بعد إعلان نقيب الصيادلة في سوريا، وفاء الكيشي الخميس الماضي رفع أسعار جميع الأدوية بنسبة 30 بالمائة؛ قفزت في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرقي البلاد والخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بنسبة 60 بالمائة، تنقسم على نحوٍ تضم الزيادة الأخيرة وأجور النقل من دمشق والأتاوات التي يفرضها عناصر تابعون للحكومة، على المعابر والمنافذ الحدودية الواصلة مع مناطق الإدارة في معبري الطبقة جنوبي الرقة، والعكيرشي شرقي المحافظة.
وبعد ساعات من اصدار الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً، قضى بزيادة رواتب وأجور العاملين في الدولة المدنيين منهم والعسكريين نسبة 30 بالمائة، قالت وفاء الكيشي نقيب الصيادلة بسوريا في افادة صحفية أن أسعار جميع الأدوية رفعت 30 بالمائة، وهذه المرة الثانية خلال العام الحالي ترفع وزارة الصحة أسعار الادوية حيث كانت الأولى منتصف حزيران (يونيو) الماضي، ونشرت مديرية الشؤون الصيدلانية في وزارة الصحة عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، نشرة الأسعار الجديدة للأدوية التي تضمنت تعديل أسعار 13 ألف صنف دوائي.

ارهاق المرضى
في شارع الأطباء وسط السوق المركزية لمدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، يجهد وائل الرجل الخمسيني البحث عن دواء لمرض أبنه الصغير المصاب بأذنه الوسطى، وقال بأن غلاء أسعار الأدوية في مناطق الإدارة وسط تدهور الأوضاع المعيشية وانخفاض قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية (الدولار الواحد يساوي 3550 ليرة)، يزيد من مشقات حياته وقال لـ “صالون سوريا”: “أسعار الأدوية غالية جداً وأنا موظف راتبي أقل من 100 ألف ووضعي لا يسمح، فمعاينة الطبيب ولائحة أدوية لشراء قطرة أذنيه ومخفض آلام تطلبت دفع مبلغاً كبيراً”.
وتصاعدت حدة أزمة نقص الأدوية في مناطق الإدارة الذاتية شرقي الفرات بعد إغلاق القوات الحكومية جميع المعابر البرية مع مناطقها منذ مارس (آذار) الماضي وتوقف دخول الأدوية إلى مناطق سيطرة قوات (قسد)، الأمر الذي دفع عناصر قوات حكومية لفرض رسوم وإتاوات باهظة وصلت إلى 50 ألف دولار أميركي.
وتقول سيدة تبلع من العمر ثلاثين سنة وتدعى فاطمة تتحدر من بلدة الشدادي جنوبي الحسكة، وكانت تحمل طفلها المريض وتبحث عن الدواء بشارع الأطباء لكنها فشلت في الحصول على خافض للحرارة في جميع الصيدليات، ونقلت بانها لم تجد دواء “تيمبرا” الخاص بخفض الحرارة التي بحثت فيها فاضطرت إلى شراء البديل، لكن بسعر مرتفع وذكرت في حديثها لـ(صالون سوريا) أن: “ابني أصيب بإسهال وارتفعت حرارته بشكل مخيف بسبب برودة الطقس وتقلب الأجواء، بحثت عن الدواء فلم أجده وأجبرت على شراء دواء شبيه لكن بسعر غالٍ جداً”.
فأدوية الأمراض القلبية والصرع إلى جانب قطرات الأذن وأدوية الأمراض الموسمية المعدية، من بين أهم الأصناف المفقودة في مناطق الإدارة الذاتية وأحياناً يظهر المستحضر الدوائي ويصبح رائجاً وموثوقاً ثم يعود ينقص فترات طويلة ليتم طرح مستحضر شبيه، لكن بأسعار مرتفعة ومتذبذبة، وعن أزمة نقص الأدوية وشحها يقول الصيدلاني عبد الحكيم رمضان الذي يمتلك صيدلته في شارع فلسطين التجاري وسط مدينة الحسكة ضمن قطاع الإدارة لدى حديثه الى (صالون سوريا)، الى إن المشكلة ليست بفقدان أدوية أمراض الجلطات والأمراض المزمنة وباقي الأمراض.
