يعرف قاموس مصطلحات الجندر والجنسانية مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBT” المعروف عالمياً بأنهم المثليون والمثليات وثنائيو وثنائيات الميل الجنسي والمتحوّلون والمتحوّلات جنسيًا وحاملو وحاملات صفات الجنسين والكوير، و تنقسم الآراء ووجهات النظر التي تتعلق بهذا المجتمع في سوريا إلى اتجاهات عديدة. يرفض البعض تجريم ومعاقبة الأشخاص بناء على ميولهم الجنسية، على اعتبار أن هذا النوع من الاضطهاد مخالف لحقوق الإنسان، معتبرين أن التوجه الجنسي هو مسألة شخصية بحتة لا يحق لأحد التدخل فيها. “إلا أن المبالغة في التعبير عن هذا التوجه، وجعله علنياً في الأماكن العامة، هو ما يعد غير مقبول، أسوة بأي تصرف آخر يعد غريباً عن المنظومة الأخلاقية في سوريا” بحسب أيهم المصري وهو مهندس معلوماتية يقيم في دمشق.

فيما يرى عيد الآغا أستاذ التاريخ في دمشق أن الموقف من هذا المجتمع لا يمكن أن يكون مجرداً من المفاهيم الدينية ونظرة المجتمع السائدة، “لأن ثمة قيوداً قيمية ومجتمعية ترفض بشكل صارم وواضح الممارسات الجنسية المخالفة للطبيعة كما وصفتها الأديان”.

وعلى الرغم من تباين الآراء والمواقف وتشددها في كثير من الأحيان ضدهم، وترافق ذلك مع إطلاق نعوت وصفات سيئة على الأشخاص المنتمين إلى مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBT، إلا أنه لا يمكن التغافل عن التحول الملحوظ الذي طرأ خلال السنوات الأخيرة على طريقة التعاطي معهم في سوريا. إذ لم يعد مستغرباً رؤية أشخاص مثليين، أو ممن يبدو على هيئتهم عدم وضوح في الهوية الجندرية، يتجولون في الشوارع، ويدخلون إلى البارات والمقاهي العامة. كما أن السوريين المنتمين إلى الـ”إل جي بي تي”/”LGBTباتوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً لعرض قصصهم على الملأ، انطلاقاً من فكرة أن تسليط الضوء على ما يتعرضون له من معاناة، قد يساهم في إيصال صوتهم، وتوضيح المغالطات التي تحيط بعالمهم.

فعلى الشبكة العنكبوتية الناطقة باللغة العربية، انتشرت الكثير من الحملات والتجمعات الافتراضية على غرار صفحة “إل جي بي تي بالعربي” التي أسسها فادي سليم عام 2017، وصفحة موالح سابقاً.

ويبدو أن الحرب لعبت دوراً إيجابياً لصالح بعض مجموعات الـ”إل جي بي تي” في سوريا التي أصبحت تمتلك جرأة وتعلن نفسها ومواقفها على العموم، وذلك نتيجة انحسار الرقابة الأمنية التي كانوا خاضعين لها فيما سبق، وانشغال السوريين عموماً بأوضاع كانت تعد مصيرية بالنسبة لهم.

لكن هذا لا يعني أنهم باتوا يعيشون بحرية ودون ضغوط، أن أن بإمكانهم إحداث تغييرات حقيقية للاعتراف بوجودهم، على غرار ما يحدث في بعض المجتمعات الغربية.

فالمجتمع السوري يعتبر من المجتمعات المتدينة والمحافِظة، التي ما يزال فيها الدين الإسلامي مصدراً أساسياً للتشريع، والدين الإسلامي يحرّم بشكل لا لبس فيه المجامعة الجنسية بـ”خلاف الطبيعة”، ويعتبرها من الكبائر، كذلك تعارض الكثير من القوانين هذا، كقانون الأحوال الشخصية، فضلاً عن أن المسيحية تنهي عن ذلك في إحدى الآيات الواردة في الإنجيل، وفيها “لا تضاجع ذكراً مضاجعة امرأة”.

