أجرى بسام حداد لمجلة “الوضع” هذا الحوار مع ربيع نصر المشارك في تأسيس المركز السوري لبحوث السياسات عن أنشطة وأبحاث المركز والمسائل الحساسة المتعلقة بالانتفاضة السورية بما فيه أسباب وأين يقف السوريون بعد ست سنوات.

نص البرنامج

بسام حداد: نحن سعيدون باستضافتك مرة ثانية لكن هذه المرة في واشنطن، وأود أن نتحدث معك عن الشأن السوري ومجموعة من الأمور الأخرى. ونحن نتحدث مع حضرتك الآن كأحد مؤسسي المركز السوري لبحوث السياسات.

ربيع نصر: أهلا وسهلا بسام، دائماً يسرنا اللقاء معك.

بسام حداد: نحن الآن في وضع سيء كالعادة في سوريا ونتحدث الآن في أواخر شهر نيسان ٢٠١٧ ونحب أن نتناول بعض الأمور التي لها علاقة بالوضع السوري. لكن قبل أن ننتقل إلى مواضيع أخرى أريد أن نتحدث عن مسألة الجو الخطابي الموجود حول سوريا سياسياً واجتماعياً، إلخ يستطيع المرء القول بسهولة إن الجو مسموم، لا يوجد إنتاجية، ولا جدوى من هذا الخطاب في كثير من الأوقات وينزلق إلى أمور في غاية التفاهة وغير مجدية ولذلك أنا من الأشخاص الذين يقدرون كثيراً في جو أو وضع كهذا ما يقوم به بعض الأشخاص مثلكم، وأُقدر عملكم في المؤسسة وعملنا نحن هنا في مؤسسة الدراسات العربية من أجل إنتاج معرفة وبحوث، الخ، فهل يمكن أن تحدثنا قليلاً عن الأبحاث التي تقومون بها منذ فترة والأمور التي يمكن أن يهتم بها المستمعون إلينا بالنسبة وخاصة الأبحاث الميدانية الذي قمتم بها.

ربيع نصر: طبعاً في هذا الوضع السوري المأساوي، وفي ظلّ نزاع مسلّح مرّ عليه سبع سنوات، إن الجزء الأساسي الذي يمكن أن يكون الحَكَم بالأخص بالنسبة للمجتمع السوري هو الوضع الذي يعيشه الناس والتصور المستقبلي الذي يمكن أن يكون المخرج لأفق مستقبلي.

في المركز نشتغل على القضية المعرفية في خدمة المجتمع وبالتالي استخدام كافة الأدوات الممكنة كباحثين وكذوات بحثية لخدمة الأولويات المجتمعية من أجل الخروج من النزاع المسلح بعيداً عن الاستقطاب السياسي أو البروباغندة الإعلامية التي يمكن أن تكون مترافقة مع الكثير من الحوادث. أكيد هذه عملية صعبة ومعقدة جداً، لكننا نرى الغرض منها رئيسياً، وذلك من أجل  أن يرى الناس المصلحة المشتركة، والقضايا الرئيسية التي يشتركون فيها والتي فيها استدامة لمستقبلها واستدامة للمجتمع وللتضامن الاجتماعي حتى يتمكن المجتمع من تجاوز المرحلة الصعبة التي يمر فيها.

إن أحد الأبحاث الأخيرة التي عملنا عليها هو بحث عن رأس المال الاجتماعي وعن مدى التصدع الاجتماعي الذي حدث. وكتير من النتائج تشير إلى أشياء مختلفة عن القضايا المطروحة كخطابات سياسية، هذا الظلم الذي تعرض له المجتمع السوري، والذي أدى إلى تفكك وانعدام الأمن وانعدام الثقة بين الأفراد نتيجة استخدام العنف إن كان بشكل مباشر من خلال القتل أو بشكل غير مباشر من خلال اقتصاديات الحرب واستغلال وابتزاز وحصار الناس، هذا كله  من خلال هكذا نوع من البحوث يمكن قياسه. والحقيقة إن إحدى أهم نتائج هذا البحث هو كيف تشترك قوى التسلط، إن كانت قوى تسلط سياسية أو عسكرية أو اقتصادية بحالات العنف وحالات الحرب، بظلم الناس واستبعادهم وهذا ما يفعله معظم المنخرطين بالحرب في سوريا.

هنا ترى أن هناك تغييباً لدور المجتمع، وتغييباً للمعاناة الموجودة في المجتمع ويوجد تركيز في الخطاب السياسي على من هو المسيطر أو كيف ندعم أحد الأطراف المسيطرة، المسيطرة من خلال الهيمنة والخوف طبعاً.

إن التحدي الرئيسي الموجود هو كيف نظهر معاناة الناس وكيف نرفع من أهمية الدور المجتمعي كي يعود عاملاً مؤثراً في صناعة السياسة وصناعة التنمية والمستقبل السوري وتقليص دور قوى التسلط والبروباغندة التي تطرحها كحل لسوريا.

هناك بعض الأطراف التي تطرح أن الاستبداد السياسي هو حل لمستقبل سوريا. وأن الهيمنة والاستبداد والدكتاتورية والتطرف لا مفر منهم بما أنهم أمر واقع موجود وكأنهم الحقيقة الوحيدة الموجودة في سوريا، فهذا نوع من الخطابات التي تتجاهل الكثير من البدائل التي يتمناها الكثير من الناس ويتطلعون إليها في سوريا الآن، وهذا تجاهل لجزء كبير من الحقيقة وخدمة لبرامج لا تتفق مع أولويات المجتمع.

بسام حداد: هل يمكن أن تحدّثنا عن بعض الأمور البحثية التي تشتغلون عليها حالياً، طبعاً أنا أعرف ما هي ونحن مشتركون في بعضها، هل يمكن أن تعطينا نبذة لو سمحت؟ وأعتذر أنني مهذب معك الآن وأتذكر أننا تحدثنا قبل اللقاء ولم نكن على درجة عالية من التهذيب.

