أصبح منظر العشاق في الأزقة وعند مداخل البنايات المُعتمة وفي الحدائق البائسة في اللاذقية مألوفاً لكنه يثير استنكار الأكثرية من شعب المدينة (وأظن أن هذه الظاهرة منتشرة في سوريا كلها). لأن هؤلاء العشاق الذين لا مكان يلتقون فيه ليعبروا عن حبهم واشتياقهم لبعضهم سوى الشارع. فمهما كان الفقر قاسياً وقوياً في سحق كرامة الإنسان؛ فإن الحب أقوى منه، وهؤلاء الشبان (شباباً وشابات) في عمر الصبا والهوى والوله والحب، وكما يقول سمرست موم في مذكراته حين يُعرف الحب: بأنه مستوى الهورمونات في الدم. وهو تعريف رائع لأنه حقيقي جداً ودقيق جداً. ففي عمر الصبا (من العشرين سنة زائد عدة سنوات أو أنقص عدة سنوات) تكون الهورمونات الجنسية في أوجها. وهي بطانة الحب والشغف، والحياة رجل وامرأة، وجريمة أن نحرم الحبيب من لقاء محبوبته. و لا يجد هؤلاء العشاق (وغالبيتهم طلاب جامعيون) وسيلة للقاء سوى الشارع والحدائق ومداخل البنايات والأزقة المُعتمة، بسبب الفقر المدقع في اللاذقية (وسوريا كلها) إضافة للعقلية الإجتماعية المتشددة والظالمة للعشاق التي تعتبر أن لقاء العاشقين خطيئة وعار وقلة شرف.

وأظن أنهم وحدهم في سوريا غير متذمرين من قطع الكهرباء لأن الظلمة حنونة وتحميهم، لأن أجسادهم الفتية تقاوم البرد والمطر والظلام وتتشابك الأيدي المحمومة بالشوق وتتلاقى الشفاه في قبلات مشتاقة يصعب عليهم السيطرة عليها وعلى مشاعرهم الجامحة بالحب تجاه بعضهم البعض. تنظر الأغلبية لهم بإحتقار وتتهمهم بقلة الشرف (وتطلق عليهم خاصة على الفتيات) شتائم فاحشة تركز كلها على الانحلال الأخلاقي وانعدام الشرف. وأحب أن أذكر رواية عظيمة لنجيب محفوظ وأعتبرها من أهم الروايات العربية وهي رواية (السراب)، وهي تصلح أن تُعتبر كتاباً تحليليلاً في علم النفس للكبت الجنسي وآثاره على الشخصية، فبطل رواية السراب الطفل المدلل والثري والذي يعيش مع أمه ونادراً ما يلتقي والده (لأن الأم والأب مطلقان). هذا الطفل لديه عقدة الخجل ولا يلتقي بالجنس الآخر مُطلقاً (أي الأنثى) بحكم العادات والتقاليد الإجتماعية. ويلجأ إلى ممارسة العادة السرية ويُدمن عليها وتصير متعته الجنسية مُستمدة من جسده فقط، وحين يتزوج من شابة جميلة ومثيرة ورغم الحب الذي ينشأ بينهما فإنه لا يستطيع معاشرتها لأنه مُصاب بالعجز الجنسي نفسي المنشأ، لأن كل فيزيولوجية جسده تبرمجت أنه لا يحصل على المتعة الجنسية إلا بشكل انفرادي أي من العادة السرية وهو غير معتاد على لمس امرأة وممارسة الجنس مع امرأة. وتصمت الشابة وتتحمل تلك المشكلة وتبقى عذراء لأشهر، حتى يفاجئنا العظيم نجيب محفوظ بأنها حامل من رجل آخر، وبأنها عاشت علاقة مع رجل في السر وحملت منه. لست بصدد مناقشة هذه الرواية الآن، لكن لا يمكن التغاضي عن مشكلة خطيرة تهدد الشباب العربي بشكل عام (ويهمني هنا شباب سوريا) وهي الكبت الجنسي، وعدم قدرة شريحة كبيرة من الشباب والشابات على الزواج بسبب الفقر. واضطرارهما أن ينفسا عن مشاعرهما بأيه طريقة حتى لو أُهينت كرامتهما وأصبحا مثل قطط وكلاب الشوارع يتبادلان الغزل والحب في الشوارع ويتحملان نظرات الاحتقار من المارة إن لم يبادر البعض إلى تقديم شكوى لدى الأجهزة الأمنية المختصة بحماية الأخلاق في الوطن!