كما أن مجتمعاً يعتبر حتى الآن ممارسة الفتاة للجنس خارج إطار الزواج مسألة “عرض وشرف”، ولا يزال الناشطون فيه يكافحون من أجل إصدار قانون يعترف بالزواج المدني الاختياري، لا يمكن التعويل عليه لتقبل مجتمع الـ”إل جي بي تي”/”LGBTبالصيغة التي يريدون. حتى أن قانون العقوبات السوري يعاقب على الممارسة الجنسية من نفس الجنس، بالسجن مدة ثلاث سنوات، علماً أن العقوبة غير معمول بها بشكل فعلي، لكنها تبقى تؤرق حياة المثليين، التي لا تخلو من حوادث ملاحقة واعتقال، كما أن القوانين التي من شأنها أن تمنح الحق بتغيير الجنس القانوني، غير واردة في الطرح، ولا يبدو أنها قد تبصر النور قريباً.

الخوف والتخفي

يتقاسم أفراد مجتمع الـ”إل جي بي تي” الهموم والمشكلات نفسها، مع بعض الاختلافات التي تفرضها طبيعة الحالة والتوجه الجنسي والهوية، فالتكتم والسرية خشية عدم كشف الأمر، يعد سمة مشتركة بين المثليين، إضافة إلى اتخاذ بعض منهم نمَطَي حياة مختلفين، يشكل أحدهما النمط “الشائع” في المجتمع، بينما يعبّر النمط الآخر عن كيانهم الحقيقي.

يتحدث فادي سليم، الشاب المثلي الذي كان يسكن في حي القصاع في دمشق عن التجربة التي مر بها، قبل أن يتخذ هو وزوجه الحالي القرار باللجوء إلى ألمانيا عام 2015. فمنذ نشأته الأولى، كان فادي يشعر باختلاف ما داخله إلا أنه لم يدرك حقيقة هذا الشعور حتى بلغ التاسعة عشر من عمره، وتأكد من ميوله الجنسية نحو الشباب.

ولم يكن من السهل لفادي أن يسير في رحلة الإدراك والكشف هذه، فقد عانى من نبذ الذات، وفكّر في الانتحار عندما كان طالباً في المرحلة الإعدادية، لأنه تبادل قُبلة مع أحد أصدقائه في المدرسة آنذاك، فشعر حينها أنه “شاذ وسيء الأخلاق”، لأنه عجز عن إثبات ذكورته، التي يتمثل حيز منها بأن يختار شريكاً مغاير الجنس. ولم يُجد فادي نفعاً من مواعدة إحدى الفتيات، للتغلب على الاضطراب الذي كان يعتمل في داخله، فهو لم يستطع أن يمارس الجنس معها، حتى أنها لم تكن تزور مخيلته أثناء ممارسته العادة السرية، إلا أنها ظلت صديقة له، وقد ساعدته على التظاهر أنهما مستمران في علاقتهما، من أجل التستر على هويته المثلية أمام عائلته والمجتمع المحيط به.

يروي فادي سليم: “إن التركيبة الشرقية للمجتمع السوري تساعد إلى حد كبير في عدم الكشف عن الميول المثلية، لأنه من الطبيعي وضمن المسموح به أخلاقياً واجتماعياً، أن يتشارك شابان أو فتاتان مكان السكن، وأن يتبادلا القُبلات عند المصافحة”. إضافة إلى أن آراء أخرى تفيد أن هذا المجتمع نفسه، يبدو أكثر تقبلاً للفتاة المثلية، مما هو عليه مع الشاب المثلي، علماً أنه ما من أدلة تثبت صحة هذه الفرضية، فحقيقة الأمر، أن المثليات يتعرضن للإهانة والاضطهاد، خاصة عندما يُكتشف أمرهن، أو يميل مظهرهن إلى الذكورة.