ربيع نصر: تمام، نحن لا نعرف من الذي يسمع. كي يكون الموضوع واضحاً للجميع إن الفكرة الأساسية التي نعمل عليها هي فهم ديناميكة العنف من خلال الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من خلال جهد متواضع تقوم به مجموعة كبيرة من الباحثين معظمهم متطوعون. إن العمل الموجود هو كيف يمكن بناء مؤسسات مستقلة في ظل نوع كهذا من النزاعات، هذا هو التحدي الأساسي الذي نواجهه معاً لأن المجتمع بأمس الحاجة لمعرفة الأدلة على ما يحدث وعلى المستقبل، وكيف يمكن أن يكون أفضل على المدى البعيد، كيف يمكن الخروج من هذا الإطار خاصة في ظل هذا التركيز على أنه لا يوجد خيار لا على المستوى المحلي ولا على المستوى الدولي.

لدينا خطاب كبير يُطرح منذ ٢٠١٢ وهو أن حل القضية السورية ليس في أيدي السوريين، وحل القضية السورية موجود بين أميركا وروسيا، في هذا جزء من الحقيقة، لكن هناك جزء آخر، يتعلق بدور المجتمع السوري ودور الناس في سوريا، وهذا دور مغيب وهو الدور الضروري والأساسي لأي استدامة لتجاوز المأساة التي نمر فيها، فدور هكذا مراكز بحثية مستقلة هو التركيز على ما يريده الناس من أجل المستقبل. إن أحد الأشياء هو فهم هذه الديناميكيات، وكيف تغيرت الحالة في سوريا من حراك مجتمعي يهدف إلى العدالة والحرية والكرامة إلى عسكرة الحراك وصولاً إلى سيطرة اقتصاديات العنف.

لم يكن العامل الاقتصادي هو العامل الرئيسي. كان العامل السياسي والحرمان من المشاركة، كان في البداية عاملاً رئيسياً، وتمكنت كثير من القوى المنخرطة في النزاع المسلح من تحويل العامل الاقتصادي إلى عامل ضاغط على الناس لإخضاعهم أولاً ولانخراطهم بعمليات من الأنشطة الاقتصادية أو الأنشطة المرتبطة بها التي تجعلهم جزءاً من عملية العنف واستدامة العنف، هذا أولاً نوع البحث الذي نعمل عليه ويهدف إلى فهم هذه الديناميكية، كيف يمكن تفكيكها وكيف يمكن وضع بدائل لهذه القضية.

إن القضية الثانية التي نعمل عليها هي قضية النموذج التنموي البديل وهو ليس مشروع للمركز بل لعدد كبير من الباحثين وهو يتأسس حالياً وهدفه النظر إلى المستقبل بطريقة تعمل على تجاوز قضيتين رئيسيتين: القضية الأولى هي أن هناك مجموعة من السياسات السائدة على المستوى العالمي التي تضررت منها المنطقة وسوريا على نحو خاص قبل ٢٠١١ وأثناء المأساة التي يعيشها السوريون، هذه هي القضية أي ما هي السياسات التي يمكن أن تقترح للمستقبل والإجراءات والبرامج التي يمكن أن نتجاوز بها الاختلالات الكبيرة الموجودة في السياسات العالمية المطروحة: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كنموذج على السياسات التي يحاولون طرحها في المنطقة وعلى ما يتم طرحه على تصور عملية إعادة الإعمار في سوريا. القضية الثانية التي يحاول أن يجيب عليها المشروع في ظل هذا الحجم من العنف في سوريا وفي ظل المنطقة المتوترة كيف يمكن أن تكون هناك مبادرات لتجاوز هذا العنف بشكل مستدام. كيف يمكن أن يعود المجتمع كي يلعب دوراً أساسياً؟ في بناء دولة وبناء مجتمع وتحقيق الرفاه، هنا لدينا أمور للأسف نتيحة للغموض وغياب الدقة وعدم استخدام الأدلة تكون غامضة.

نحن نرى مثلاً أن هناك درسين رئيسيين استفدنا منهما: الأول لا يمكن للاستبداد أن يبني تنمية ويبني مجتمعات مهما كان شكله لأن هذا قهر لإمكانيات الناس، والثاني أنه لا يمكن للتطرف أن يبني مجتمعات ورفاه وتنمية مستدامة. إذا لم نستفد من هذين الدرسين في إمكانية الحل السياسي لا يمكن التنبؤ كيف يمكن أن يكون المستقبل غير عنفي أو صحي أو قابل للاستدامة. إن هذين النوعين من الأبحاث مظلة عريضة لشغلنا التفصيلي الذي نقوم به في المركز ويتفرع عنهما عدد كبير من المحاور كدراستنا عن الفقر، وعن القطاع غير المنظم، وعن رأس المال الاجتماعي، وعن  تركيبة وطبيعة المؤسسات الموجودة فعلياً على الأرض في سوريا، والتفكك المرتبط بقضايا اقتصاديات الحرب والعلاقات الاجتماعية. وهذا نطاق واسع من البحوث لكن الغرض الرئيسي منه تأمين بدائل في المستقبل للرأي العام بالدرجة الأولى وفي مرحلة أخرى لبقية الفاعلين في سوريا.

بسام حداد: كل من يتحدثون عن الوضع السوري يتحدثون عن السوريين وماذا يريد السوريون وكيف يفكر السوريون، طبعاً الجميع يتحدث عنهم كأنهم يفكرون مثل المتحدث. نحب أن نسمع منك كشخص عاش حياته كلها في سوريا، وعلى المستوى الميداني، فهل يمكن أن تقدم لنا نبذة من خلال تجربتك عن الإشكالية التي يواجهها المرء حين يتحدث باسم السوريين، لأن الوضع الحالي، إذا تتبعت النقاشات، مزر فعلياً، والكل يتحدث بثقة تامة، وهناك قسم كبر من المحللين يتحدثون بثقة تامة، لكن لا يوجد فهم حتى للضبابية الموجودة عند السوريين إزاء الوضع الراهن وهناك فرق ما بين حين تسمع جواباً من شخص حين تسأله ما موقفك وأنت مع من، وبين ما يقوله أشخاص والأمور التي يفكرون بها داخلياً،هناك فصل بين هذين الاثنين، هناك جواب واحد على السؤال لكن الأفكار التي تدور في أذهان السوريين كثيرة وثمة تحليلات كثيرة وأفكار كثيرة وحسابات كثيرة، فهل يمكن أن تلقي الضوء على هذه المسألة؟