وكثيراً ما يُجرجر هؤلاء العشاق إلى الأجهزة الأمنية لأنهم يخدشون الحياء العام ولا يراعون العقلية المُحافظة السائدة. وتدفع الفتاة الثمن باهظاً إذ تُوصف فوراً بالمنحلة أخلاقياً والساقطة، وتراود عناصر من أجهزة الأمن أنفسهم للتحرش بالفتاة لأنها سهلة وبلا أخلاق كما حدث مع كثيرات. وأتعجب من هؤلاء الناس وهم الأغلبية كيف ينظرون إلى عشاق الشوارع تلك النظرة التحقيرية ويشمئزون منهم ويلعنونهم لأنهم لا يحترمون العقلية المحافظة السائدة (وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا). بينما منظر رجل يبول في الشارع لا يخدش الحياء العام ولا يشتكي عليه أحد. ومنظر الشبيحة بسياراتهم المُفيمة (زجاجها غير شفاف) حين يترجلون من سياراتهم ويجلسون في أفخم المقاهي والمطاعم ويضعون مفاتيح سياراتهم المُفيمة ومسدساتهم على الطاولة لا يخدش الحياء العام. إن منظر مسدس لشبيح على طاولة في مقهى أو مطعم هو أكبر تهديد واحتقار للمواطن، وهو تهديد علني كأن الشبيح صاحب المسدس يقول للناس: أستطيع أن أطلق عليكم الرصاص بمزاجي وساعة أريد. والرسم السنوي للسيارة المُفيمة هو 500000 ليرة سورية أي نصف مليون ليرة. وتتكاثر السيارات المُفيمة بشكل كبير، فلو حسبنا كم من الملايين تدخل خزينة وزارة الداخلية بسبب تفييم السيارات لكان الرقم خيالياً، ولكان هذا أولى أن تصرفه الدولة على المساكين بتأمين فرص عمل لهم أو رفع الرواتب كي يُصبح الراتب راتب احترام وليس راتب احتقار.

لقد درستُ ثلاث سنوات في المعهد الطبي وكان طلابي شباباً وشابات بعمر الورود، ودرستهم قبل بداية الثورة السورية بسنوات ومع ذلك كانوا يائسين ومُحبطين لأسباب عديدة أولها أن الدولة غير مسؤوله عن توظيفهم! أي أنهم يتخرجون من الجامعة ويرمونهم في الطريق، ولأنهم فقراء وأهلهم غير قادرين على إعطائهم مصروفاً خاصاً، إحدى الطالبات قالت لي: لو اشتهيت قطعة حلوى لما تمكنت من شرائها. الارتفاع الخطير لنسبة تأخر سن الزواج (أو ما يُعرف بالعنوسة) ظاهرة تفرض نفسها على المجتمع العربي، لأن هؤلاء الشبان الذين يشكلون أكثر من 70 بالمئة من نسبة السكان سيضطرون للجوء إلى طرق عديدة ليلتقوا، ليعبروا عن مشاعرهم وليشبعوا غريزتهم.