 إلا أن النظرة الشرقية التي يغلب عليها الطابع الذكوري، “يميل جزء منها إلى الاعتقاد أن رؤية فتاتين أثناء المعاشرة الجنسية، هو حدث جمالي أكثر منه جنسي، لأن المرأة مثال للجمال، ولا يمثل جسدها العنف الذي يمثله الرجل بوجود العضو الذكري” كما يقول رفيف المهنا الطبيب النفسي.

ولا تقفالآراء النمطية المحيطة بالمثلية الجنسية في سوريا عند هذا الحد، فالموروث الثقافي يفرض على العائلات والأهل أن يغرسوا “أفكار الرجولة في أذهان الصبية الصغار، وعدم السماح لهم بالتصرف كالنساء، ومنع الفتيات من القيام بأفعال مسترجلة”، برأي قاسم العبدالله وهو من سكان حي المزة. بيد أن وسم المثليين عامة أن الجنس هو شغلهم الشاغل، وربط سلوكهم الجنسي بالدعارة في كثير من الأحيان، هو أكثر ما يزعج أفراد هذا المجتمع، علماً أن تصرفات بعض منهم تساهم في تكوين هذه الفكرة النمطية عنهم.

وهذا ما حدث مع سائق التاكسي عماد، عندما كان يقل راكباً إلى منزله في حي الميدان الدمشقي، فتودد له هذا الراكب مظهراً انجذابه الجنسي نحوه، دون أن يخطر في باله أنه سيلقى رداً عنيفاً من عماد.

إن ما يحيط بالمثلية الجنسية من مغالطات، ليس لها أي استناد علمي أو منطقي، يعود إلى هيمنة المنظور الأخلاقي على المنظور الطبي، فعلى الرغم من أن كمية كبيرة من الأبحاثالجنسية، أثبتت أن المثلية بعيدة عن كونها مرضاً وفعلاً شاذاً عن الطبيعة، وأن التأثيرات الهرمونية أثناء نمو الجنين، قد تؤثر على أجزاء معينة من الدماغ، وبالتالي تؤثر على التوجه الجنسي، إلا أن عدم الاطلاع على هذه الأبحاث، والإصرار على أن العلاج النفسي والإقناع قد يسهم في تحويل المثلية الجنسية، يعكس الرؤية السائدة للمنظور الأخلاقي والثقافي المهيمن في المجتمع السوري.

قصة عابر للجنس

يندرج العابرون جنسياً“ترانس سيكشوال”/”Transsexual people” تحت مصطلح المتحولين “الترانس جندر”/”Transgender people”، وهم يخضعون أو يحتاجون للخضوع لعمليات تدخل هرموني أو جراحي، لتكون أجسامهم متوافقة مع الهوية الجندرية التي يعبرون إليها. وقد لا ينفع التستر واتخاذ نمَطَي حياة مختلفَين مع العابرين جنسياً، الذين لا تتوافق هويتهم الجندرية مع الجنس البيولوجي عند الولادة بالتشريح أو الجينات، فهم لا يستطيعون إخفاء التغييرات التي تطرأ على مظهرهم الخارجي، وليس ثمة قوانين في سوريا تتعلق بالعابرين.

وبهذا يواجه العابرون جنسياً مجموعة إضافية من التحديات في المجتمع السوري، يتجسد معظمها في قصة جان، الذي لا يزال إلى الآن، يعيش ارتدادات فترات الاضطراب وعدم التوازن التي لازمته منذ الصغر. فالجسد الأنثوي الذي يرافقه منذ ثلاثة وعشرين عاماً، أرهقته مضادات الاكتئاب والهرمونات الأنثوية، التي دأب المعالجون النفسيون والأطباء على وصفها له، على اعتبار أن ما يمر به هو فترة اختلال مؤقتة، يمكن معالجتها عن طريق الأدوية. فأصبح يقضي معظم وقته نائماً، منفصلاً عن الواقع، مسلوب الإرادة عن فعل أي شيء في الحياة.