ربيع نصر: أتصور أن هذه إحدى القضايا المعقدة جداً وقد تم استخدامها لزيادة الاستقطاب بين السوريين. إن الفكرة الأولى هي فكرة التمثيل، من يمثّل السوريين ومن قام من السوريين بتفويض إحدى القوى السياسية الموجودة؟ ونحن نستخدم من ناحية بحثية مجموعة من الحجج التي تتحدث تحديداً عن هذه القضية. القضية الأولى هي أنه لا يمكن معرفة رأي السوريين تحت الخوف، وهذه هي الأداة الرئيسية المستخدمة من خلال العنف والنزاع المسلح، أي استخدام الخوف واستخدام إخضاع  المجتمع دون أي نوع من أنواع المشاركة.

كان هذا موجوداً كنوع من القمع قبل ٢٠١١، القمع السياسي، وهذا أحد أهم العوامل في جذور الحراك كما نعتقد لكن القضية الرئيسية هي استخدام العنف المباشر لتخويف الناس وعدم قدرتهم على التعبير عن ما يريدونه أو نقاشهم الذي هو جزء أساسي من معرفة كيف يريدون المستقبل، هذا النوع من القمع لنوع كهذا من النقاشات المفتوحة بين السوريين نحن نعتبره الحاجز الأول أمام معرفة ما يريده السوريون، لا يمكن الحديث عن تمثيل إلا بأدوات انتخابية أو أدوات تفويض وهذا غير موجود في ظل العنف. فالحل الذي نراه هو فتح نقاشات عامة لمعرفة على ماذا تركز هذه الآراء بين السوريين وفي مناخ آمن وهذا غائب، ثمة غياب لإمكانية تعبير السوريين عن أنفسهم، وللأسف ليس فقط داخل سوريا، وهذه قضية أخرى يتم تجاهلها بحكم أن المانحين لا يريدون أن يغضبوا الدول المستقبلة للجوء، ففي دول الجوار مثلاً مثل لبنان والأردن وتركيا لا يمتلك اللاجئون قدرة على فتح حوارات جدية أو تطوير تمثيل حول ما الذي يريدونه للمستقبل أو كيف يريدونه لأن هناك خوفاً من أن تتشكل مجتمعات اللاجئين ككتلة سياسية وبالتالي تهدد الأنظمة الموجودة في بقية الدول. لا يوجد أقنية حقيقية للسوريين كي يقوموا بهذا الحوار الذي يعبر عنهم. طبعاً هناك جزء رئيسي يجب أن نتحدث عنه يتعلق بالأدوات التي يتم استخدامها في العنف، منها الاستقطاب، وخطاب الكراهية، فبث خطاب الكراهية والحقد واستخدام الأدوات منها القتل المباشر والخطف وصولاً للتحريض الطائفي والمناطقي والعرقي، هذا يقود إلى عدم إمكانية أخذ الآراء من الناس المعرضين للألم لهذه الدرجة الذي استخدمته نفس أدوات الاستبداد، ونفس القوى المتسلطة، فلا يمكن لشخص هو ضحية مثلاً تعرّض أحد أقربائه للقتل وتسأله هل تعيش مع الآخر؟ فهذه الأسئلة بهذه الطريقة لا تعبر عن آراء كيف يرى السوريون الحل للمستقبل أو كيف يرون أولوياتهم على المدى البعيد.

إن البديل الذي يستخدمه المركز والذي نعتقد أنه أقرب إلى أولويات السوريين هو البحث التشاركي، أي القيام ببحوث مستقلة وتشاركية وهو أحد الأدوات الرئيسية التي تتجاوز هذا الاختناق. بالتالي من خلال هكذا نوع من الأبحاث المحترفة تعرف بماذا يفكر السوريون على المدى البعيد، وكيف تكون طبيعة الأسئلة والحوارات من خلال البحث التشاركي واسع النطاق وهذا يؤدي إلى فهم ماذا يمكن أن يكون الحل للمستقبل، وبالتالي نخرج من ردود الفعل: هل أنت مع الضرية الأميركية أم أنت ضدها؟ هل أنت مع التدخل الروسي أم أنت ضد التدخل الروسي؟ هناك قضايا يتفق عليها السوريون حين يكون الطرح موضوعياً وبحثياً يلامس مشاكلهم بدون أن يكون تحريضياً يزيد الاستقطاب بدل أن يخففه. بالتالي أعتقد أن فكرة التمثيل يمكن تعويضها بفكرة البحث الرصين المستقل.

بسام حداد: هناك كثير من الناس يمكن أن يسمعوا الذي تقوله ويقولون لماذا تحكي أنت حين تتحدث عن ضرورة الحوار حتى يعرف المرء ما يحدث لأن ما يحدث واضح وخاصة  للأشخاص الموجودين خارج سوريا الذين يقولون هذا: إن الوضع مفهوم: هناك نظام سلطوي إشكالي وهناك معارضة، والأغلبية السورية الساحقة، غير التي مع النظام، هم مع المعارضة ولا أحد في الوسط، ولا أحد مرتبك، ولا يوجد إلا قلة قليلة ترى الأمور بخلاف هذا، بالطبع يحدث تحريض وتخويف بالطريقة التي يُحكى بها عن الموضوع، إن الشخص إذا كان ناقداً لاذعاً للنظام السوري لأسباب واضحة لكن إذا لم يكن متفقاً مع خط المعارضة يعتبر أنه لا محل له في سوريا وأصلاً لا يوجد مثلك أنت فالعالم “إما هيك أو هيك”، لماذا إذاً نفتح النقاشات ونتحدث أليست الأمور واضحة جداً؟

ربيع ناصر: طبعاً فنحن نتحدث عن قضية من أعقد القضايا الموجودة في العالم، الأزمة السورية أو النزاع السوري أو النزاع العالمي في سوريا. فتبسيط الأمور واختصارها واختزالها هو من الفشل الذي له سبع سنوات هذا الفشل الذي تراكم وأدى إلى خسارة معظم النخبة الثقافية إذا سميناها نخبة والقيادات من مختلف الأطراف مصداقيتها أمام المجتمع وهذا هو الشيء الذي يمكن أن يكون هناك أدلة عليه واضحة للعيان.