ويقول: “نعاني صعوبة في تأمين الدواء بسبب حصار معابر (الفرقة الرابعة) مع مناطق سيطرة الحكومة، وشراء المواد الأولية مربوطة بالدولار الأمريكي، يضاف إليها وجود المعامل والشركات بدمشق وحلب والتي تتحكم بتحديد الأسعار”، منوهاً بأن أغلب أدوية أمراض السكري والضغط وحبوب الغدة وقطرات الأذن والعين تتحكم بأسعارها الشركات والمعامل في المنشأ والصيدليات تضطر إلى شرائها محررة أي بسعر العموم، وأضاف رمضان: “هناك قطرات لمرض العيون سعرها في المنشأ 3500، لكن نشتريها بسعر مرتفع يصل إلى 5 ألاف وأحياناً 6 ألاف، وهذا يضاعف أسعار الأدوية هنا ونحن نبيعها بزيادة 500 ليرة يصبح سعرها مضاعف”.
رشاوي
منذ آذار (مارس) الماضي، تمنع القوات الحكومية عبور الشاحنات والسيارات التجارية الآتية من دمشق من إكمال وجهتها والدخول إلى مناطق “قسد”، وأغلقت معبري العكيرشي شرقي الرقة والطبقة التابعة للمحافظة ويقع جنوبي نهر الفرات، ويفرض عناصر تابعون لقوات الحكومة، إتاوات فردية وتجارية على حركة المرور قد تصل لآلاف الدولارات على شاحنات نقل البضائع والسلع الغذائية وشحنات الأدوية.
وقال معتمد أدوية يتحدر من مدينة الحسكة طالباً عدم الإفصاح عن هويته لأسباب أمنية، أن :عناصر من النظام أصبحوا يفرضون مبالغ مالية طائلة على شحنات الأدوية القادمة من معامل وشركات تصنيع الأدوية بدمشق والمتوجهة نحو مناطق الجزيرة، عبر منفذ الطبقة:، وقال: “يأخذون رشاوي على المتر الواحد مبلغ 500 دولار أميركي، وعادة الشحنة تكلف ما بين 25 ألف دولار إلى 50 ألفاً حسب الوزن والكميات، عدا أجور النقل وتكلفة توزيعها على المستودعات والصيدليات”، الأمر الذي يزيد من أسعار الأدوية في مناطق الإدارة بنسبة تصل إلى 30 في المائة من سعر التكلفة بالعاصمة.
أما نيجرفان الذي يمتلك مستودعاً للأدوية يقع في منطقة تماس تفصل مناطق سيطرة النظام عن مناطق نفوذ “الإدارة” قرب ساحة النجمة وسط الحسكة،قال أن زيادة ارتفاع أسعار الأدوية الأخيرة تزامنت مع فقدان الكثير من الأصناف، ويعزو السبب الى أن الشركات والمعامل رفعت الأسعار بعد القرار الأخير، وأكد أن أدوية الأمراض المزمنة شبه مفقودة وذكر بأن أصناف (كارباتيك 400) مفقود الذي يستخدم لمرضى الصرع، أما مسكنات الألم (دراما دول) و(ديازيبام) و(دورميتا) هي ايضاً مقطوعة، وقال في حديث لـ”صالون سوريا” انه إذا توفرت أصناف مماثلة “تكون أسعارها مرتفعة جداً يضاف لها أجور نقلها وشحنها من نقطة الاستلام”، لافتاً إلى أن السيرومات مصدرها تركيا وهناك أصناف من حليب الأطفال إيرانية الصنع، وبعض أدوية مسكنات الألم والمخفضات يكون مصدرها أجنبياً. وزاد: “الطلب يكون على الدواء السوري حتى ولو سعره مرتفع، فالمريض يثق بالصناعة الوطنية، لكن علبة الديالين كان سعرها بالجملة سابقا 1535 ليرة تباع اليوم 10500 ليرة، وكل أنبولة منها سعرها 2700 ليرة”.
ويشكو كثيرون من المرضى فقدان أدوية أمراض مزمنة مثل أدوية القلب والضغط وأدوية الكوليسترول، فضلاً عن القطرات والصرع، إضافة إلى أن بدائل هذه الأدوية غالية الثمن والمريض لا يأخذها إلا بعدما يرجع للطبيب، ونقل صاحب مستودع ثاني بالحسكة، أنه اتفق مع تاجر وصاحب شركة شحن على نقل دفعة من السيرومات من دمشق إلى مناطق الإدارة، وبعد حصوله على جميع الموافقات الأمنية واصطحابها معه وأثناء وصوله إلى حاجز رسمي عند مدخل بلدة الطبقة، أوقفه عناصر الحاجز وطلبوا منه دفع رشوة بقيمة 10 آلاف دولار أميركي، ليحتج سائق السيارة ورفض دفع المبلغ المطلوب، وقال: “السائق قال لهم إنها سيرومات وحجمها كبير وشحنة الأدوية كاملة لا تساوي 10 ألاف دولار”، غير أن عناصر الحاجز أجبروه بالعودة إدراجه.