كان جان في السابعة عشر من عمره عندما أدرك أنه في حالة انفصال تام عن جسده، وأن هويته الجندرية بشكلها الأنثوي لا تمثله، فقرر حينها أن يوقف حياة الزيف والتظاهر التي كان يعيشها إرضاءً لأهله، وهم لا زالوا يصرون حتى الآن على التعامل معه على أنه فتاة، واستبدل الملابس النسائية وأدوات التبرج التي كان يستخدمها بناء على طلب المختصين، الذين ارتأوا حينها أن التمسك بالشكل الأنثوي سيحل المشكلة، وبدأ بارتداء ما يناسبه من الملابس الرجالية، والتمثل بالهوية التي يشعر أنها تعبر عن حقيقيته الجندرية، متحدياً عائلته والمحيط الاجتماعي في سوريا.

لا يشكل الصراع مع المحيط التحدي الوحيد لجان، فالحياة العاطفية لديه شبه معدومة، وتمثل العادة السرية بالنسبة له “تجربة مزعجة” على حد وصفه، فأعضاؤه التناسلية الأنثوية لا تلبي رغبته، ولا تمكنّه من الوصول إلى حالة النشوة والانفجار التي يشعر بها الذكر عند القذف، فضلاً عن أن الإحساس بعدم الانجذاب الجنسي نحو أي من الجنسين، لا يزال ملازماً له منذ فترة طويلة.

يتعرض جان أثناء خروجه إلى الشارع لكثير من عبارات السخرية والاستهزاء بمظهره، وتلاحقه نظرات المارة المليئة بالاستغراب والتساؤل، فشكله الخارجي أصبح خليطاً بين الأنوثة والذكورة، ورغم إخفائه لثدييه  بقطعة قماش، إلا أنه لا يزال يحتفظ ببعض الملامح الأنثوية، وهذا ما جعل “التلطيشات الساخرة” كما يصفها، تكون أقرب إلى التي تُقال للمثليين.

إن مسألة اختلاف الهوية الجندرية، وعدم قدرة العابرين جنسياً على توثيق الهوية التي تمثلهم قانونياً، تضعهم أمام مشكلة يواجهونها في الدراسة والعمل، وهي تعتبر الأهم بالنسبة لهم. إذ لا يمكن لجان أن يوثق تخرجه من كلية الإعلام بهويته الذكورية، وهو ما جعله يتخلى عن دراسته الجامعية، وأفقده فرصاً للعمل في مجال تصميم الغرافيك الذي أتقنه بنفسه، كما أن عمليات التصحيح الجنسي في سوريا، تُجرى فقط في حالات التشوه الخلقي للأعضاء التناسلية، الأمر الذي يحتّم على جان السفر إلى الخارج، في حال أراد الحصول على المساعدة الطبية اللازمة وإجراء التصحيح.

وكما تلاحق الأفكار النمطية المثلية الجنسية، كذلك هو الأمر بالنسبة للعابرين، إذ إن الآراء السائدة تميل إلى الاعتقاد، أن التحول أو العبور إلى الجنس الآخر، هو خيار شخصي يتبع لمزاج الشخص وأهوائه. إلا أن حقيقة الأمرهي أن العابرين لا يستبدلون هويتهم الجندرية بهوية أخرى، لأنهم لطالما كانوا وسيظلون الجنس الآخر الذين عبروا إليه. وعليه، فإن خوف المجتمع من وجود الـ”إل جي بي تي”/”LGBT”، والإصرار على نبذهم، فيه كثير من الظلم والمبالغة غير المبنية على أسس منطقية وعلمية، لأن الميول الجنسية والهوية مسألتا وجود وتنوع أفرزته الطبيعة.