هل كان هناك هوامش للحريات في المناطق التي كانت المعارضة مسيطرة عليها؟ داعش أو الأكراد أو النظام؟ لدينا فشل متعدد الأبعاد الشيء الواضح فيه هو حجم التسلط أو حجم قمع الحريات، الظلم للمجتمع الموجود، هذا لدينا كثير من الأدلة عليه. إذ لا يوجد لدينا منطقة في سوريا فيها ما كان يتمناه السوريون منذ ٢٠١١ للأسف. فأن نفترض أن القضية واضحة في سوريا كما كنا نتمنى جميعاً أن يكون عليه الأمر، أن هناك انتفاضة وحراكاً مجتمعياً للوصول إلى دولة تعددية وديمقراطية تحترم أبناءها فيها مؤسسات تمثيلية وتضمينية وفيها تنمية وفيها ثقافة متنوعة أتوقع أن هذا تبسيط، إذا كنا نريد التحدث عن الوضع الحالي وما قامت به مختلف الأطراف فهذا عبارة عن تبسيط.

نستطيع أن نتحدث بطريقة مختلفة: إذا كان هناك كل هذا الفشل موجوداً في سوريا فمن هي الجهة التي قامت بمراجعة حقيقية للأخطاء التي ارتكبتها وقدمتها للسوريين. من الذي قال أنا أخطأت استراتيجياً في ثلاثة محاور وأقول للمجتمع السوري كطبقة سياسية أو فئة مثقفة أن هذه الاختلالات بحاجة للتصحيح ويجب إما الانسحاب كي يقوم آخرون بالحوار والنقاش أو التطوير أو إعادة النظر بالاستراتيجية السابقة من خلال العلاقة مع الخارج أو من خلال العلاقة مع المجتمع السوري نفسه.

إن هذا التهميش لدور المجتمع ولدور الناس الموجودين نراه كسمة مشتركة موجودة في سورية. إن الوصول إلى الفكرة التي تعتبرها أنت أو الآخرون واضحة جداً حول طبيعة الصراع الموجودة في سوريا هي ترتكز أولاً إلى الحوار، وذلك كي نعرف أن الشخص الموجود في إدلب والرقة والشام وحمص ودير الزور وغيرها، ما هي المظلومية التي يعيشها الآن، لا يمكن معرفة هذا الآن من خلال مناخ يسوده الخوف، هو يحاول حتى الآن إما أن ينزح أو يهاجر، أو أن يكون مغيباً أو مغترباً بما فيه الناس الذين يقاتلون. هل الذي يقاتل يقاتل لأن لديه قضية هو مقتنع بها؟ إذا كان هذا الكلام موجوداً لدى كل الذين يقاتلون في سوريا، السؤال هو لماذا يقاتلون أطرافاً قريبة منهم بالفكر وبالرؤية للمستقبل؟ ويتركون الأعداء بين قوسين أو الآخر؟ إن كيفية معرفة كيف يفكر الناس بالمستقبل وكيفية مقاربتهم للحلول يمكن أن نلمسها لدى السوريين من خلال عدم رضاهم عن أداء مختلف الأطراف السياسية. وأتوقع أن هذا يمكن إثباته بأكثر من دليل لكن الشي الذي يجب أن نقوله هو أنه لمعرفة ما يحتاجه السوريون نحتاج إلى حوارات معمقة مع السوريين بشكل مفتوح، بشكل بعيد عن الخوف، وهذا يجب أن يكون أهم بند بأي خطوة أولى بالمصالحة أو الحل، هو تعلم الدرس من الضرر من التنازل للاستبداد السياسي أو التطرف، فسح المجال للسوريين كي يقوموا بحوار، كي يقوموا بمناقشات جدية لمعرفة الأخطاء ورسم تصور للمستقبل. أتوقع أن هذه أول خطوة بعيداً عن أوهام إنشاء صناديق انتخابية يسيطر عليها الاستقطاب أو المال أو التخويف، بالنسبة للخروج من الوضع الحالي باتجاه المستقبل.

بسام حداد: ما هي الخطوة الأولى، نحن نسمع عن أشخاص يتحدثون أو يدعون إلى الحوار، وفي الوقت نفسه يتحدثون عن الوضع السائد بأنه وضع واضح كما تحدثنا ويعتبرون أن البلد مقسومة بشكل عام إلى قسمين، لنضع داعش جانباً الآن، لأنه غير معنى بالطريقة التي تفكر بها المعارضة وغير معني بالنظام، لديه مشروع آخر.ما هي نقطة البداية في ظل حديث البعض أن في سوريا لا يوجد إلا جماعة موالية للنظام وجماعة موالية للمعارضة بشقيها العسكري والمدني، يرفضون أن يروا أن هناك سوريين وبشكل واضح، وخاصة منذ ٢٠١٣، خاصة أن أي شخص يدرس ويسمع ويحلل ويقرأ أموراً خارجة من سوريا وليس على الإنترنت وليس من مؤسسات الأبحاث الأميركية أو غيرها هناك قسم كبير من السوريين لديهم موقف ناقد على نحو عميق ورافض للنظام لكنهم اعتزلوا المعارضة أو تركوها كما هي الآن لكن لم يتركوا مفهوم المعارضة أو مفهوم الثورة، كيف يمكن أن يكون هناك نقطة بداية، هناك قسم كبير من السوريين في هذه الخانة، بغض النظر عن موقفها بالتحديد هي ضد النظام وأكيد أنها ليست مع المعارضة، أو أن هذا الإطار غير سليم.