وقد اطلعتُ مؤخراً على موقع بالغ الأهمية مُختص بما يُسمى الإجهاض الآمن، حيث تشرف على هذا الموقع عدة طبيبات وأطباء يردون على رسائل الفتيات المتورطات بعلاقات حب أثمرت عن حمل، لكن الزواج غير ممكن بسبب الفقر وبسبب انعدام الأمل وانسداد الأفق بأن هؤلاء العشاق يمكن أن يُوفقوا بعمل يؤمن لهم دخلاً محترماً ليؤسسوا أسرة وليعيشوا تحت سقف واحد. هذا الموقع تنهال عليه آلاف الرسائل يومياً من شابات عربيات يطلبن الطريقة للإجهاض الآمن، ويقوم المسؤولون عن الموقع بإرشاد الشابة الحامل لطريقة الإجهاض الآمن بإستعمال أدوية معينة. وكلفة الإستشارة الطبية عبر الإنترنيت 90 دولاراً. أين أنتم يا حماة الأخلاق! أين أنتم لو تطلعون فقط على هذا الموقع للإجهاض الآمن وترون تهافت الفتيات العربيات عليه، لأن الحب مشوه في بلادنا ولأن مفاهيمنا الأخلاقية زائفة ويُمكن اختصارها بعبارة: وإذا ارتكبتم المعاصي فاستتروا أي أن المعاصي مسموحة لكن المهم السترة.

ازدواجية الأخلاق ظاهرة تميز مجتمعاتنا العربية، يكفي تأمل الارتفاع الهائل في عمليات ترقيع غشاء البكارة واستعادة العذرية، هذا يدل أن أخلاقنا زائفة ولا يهم سوى المظهر. وقد أبلغتني إحدى أهم الناشطات في المجتمع المدني والتي تشرف على أكبر جمعية لإعانة النازحين أنها اضطرت بنفسها لكتابة رسائل إلى موقع الإجهاض الآمن لأن العديد من الفتيات الفقيرات وخاصة النازحات تورطن في الحمل ولا مجال لأن يتزوجن فالفقر المدقع يحول بين لقاء الحبيبن. أية مشاعر قهر وذل وانعدام كرامة تحسها تلك الشابة التي بدل أن تفرح أنها ستصير أماً وبأنها حامل من رجل تحبه فإنها تتخلص من هذا الحمل كما لو أنه سرطان، تشويه الروح والمشاعر الجميلة الراقية بالحب والرغبة هو ما يحصل لشبابنا العربي وخاصة في بلاد الحروب. وما أشكال الزواج الغريبة مثل زواج المتعة وزواج المسيار وزواج الفريند إلا تحايل على القوانين كي يتمكن هؤلاء الشبان من أن يعيشوا حبهم ومشاعرهم، ولأن هذا حقهم وهكذا خلقهم الله بهورمونات جنسية تعطي الفرح وتجسد الحب وتؤسس لأسرة معافاة.

أجدر بهؤلاء القيمين على الأخلاق والذين ينظرون باحتقار وقرف لهؤلاء الشبان العشاق (عشاق الشوارع) أن يتفهموا ظروفهم ويرأفوا بهم ويُشفقوا عليهم من قبلات الظلام والبرد الزمهرير والجوع والفقر المدقع. مجتمعاتنا العربية مجتمعات شابة، وهؤلاء الشباب والشابات هم من سيبنون المستقبل. فكيف سيتمكنون من بناء المستقبل وهم مهمشون يرمون بأنفسهم في البحر وفي قوارب الموت بحثاً عن لقمة العيش. بينما تزداد نسب العنوسة ارتفاعاً ويزداد بشكل خطير الحمل خارج مؤسسة الزواج ولجوء الفتيات إلى موقع الإجهاض الآمن. والأخطر أن النفوس تتشوه وتغرق في اليأس والإحساس باللاجدوى وانعدام الأمل. عشاق الشوارع ظاهرة خطيرة يجب أن يلتفت إليها المسؤولون لأن إحباط جيل الشباب سينعكس سلباً وكارثة على الوطن. ولأنني معنية حتى نقي عظامي بالمواطن السوري؛ فأنا أطالب باسم عشاق الشوارع بأن تهتم الدولة بهم وأن تنشئ لهم ما يُسمى ببنك للزواج (كما في دولة الإمارات) مثلاً حيث يُعطى هؤلاء قروضاً تساعدهم على الزواج كي تصون إنسانيتهم ولا يتحولون إلى عشاق الشوارع.