في معركة الدفاع عن العاصمة طرابلس، في حين تقف روسيا خلف المشير خليفة حفتر إلى جانب كل من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا.

صحيح بأن الرئيسين الروسي والتركي اتفقا على وقف إطلاق نار في ليبيا، ولكن يَبدو بأنّ المشير حفتر قد تمرّد على القرار الروسي حين رفض التوقيع على الهدنة في موسكو ليستمر في القتال دون توضيح الأسباب الحقيقية إن كانت حركته تمرّد فعلي على القرار الروسي أم أنه بتوافقٍ ضمني معها. كل ذلك يشير إلى أن محافظة إدلب قد تكون منطقة موجعة للضغط على روسيا لتلبية مصالح تركيا سواء شرق الفرات أو في ليبيا، وبالنسبة لروسيا فإنّ إعادة السيطرة على كامل محافظة إدلب تعني بداية طي الملف السوري، خاصة بأن لجنة إعداد الدستور السوري قائمة والانتخابات الرئاسية على الأبواب.

 في النهاية كلا البلدين يملكان الكثير جداً من المصالح المشتركة، والتي تجعل من تقاربهما أكبر بكثير من احتمال تباعدهما كما يأمل بعض السوريين، هي فقط مصالح تستنزف حاضر ومستقبل السوريين بعيداً نحو مكان وزمان قد لا يتسع لهم حتى لنصب مخيم إيواء داخل حدود بلادهم.