ربيع نصر: أنا برأيي الموضوع سليم، لكن لدينا قضية رئيسية هي ما يدعى بالاستثمار في العصبيات، فالاستثمار في العصبيات وكراهية الآخر هي وقود للعنف واستمرار القتال والذبح وقد امتهن هذا عدة أطراف لديها رغبة في استمرار القتال واستمرار التسليح، لكن هل السوريون إذا كنا في نقاش طبيعي معهم ضمن المناطق التي يسيطر عليها النظام أو المعارضة، هل هؤلاء إذا اجتمعوا سيرغبون أن يكون ٩٠٪ منهم فقراء، أو ٩٠٪ منهم مهمشين تحت وطأة التهديد للانخراط في قتال هم غير راغبين به؟ هل هذا الموضوع الموجود في سوريا من أي طرف يساهم حالياً في العسكرة أو يساهم في القتال هل يرضي الناس في المنطقة التي يتحكم بها؟ فأنت تبقي الناس خائفين من الآخر ويرضون بشروط غير إنسانية وغير موضوعية هذا شيء، وأن تقول إن الناس قابلون بهذا الكلام أو هذا خيارهم فهذا شيء ثاني، هذا الخوف الذي تزرعه لدى الناس بأن الآخر سيقتلك أو أن أداء الآخر لم يكن أهلاً للثقة كي يكون مختلفاً عن هذا التصور، فتأتي وتستخدم هذا الخوف لإخضاع الناس، حينها يعتزلون فعلاً أنهم سيقومون بالتغيير السلمي أو سيقومون بالمناقشات لوضع تصور لسوريا الجديدة وينكفئون وينسحبون، فهذا الاغتراب عن العنف تراه في كثير من شرائح المجتمع، فالعلاقة الباردة بين المجتمع السوري والمشاركين في القتال واضحة. هذا واضح من خلال الانخفاض الكبير في عدد الراغبين  في القتال إلى جانب المعارضة المسلحة والنظام، انخفاض كبير في عدد الراغبين بالدعم، حتى الدعم الفكري والثقافي لأطراف النزاع. هذا الانسحاب هو ناتج عن فشل حكم قوى تسلط بما فيه التطرف في حالته القصوى المتمثلة في داعش أو بمعنى الهيمنة السياسية أو التسلط السياسي من جهة النظام، الذي يطرح خياراً وحيداً هو إما أن يرضى الجميع بالاستبداد السياسي بصرف النظر عن كل الخسائر التي حدثت أو الذهاب باتجاه التطرف، لكن الحقيقة ليست هكذا، هذا ما يريد المتسلط أن يقنع به الآخرين: أنه لا خيار ثالثاً أمامكم.

بسام حداد: لكن الأشخاص الذين يتحدثون عن التسلط والتطرف يتحدثون عنه من قبل النظام وداعش، لكن الذين يقولون إن داعش ليست جزءاً من المعارضة، والذين يتحدثون فقط عن المعارضة، يحددون أن المشكلة فقط موجودة في داعش وبالنظام لكن كل فصائل المعارضة بشكل عام ليست فقط جزءاً من الثورة، لكن رغم تطرف بعضها وتصرفاتها تعتبر أنه على الأقل لا تشوه أو لا تجعلنا نعيد النظر في مفهوم الثورة السائدة وليس الثورة المجردة أو فكرة الثورة. هذه هي المجموعة التي تعتبر أنه لا يوجد سوريون إلا مع المعارضة أو مع النظام، وإذا لم تكن مع المعارضة فهذا يعني بالضرورة أنك مع النظام، وهذا جزء كبير من الأحاديث وللأسف معظمها تافهة لكنها تسيطر على العقول وعلى الخطاب خاصة خارج سوريا.

ربيع نصر: هناك دائماً رومانسية الثورة وهي الرغبة بتصوير أن هناك قوى مناضلة تسعى للحرية والتحرر، وهذه القوى هي التي يجب أن تنتصر في النهاية، للأسف ما نقوله هو أمنية ٢٠١١ لكن هذه الأمنية سقطت مع التسلح. لم يكن التسلح عفوياً، كان يرفض الخطاب الديمقراطي، لدينا عدة أجساد سياسية، وهناك أجساد ترددت في طرح القضية الديمقراطية لأن هناك حساسية، حساسية من من؟ هذه الحساسية التي ظهرت في الفصائل المسلحة، نحن لا نتحدث عن داعش. نحن نتحدث عن الفصائل المسلحة الرئيسية التي رفضت أن تطرح فكرة الديمقراطية كفكرة لمستقبل سوريا. هل هذا ما يتمناه السوريون؟ هل كان السوريون في ٢٠١١ سيقبلون بدل المحاكم المدنية الراقية التي ستوجد كنتيجة للثورة بمحاكم شرعية تأخذ المعايير حسب ما ترتئيه كل فئة من الفئات من التفسير والفقه وتفرض هذه الخيارات على المجتمع؟ هل كان هذا فعلاً خيار المستقبل السوري؟ هذا نكوص إلى الوراء، وهذا موجود إذا أخذنا محافظة إدلب مثالاً على ذلك، فهل المجتمع في إدلب يمتلك حرية النقاش والحوار وتطوير المؤسسات التي هو فيها؟

أكيد نحن نشاهد حجم المأساة التي نعيشها، إن كنا معارضين يريدون تغيير سوريا وإن كنا أشخاصاً لا يمتلكون الخيار الحالي، الخيار السياسي الواضح، هل التصرف أوالسلوك أو حتى الطرح النظري الموجود لدى أي من القوى المسلحة الحالية الموجودة على الأرض، هل هي تطرح هذا المستقبل التعددي المتنور المتنوع؟ أعتقد هنا يكمن الإحباط الكبير.

حاول البعض أن يدافع من ناحية الاستقطاب، أننا في معركة ويجب الوقوف مع أحد الأطراف حتى النهاية لأن المعركة لا تقبل إلا هزيمة الطرف الآخر. أتخيل أن هذا الخطاب كان الفشل الرئيسي للحراك في ٢٠١٢ نتيجة للدفع نحو التسلح كخيار رئيسي مهما كانت كلفة التسلح، مهما كانت الكلفة على المجتمع من خلال استخدام التطرف المطلوب للاستمرار في القتال، وكل الدعم غير النزيه للاستمرار في القتال. طبعاً هذا ينطبق على كل الأطراف بما فيها النظام، بما فيها الأكراد، هذا ينطبق على أي من الأطراف التي استخدمت أي نوع من الدعم، أي نوع من الثقافة المطلوبة لكراهية الآخر من أجل السيطرة، هذا عدو المجتمع.

