المَكان: الأرضً التي غَدا أطفالًها وجبةً يوميةُ شهيةً للموتِ والاغتصاب.

الزَمان: زمنُ النار وزمنُ القتلى وزمنُ الأهوال، زمنُ العار.

الحَدَث: نظرةٌ حزينةٌ منكسرةٌ لطفلٍ امتلأ قلبُه رُعباً بعدَ أن تعرضَت طفولَتَهُ للاغتصاب.

مشهدُ الإذلالِ الأبشع منَ الموت

في ذلك الصباح الحزين المُخَضبِ بالدمعِ وبحيراتِ الحُزن ما كانَ عقلي يعمل، ساعةُ القلبِ وحدَها كانت تدُقُ بِخَفقاتٍ مجروحةٍ تكاُد الروحُ تخرجُ فيها من بين دَفتي الصدر, وأنا أرى هذا الطفلَ الذي تعرضَ للاغتِصاب. في هذا الزمن السوري المستباح في هذا الزمن السوري المُفتت كالغُبار يُغتَصبُ الأطفال السوريون ويُرمَونَ في الشوارعِ لا شيءَ يَحميهم أو يُغطيهم سوى الغطاء الجوي للكرة الأرضية.

الأطفالُ السوريون اليوم تحتَ النار طفولَتُهم  تترنحُ ودَمُهُم ينهمرُ في ظلِ انحطاطٍ سياسيٍ وانحطاطٍ اجتماعيٍ وانحطاطٍ اقتصادي وحربٍ أهليةٍ وقمعٍ وإرهابٍ وقتل وسجونٍ ومُعتقلاتٍ وتصفياتٍ سريةٍ وطوائفَ وعشائرَ وجنرالاتٍ يتحكَمونَ بِرقابِ البشرِ القطعان, كُلُّ شيءٍ في سورية مُباح لِأنَ القانون مُستَباح, الإنسانُ في سورية خانعٌ ومهزوم ومُستَلب ومُزَعزع الروح، فالليلة وكُل ليله وفي جميعِ الأوقات دماءُ السوريين مَهدورة لا يعرفون متى وبأيِ أرضٍ يموتون لكنًهم يعرفون أنَّ الموتَ ينتظرُهُم هُناك.

مُحَمَد هذا الطفل، نموذجٌ لِأطفالِ سورية المُطوقين في جَفن الردى الذي ينهشُهُم حتى لَتبدو حياتُهم ضرباً مِنَ الحُلُم يُستَعادُ كًشريطٍ سينمائيٍ جميل مُفعمٍ بالأسى وفُقدانٍ الذاكرة فيصيرُ الموت هوَ الحقيقة وليسَ الحياة، هَكذا يزحفُ الموتُ نحوَ الأبرياء نحوَ الأطفال بلا عقلانية وعشوائية ومجانية.

كُلُّ طفلٍ في سورية قًدّ يكونُ مُحَمَد

أطفالُ سوريةَ اليوم تحتَ السكين تتلوى أجسادُهُم الرقيقة من الجوعِ والقَتلِ والإرهابِ والاغتصاب، أجسادُهُم وهي تَتَمزقُ وتُغتَصب وحدَها تصرُخُ في زحمةِ الموت هل تُرى لا يستَحقُ أطفالُ سوريةَ غيرَ الموتِ في هذا الزمَن الأَعمى؟ في زمنِ “العار”، هل هُناك من أملٍ لِأطفالٍ يحيون في قلبِ هذا الجحيم ؟ وهل ينبَغي إن كُنا صادقين أن نَشعُرَ بِنَبضةِ تفاؤُل تحتَ غمرةِ هذا الاجتياح البربري للموت اللاعقلاني المُنفَلِت من عِقالِه على سطحِ الأرضِ السورية ؟

مُحَمَد مَلأت الجراحاتُ وَجهَهَ وجَسدَه وكأنَ سادياً هوَ مَن انتزَعَ مِنهُ براءتَهُ، كانَت ترتَمي مِن عَينيه الرائِعَتين ظلالُ الحُزنِ العَميق تُحِيطُهُما أشعةُ الخوفِ فتُعطي لِنَظرتِهِ عُمقاً، كانَت عيناهُ تقولان كَم هوَ مُخجِلٌ ومُحزِنٌ أنَّ كثيرينَ مِنَ السوريينَ اليوم يَحسُدونَ الكِلاب.

حِزبُ الصَمت

قيلَ يوماً لا تخشَ أصدقاءك فأقصى ما بِإمكَانِهم خيانتُك ولا تخشَ أعداءكَ فأقصى ما يستطيعون اغتيالَك بل اخشَ اللامُبالين مَن يقولون امشِ الحَيط الحَيط وقُل يا ربِ السَتر، مَن يقولون مَن يأخُذ أُمنا نُسميهِ عَمنا، مَن يقولون العَين لا تُقاوِمُ المِخرَز، مَن يقولون “الإيد اللي ما فيك تَعضها بوسها وادعي عليها بالكسِر”، فَصمتُهُم يُجيزُ الخيانَة ويُبررُ القَتل.