إذا كانت هناك طروحات تريد أن تعيد الاعتبار للمجتمع فالعنوان ليس بالمسيطرين الذين يستخدمون القوة لتخويف المجتمع. أتصور أن هذه هي نقطة البداية في أي حوار مع أي طرف. الفكرة هي لدينا عدو واضح، لدينا أعداء واضحون، فإذا لم نعترف بالأعداء بكتلتهم الكبيرة واعتبرنا أن التدخل الأميركي غير التدخل الروسي أو الضربة في منطقة معينة غير القتل بالمنطقة الأخرى هذا أولاً هو فقدان مصداقية من الناحية المعرفية، ثانياً فقدان مصداقية من ناحية الناس لأن الناس يعرفون أن  قتل الأبرياء في أي مكان جريمة، وقهر الناس هو جريمة، ليس جزءاً من المستقبل المرغوب. قد يكون ممكناً أن يكون المستقبل على الطريقة البراغماتية الأميركية، لكننا نقول أكثر من هذا، إن المجتمع حتى لو كان فيه حل غير عادل لن يهدأ، فهذا المجتمع الذي تعرض لكل هذا الظلم، لن يكون في دولة مستقراً ومغيّباً لمدة طويلة لأن هذا المجتمع، بكل هذا الظلم الذي تعرض له، لن يقبل الظلم لفترات طويلة وبالتالي سيؤدي هذا إلى تفجير نوع جديد من الحراك في المستقبل.

بسام حداد: طيب، إن قال أحد ما إن ما تقوله منطقي وسليم على صعيد نقد جميع الأطراف التي تقتل الأبرياء أو تستخدم العنف، وتحرض على الكراهية. هذا سليم بشكل عام لكنهم سينتقدونك، فالخطاب سائد خارج سوريا، لأن الأشخاص الذين يعيشون خارج سوريا هم غير الأشخاص الذين يعيشون في الداخل. فالذين يعيشون في الداخل يعرفون لعقود ما هي المشكلة الأساسية علي الأرجح، لكن من يعيش خارج سوريا، يريد أن يسمع، أنت تقول كل هذا الكلام وأنت تعيش في سوريا ومن الأشخاص الراغبين بالتغيير الجذري، سيشعرون أنك تساوي ما بين الظالمين، أي تساوي مثلاً بين النظام والمعارضة، وحتى المعارضة المتطرفة، وهذا موقف غير مقبول أخلاقياً لأنهم يعتبرون أنك وأنت تتحدث هكذا يجب أن تفرق وإذا لم تفرق فإن موقفك ليس على صواب، وقد تُتَهم بأنه لديك عواطف أو موال للنظام، ولست ضد النظام بما يكفي. هذا هو الخطاب الموجود لدى الناس خارج سوريا، بصراحة، وحتى وسط أقسام في بيروت، والذين هم أيضاً خارج سوريا.

ربيع نصر: هناك أكثر من محور. المحور الأول، وهذا ما بدأت الحديث عنه على سبيل المثال، قبل ٢٠١١ والحراك المجتمعي، كان من الواضح أهمية الاستبداد السياسي كعامل جوهري بالنسبة للحراك الاجتماعي المحق والتغيير باتجاه… وهنا يكمن الجوهر: باتجاه ماذا؟ باتجاه حرية وعدالة وديمقراطية؟ باتجاه حماية الإنسان وتمثيله ومشاركته؟ هذا هو الطرح الموجود. إن تغيير هذا الطرح يجب أن نواجهه بنفس الجرأة التي نريدها لهذا التغيير وإلا ستكون أنت ترسم الصورة الخاطئة.

فعلاً إن العامل الأقوى أو الفاعل الأقوى داخل سوريا هو النظام وبيده الحل أكثر من غيره، هذا صحيح، لكن السؤال بصرف النظر عن ماذا يتهم وماذا لا يتهم، هذا الخطاب الاستقطابي لا يؤدي إلى نتيجة، أعني الخطاب الاستقطابي الذي ينتظر من الآخر، أن يبين ما هو، أو لديه جزء من الميول، أو هو قريب من النصرة أكثر مما هو قريب من أحرار الشام، أو قريب من قوى معينة ضد أخرى، هذا الاستقطاب لا يفيدنا الحديث عنه في أي شيء نحن الذي نفكر بطريقة مستقلة منحازة للإنسان وللمجتمع بشكل كامل، إذاً ما هي الإشكالية الرئيسية في الطرح الموجود: هي أن لدي طرح مستقبلي. عندما تقدم قوى من المعارضة – دع داعش جانباً- طرحاً مستقبلياً غير ديمقراطي وغير تضميني لا يلائم فرص السوريين إذاً كيف نزين المساواة أو الوزن: هل قتل النظام أكثر؟ أم قتلت جبهة النصرة أكثر؟ أم قتلت أحرار الشام أكثر؟ نحن نتحدث عن المستقبل. إن الوعد الذي تقدمه للناس غير مناسب لحراك الناس، نوعياً هذا عبارة عن خصم للمجتمع. تقول لي لكن ذلك الإجرام أكبر، أقول لك نعم، لكن هل هذا يعني أنني يجب أن أنحاز للجهة الأقل إجراماً. هل هذا الجهة أقل إجراماً حتى نظرياً يطرح حلاً مقبولاً للسوريين. أتصور أن هذه هي نقطة البداية. من هي الجهة المساهمة في القتال التي تطرح مستقبلاً مختلفاً وتقول سأستخدم الخوف والخضوع والسلاح لمرحلة مؤقتة لكن سأفتح للديمقراطية وسأفتح للتنمية التضمينية وسأفتح البنى المجتمعية للمشاركة في المستقبل. هذا ما هو مفقود، وبالتالي ينطبق على القوى الفاعلة الموجودة في سوريا، فمن أجل الراغبين في الدخول في سأسميه هرطقات بعيداً عن وجع المجتمع لماذا يوجد حالياً برود في العلاقات بين المجتمع وقوى المعارضة المسلحة؟ وهذا يمتد من إدلب إلى درعا.

بسام حداد: لكن هناك من يرفضون هذا الأمر؟

ربيع نصر: أنا قدمت مثالاً صغيراً.لن أذكر الهجرة والنزوح، أذكر فقط الانضمام، التطوع للقتال، منذ ٢٠١٤ هناك انخفاض في هذا، وهذا واضح جداً في ٢٠١٥. هناك انخفاض في التطوع للقتال في عديد من فصائل المعارضة. ثانياً هناك المؤشرات التي قمنا بإجراء بعض المسوح حولها التي لها علاقة برأس المال الاجتماعي، لها علاقة بدور المؤسسات المسيطرة في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وبرأي الناس فيها من ناحية الفساد أو الاستبداد أو من ناحية التشارك، فيها مؤشرات سلبية جداً وخطيرة وتعبرعن عدم الوصول إلى أفق مطلوب.

يوجد أدلة على هذا، وإذا كانت هذه الأدلة غير كافية، نحن مستعدين، إذا كانت هناك مساحة لحوار مفتوح،  في أي من هذه الأماكن، لإطلاق حوار مفتوح  حول الاختلالات الأساسية الموجودة في برنامج هذه القوى ورؤيتها للمستقبل ومدى مطابقة ذلك لأولويات المجتمع.

بسام حداد: في النهاية إذا أراد المرء أن يستمر في البحث كما تفعل مؤسستكم ، ونحن كمجموعة نحاول أن نشتغل على أمور بحثية هل يا ترى من المهم حسم مسألة أو تسمية ما يجري بأنه عدم قدرتنا أو قدرة البعض على التفاهم على أن ما يحدث ثورة أم ليس ثورة، وكم من الناس كانوا منخرطين في الثورة وتركوا جزءاً من الثورة، وما هو مصير الثورة؟ ويا ترى هل هذه الأسئلة عائق أمام بحث جدي أو ميداني أو غير مهمة أبداً، أو كيف يستطيع أن يقوم المرء بمقاربة أسئلة كهذه على صعيد البحث الجدي برأيك؟

ربيع نصر: أتخيل أولاً أن لتشخيص الظواهر أصولاً سواء كانت معرفية أو علمية أو من خلال القبول المجتمعي. ويمكن أن يكون هذا جزءاً من البحث التشاركي، وأنا أرى إن جزءاً من الاستقطاب هي أن تقبل برموز وخطاب وكلمات الشخص المُسْتَقطَب وهذا أبعد شيء عن البحث العلمي. إن البحث العلمي لخدمة المجتمع يجب أن يبتعد عن الاستقطاب.

إن القضية في سوريا في ٢٠١١ مختلفة عن ٢٠١٣ ومختلفة عن ٢٠١٥ وعن ٢٠١٧، الوضع الذي نمر فيه حالياً. ما يحدث في المنطقة التي تحت السيطرة التركية المباشرة بين جرابلس وأعزاز يختلف عن المقاربة في إدلب ويختلف عن المقاربة في دوما، وعن المقاربة في دمشق وعن المقاربة في الحسكة. إن إحدى الطروحات لأحد المسؤولين في الحسكة مغلوطة، تكلم قائلاً إننا نتبع طريقة ديمقراطية فالمكون العربي يديره عرب والمكون الكردي يديره أكراد. وهذا تناقض صريح وشاسع مع فكرة الديمقراطية.

أعتقد أن الأهم هو وضع الحقائق، من خلال تجربتنا في المركز كلما كنا نقدم الأدلة بشكل موضوعي ونركز على أولويات المجتمع لاقى ذلك قبولاً أكبر من المجتمع وشرائحه، فالغرض الرئيسي ليس التسمية، فالناس المستقطبون قد يكونون  لفترة مؤقتة أو لفترة أطول، لكن هذا هو المطلوب من المؤسسة السياسية التي تعمل أنت بها أو المؤسسة العسكرية التي تدعمها، وهل هذا هو المطلوب لصالح سوريا المستقبل؟ هذا السؤال هو أولاً مواجهة داخلية مع النفس، أن يكون الأشخاص قادرين على مواجهة الأخطاء التي ارتُكبت والانحرافات التي حدثت وأعتقد أن هذا يتطور حالياً فهناك نَفَس نقدي أوسع حالياً وأتمنى أن يزداد في المستقبل حتى لا نقع ضحية للتصنيف حسب لون العلم أو حسب رؤيتك لكلمة الثورة أو الحراك أو الأزمة وأعتقد أن الهدف هو أبعد من ذلك. ويوماً بعد يوم بعد تعقيد الكارثة السورية أعتقد أن هذا يتطور ومن ناحية علمية أعتقد أنه يجب تصنيف المراحل كما هي.

إن حجم التدخل الخارجي كبير حالياً ومباشر، وهذه مرحلة تحتاج إلى تحليل مختلف تماماً عن المراحل السابقة، دور الأجانب إلى جانب السوريين في القتال، هذه مرحلة مختلفة، ما قبل العسكرة والحراك السلمي أكيد مرحلة مختلفة. أعتقد يجب أن نعتني بتحليل ذلك من وجهة نظر موضوعية.

بسام حداد: إذا أردنا أن نعرف ما يحدث في سوريا الآن، الوضع السوري، بالنسبة لموقف الشرائح العديدة في سوريا، هل يا ترى يوجد برأيك رغبة بالاستمرار على النحو الذي كان موجوداً من جهة المعارضة (المعارضة بين قوسين) لأن المعارضة تتألف الآن من مجموعات وأصلاً الأمور مكتوبة في منشورات وكتب ويقولون ويعرفون عن المعارضة بشكل مختلف من داخل المعارضة نفسها، لكن البعض يقول لك إن المعارضة بالنسبة لي هي المدنيون الذين يعارضون النظام لكن لا علاقة لهم بالقتل وهناك شريحة أخرى تقول أنا بالنسبة لي تتضمن المعارضة بعض الشرائح والمجموعات التي تقاتل لكن ليس تلك المجموعات، نركز على الجيش السوري الحر لكن لا علاقة لنا بالفصائل الأخرى، لكن بشكل عامل هل برأيك هناك استعداد للاستمرار بخطة مختلفة، باستراتيجية مختلفة؟ أو هل هناك برأيك استعداد لتغيير المسار كله والتفكير بطرق أخرى يمكن ألا تتضمن الفئات التي تقاتل أي الفصائل؟ طبعاً هذا السؤال يعتبر أن مسألة نظام أو بقاء نظام مسألة إشكالية ضخمة، ومن الطبيعي ألا يكون هذا رغبة السوريين حتى لو كانوا يعيشون تحت سيطرة نظام.هل في الوضع الراهن استعداد لتغيير مفهوم فكرة المعارضة؟ وكيف ترى الأمور من خلال علاقاتك ومعارفك ودراستك، ماذا يمكن أن يحدث الآن لإعادة مفهوم أفضل وأمثل أو شفاف أو ديمقراطي تضميني للحراك؟