وقفتُ قليلاً لِأرى ما سَيفعَلُهُ السوريون لِهذا الصَغير، مُحَمَد المُغتَصَب، بعضُهم مَرَّ قائِلاً إِنّا لله وإِنّا إليهِ لَراجِعون ولا حَولَ ولا قوةَ إلا بالله ناسياً صوتَ الأجدادِ الصارخِ بالخليفةِ والله لو وَجدنا فيكَ اعوجاجاً لَقومناهُ بِحَدِ السُيوف وبعضُهُم مَرَّ دونَ فِعلٍ أو حتى ردِّ فِعل وكأنَّ مُحَمَداً كانَ يَعتَمِرُ قُبَعَةَ الإِخفاء وكَأنَّ الذَبحَ والقتلَ والاغتصاب صارَ أمراً عادياً لا تَستوقِفُنا بشاعتُهُ وأفضَلُهُم أحضرَ شَرشَفاً وغطى بِهِ بَراءَةَ مُحَمَد مُغطياً بِذلِكَ عارَنا.

الوَطنُ يَتمَزقُ أشلاءً، وأطفالُ سوريةَ يُحرَمونَ مِن بَراءَتِهِم ومَعَ ذلِك فالمواطِنُ السوري المُحايِد لا يَصرُخ، بل يصمت، يَبيعُ ويَشتري ويَهرُبُ بَعيداً عَن النارِ اللافِحةِ يقولُ “ما دَخَلني فَخار يكسِر بَعضو.”

أَيُها الموت تَوقَف عَن التَحديقِ في أطفالِنا وارحَل بعيداً

مُحَمَد طِفلٌ في عُمرِ الفاجِعَة، مُتعَبُ المَلامِح، مَذعُورٌ كذئِبٍ جَريح، بِوَجهِهِ المُحترِق مِن وَهجِ الشَمس، تَعَرَضَ كَما كَثيرونَ غيرُهُ مِن أطفالِ سوريةَ لِلإذلالِ الأبشَعِ مِنَ الموت “الاغتِصاب”، عَورَةُ مُحَمَد المَكشوفَة كَشَفَت عوراتِنا، عَرَتنا، كَسَرَت كِبرياءَنا،  تَصرُخُ بي عَيناه أَن “لا يُلامُ الذِئبُ في عُدوانِهِ… إِن يَكُ الراعي عدوَّ الغَنَمِ.”

عصيرُ الحياةِ المُر وعجينَةُ الموتِ اليومي تَقذِفُ حِمَمَها إلى كُلِّ الجِهات، والموتُ يَفعَلُ في أطفالِ سوريةَ فِعلَ المُتوالية الحِسابية فَهوَ ما إِن بَدأَ لَم يترُك لِطُفولَتِهِم فُسحَةً لِالتِقاطِ الأنفاس فَصارَت حُدودُهُم كَما يَقولُ الماغوط مِنَ الشِمالِ الرُعب ومِنَ الجنوبِ الحُزن ومِنَ الشَرقِ الغُبار ومِنَ الغَربِ الأطلال والغِربان بَعدَ أَن غَدَت طُفولَتُهُم وَجبَةً يَومِيَةً لِلموتِ والاغتِصاب.

في أعماقِ مَن تَبقى على هذهِ الأرضِ السوريةِ المُستباحةِ مِن أطفال صَرخَةٌ تَنشُدُ الحَدَ الأدنى مِن حياةِ الحُريَةِ والكرامَةِ والمُستَقبَل فَذاكِرةُ الأطفالِ حَيَةٌ لا تنسى الإرهابَ والخوفَ والتجويع.

وَرَقَةُ التوتِ الأَخيرة

أيُها الصامِتونَ في كُلِّ مَكان على أرضِ سوريةَ قِفوا وألقوا نَظرةً خاطِفَةً على ما كُنتُم عليه وما أنتُم عَليه الآن مِن نِعَمٍ ومباهِجَ ومَسرات، أينَ كُنتُم تَسكُنون وتُقيمون وأينَ صِرتُم تَسكُنون وتُقيمون، ماذا كُنتُم تأكُلون وماذا صِرتُم تأكُلون، كُلُّ هذا لم يأتِ مِن فَراغ بَل هوَ نِتاجُ رَبيعِ الدَّمِ الذي أغرَقَ السوريينَ في الفَقرِ والجَهلِ والمَرَضِ والجوعِ والتَخَلُف.

أيُها المُسَلَحونَ الأكارِم، أياً كانَتِ انتماءاتُكُم وطوائِفَكُم وأهدافَكُم وأنواعُ أسلِحَتِكُم، تابعوا أعمالَكُم ولا تُبقوا على شيءٍ في سورية… دَمِروا مَصانِعَها، اهدِموا مساكِنَها لا تَترُكوا في سوريةَ إلا الدُخان والخَرائِب… ولَكِن فَقَط تَرَفقوا بِالأطفال، فما جَريمَتُهم إن وُلِدوا في سوريةَ وفي هذهِ المَرحَلة؟

في عَصرِ الموتِ السوري يُولَدُ أطفالُ سوريةَ في زَحمَةِ الموتِ مَذعورين ويَرحلونَ في زَحمَةِ الموتِ مَذعورين. مسكينٌ يا مُحمَد، مِسكينُ أيُها الطِفلُ السوريُ الجَريحُ المُتعَب كَم مِنَ التزويرِ والتشويهِ يُرتَكبانِ بِحَقِ طفولَتِكَ بينما نَحنُ مُنشَغِلونَ بِآخِرِ وَرَقَةِ تُوتٍ تُغَطِّي عَوراتِنا.