ربيع نصر: لدينا أكثر من عامل محبط، فعلى الصعيد الدولي لديك وصول ترمب إلى سدة الحكم، والدور الروسي مع بوتين، هذا أحد العوامل التي يمكن أن نفكر بها أنها ستطيل من الكارثة السورية.

أما الأطراف القوية الفاعلة في المنطقة  فمن الواضح أنها متحمسة لاستمرار النزاع ولفترات طويلة، لا يوجد طروحات جدية للمخرج حتى الآن، هذا على صعيد رؤية ليست متشائمة على الأقل لكن ما يمكن أن يبدو في السنوات القليلة القادمة كبناء على تحليل القوى وفاعليتها ورغبتها بحل جدي في سوريا، لا رغبة بحل في سوريا، حتى بحل غير عادل لكن يبدو أن الأفق مسدود، لكن من جهة أخرى ما يمكن أن نستثمر به من أجل المستقبل هو إعادة الاعتبار لدور المجتمع، هذا يتطلب عدة مراحل من العمل أهمها إعادة دور المجتمع في رسم بدائل مستقبلية في معرفة وجود خيارات والضغط، ليس الضغط للتخلص من قوى التسلط، وليست القضية بهذا الشكل الحالم، لكن هي إعادة انتزاع مساحة من المفاوضات نحو تغيير أكثر عدالة، إعادة التركيز على أهمية الحل العادل للمجتمع ومعرفة عدم قابلية نجاح قوى التسلط في حربها، في استدامتها للمستقبل، لا يمكن الحسم العسكري مهما كان شكله أن يبقي القوى التي تحسم عسكرياً مستمرة في المستقبل في بلد على فوهة بركان يعيش في الخوف والظلم وقابلية الانفجار مرة ثانية.

إن أهمية الحل على المستوى المجتمعي وعلى مستوى التقرب من الناس في سوريا هو مصلحة لكل من يريد أن يكون جزءاً من مستقبل سوريا وهذا ليس شيئاً ينتمي إلى الحلم بل واقعي، لأن البلد التي ستكون قلقة ولا يوجد فيها حل عادل سيكون المجتمع بشكل كامل غير مستقر وسيهدد أي سلطة موجودة أو أي حكم موجود. إن الحل العادل أساسي وضغطنا كسوريين، كمجتمع سوري، كناشطين سوريين، في إعادة رسم خيار والتركيز عليه من  حوار السوريين المفتوح، إلى احترام حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان، والوصول إلى نقطة تغيير في الشكل مستفيدين من الدروس التي أدى إليها كل هذا العنف والنزاع.

أعتقد أن هذا مفصل أولاً للانتقال إلى مرحلة سياسية انتقالية جدية، ثانياً للاستدامة في المستقبل. وهذا يحتاج إلى جهد مختلف عن الجهد السابق والصدق في التعامل مع الناس. إن التعامل مع الناس بلا مبالاة وخاصة من قبل القوى السياسية، وحتى من قبل بعض قوى المجتمع المدني التي تأثرت كثيراً باستراتيجيات المانحين وتأثرت بإمكانيات الوصول، وبطبيعة استقطابها السياسي.

هذا وقت مراجعة جدية لكيفية الوصول لأكبر شريحة من الناس وتفعيل دورهم من جديد حتى يكون هناك أثر أكبر على التفكير بالمستقبل. لكن إذا أخذنا صورة كبيرة، ونحن نتحدث على الأجل المتوسط، نستطيع القول أنه ما سيستمر هو الكارثة وليس حلها.

بسام حداد: أشكرك على هذا التفاؤل ، أنت متفائل أكثر مني.

ربيع نصر: عموماً يقال عني متفائل.

بسام حداد: سنكتفي بهذا القدر الآن، لكن سنناقش في المستقبل ملفات أخرى تتعلق ببداية الحراك وكيف تحول من منظور شخص عاشه بكل بتفاصيله داخل سوريا، وأيضاً عن الأمور المستقبلية والبدائل الموجودة التي تعكس مشروعاً نعمل عليه معاً مع عدة أشخاص ومؤسسات أخرى، وأمور عديدة أخرى حول ما يحدث في سوريا وكيف تغير المجتمع السوري من جراء القتل والتهجير والدمار وغياب مؤسسات التعليم التي كانت موجودة وتلك التي غيرت توجهها ومناهجها  وهذا سيؤثر في مستقبل سوريا، فهناك في الرقة من لم يتعلم لخمس سنوات وهناك الأمور مختلفة جداً حتى عن السوريين الذين يعيشون في مناطق المعارضة. فداعش لديها منهح مختلف وكما أعرف حتى المعارضة في ظل أحرار الشام أو جبهة النصرة لم يغيروا المنهج بالشكل الكلي الذي تغير به في الرقة بشكل عام، أحب أن نتحدث عن هذه المواضيع ونتمنى أن تكون معنا هنا أو في بيروت وإن شاء الله في سوريا.رغم أنه من الصعب أن أدخل أنا إلى سوريا الآن، شكراً ربيع، استمتعت بالحديث معك.

ربيع نصر: وأنا استمتعت. شكراً لك. والسلام عليكم.

[تم نشر هذا المقال ضمن اتفاقية شراكة مع الوضع.]