سيطرت السلطة ورئيساها “الأب والابن” بالتحديد لزمنٍ طويلٍ على كافة مفاصل الدولة، فلم تكن الدولة ممثِّلة للمجتمع بقدر ما كانت ممثلة للسلطة. لم يشعر أفراد سورية بأنّهم مواطنون ولهم حقوق وواجبات، ولم يمارسوها أيضاً. ممارساتهم كانت وفق المرسوم لهم مسبقاً. إذ كان الناس يعيشون بالأوهام والأحلام، وليس بنشاطاتٍ يساهمون من خلالها بصناعة واقعهم. في ذلك كتب المفكر السوري طيب تيزيني وعشرات من المثقفين السوريين: إن سورية محكومة من قبل الدولة الأمنية.

سورية التي رأت في الثورات العربية عام 2011 دوراً الشعوب في تقرير مصيرها، كما حال تونس ومصر، قرّرت أنه بمقدورها أيضاً إسقاط النظام. المشكلة هنا، أن السوريين مُنعوا من تشكيل أيّة خبراتٍ في أشكال الاحتجاج والتظاهر ورفع الشعارات المتوافقة مع تطور هذه الأشكال، وكانت نقاباتهم واتحاداتهم مُسيطَراً عليها من قبل السلطة.  هذا الوضع دفع السوريين لرفع شعار الحرية والكرامة عالياً والاستخفاف بأيّة شعارات أخرى أكانت وطنية أم اقتصادية، وكذلك سُخِّفت أيّة توجهات للانشغال بالبرامج السياسية والرؤية الفكرية والاستراتيجية! واشتُقَّ من الشعار السابق مئات الشعارات والأفكار؛ فهو شعار تعبوي ويعكس أحلاماً كبيرةً، ويشحذ الهمم، وبالتالي كان الشعار هذا طوباوياً بامتياز، وقابلاً لإيصال مطلقيه أنفسهم إلى أسوأ مصير أو أفضله؛ وتغلَّبَ الأسوأ بامتياز، كما تمّ لاحقاً، وكما وصلت الأوضاع إلى التهجير والتدمير والاحتلال. طبعاً السلطة تتحمل المسؤولية الأساسية عن مآلات سورية.

الخيار الأمني والملائكة

السلطة الأمنية واجهت الشعب فوراً بخيارها الأمني، أي لم تعترف له بأي دور للمشاركة السياسية رغم مطالبته في الأشهر الأولى للثورة بالإصلاح وليس بإسقاط النظام، ورغم كل محاولات الدول الإقليمية، وتحديداً تركيا وقطر والسعودية، لدفعه للقيام بإصلاحات سياسية أولية واستيعاب التدفق الشعبي الذي راح يهدر في كل المدن السورية بما فيها حماه؛ وتأكيدي لحماه لأنّها دُمرت في الثمانينات، وكانت مظاهراتها السلمية الأكبر عدداً في تموز 2011.

قبالة رفض الاعتراف للشعب بأي حقوق، ورفض الوساطات الإقليمية للتغيير، اشتد الخيار الأمني من اعتقال وقتل ومجازر وتهجير؛ هنا فقط الملائكة يمكن ألّا تحمل السلاح، فجاء تشكيل الكتائب المسلحة لحماية المظاهرات الضخمة في أغلبية المدن السورية؛ وعي هذه الكتائب عكس الوعي الشعبي المكرّس، أي هو وعي ليس فيه مفاهيم للحقوق وللواجبات، ولنقل لديه تصورات مشوشة إزاء ذلك، ولكنه  في بنيته الأساسية محمل بالوعي العائلي والمناطقي والديني والطائفي والسلفي، وهناك الوطني الملتبس بما ذكرت. ظهر إشكال حقيقي، ويتعلق بتدخل إقليمي لمنع تشكيل جيش وطني معارض، وسُلّم المقدم حسين الهرموش الذي رفض مشروع الإخوان المسلمين بالأسلمة والتسليح، وحاول تنظيم عمل العسكريين المنشقين للنظام عبر تركيا. الأغلبية الساحقة للضباط المنشقين وُضعوا قيد الإقامة الجبرية في تركيا أو الأردن، وسواها. قلّة من الضباط بقيت في سورية، إمّا لأنّها رفضت مغادرة سورية أو لأنّها ارتبطت بمشاريع كالإخوان المسلمين أو تركيا وسواها، ولاحقاً ومع تتالي سنوات الثورة، واستدعاء حزب الله وإيران والميليشيات الطائفية التابعة لها لمواجهة فشل النظام ولاحقاً روسيا، اضطرت الكتائب المعارضة لتلقي الدعم بكل أشكاله من الخارج؛ النظام وجيشه أصبحا يأتمران من إيران وروسيا والفصائل كذلك، وبالتالي يمكن نزع الصفة الوطنية عن أغلبية التشكيلات المسلحة في سورية. الإشكال هنا أن هذه التشكيلات أصبحت تعمل لصالح مشاريع إقليمية ودولية، ومن هنا نرى ترابط هذه التشكيلات مع أمريكا وروسيا وإيران وتركيا وقطر والسعودية وسواها.

يمكن القول هنا، أن النظام فشل في أن يكون وطنياً، وهذا يسري على جيشه وأجهزته الأمنية واستدعى الخارج لحماية نفسه، وكذلك المعارضة والتشكيلات المسلحة. الوطنية السورية لم تتشكل يوماً، أي قبل الاستقلال وبعده وبعد الحركة التصحيحية، وبالتالي ظلّ الوعي “الوطني” ملتبساً بالتصورات الدينية والمذهبية، وفي هذا هناك كلام كثيرعن مشكلات تعتور الهوية السورية، وشكّلَ تغييب الشعب لعقود متتالية عن المشاركة السياسية في قضايا الحياة كافة سبباً كافياً للانطواء والتقوقع ضمن إطار التصورات ما قبل الوطنية وأصبحت الأخيرة مجرد غطاء للتكاذب “الوطني”؛ طبعاً الكلام يدور حول الشكل المسيطر للوعي وليس على  كافة الأفراد.

التدخل الإقليمي

مع العام الثالث للثورة برزت عوامل ساهمت في تراجع الثورة الشعبية وأهمها التدخل الإقليمي والدولي بشكل كبير؛ ففي الداخل ظهرت الكتائب السلفية والجهادية لأسبابٍ تتعلق بسياسات النظام والخارج الإقليمي وتعقيدات الثورة ذاتها! وتأسلمت أغلبية الفصائل المحلية، وأصبحت تابعة للدول التي استجدتِ النظام ليقبل بالإصلاح من قبل؛ تدخُّل هذه الدول جاء بسياقٍ واحدٍ، وهو تخميد الثورة وتحويلها إلى إصلاحات وإعادة إنتاج النظام “بتطعيمه” بالمعارضة الإسلامية والليبرالية. مع رفض النظام للإصلاح، بدأت عملية تخريب الثورة، وحجزها في سورية. تمّت عملية الاحتجاز بتتبيع المعارضة وكتائب الجيش الحر وخلق كتائب سلفية وجهادية وتسليح الثورة بشكل فوضوي، وبذلك تراجع طابعها الشعبي والاحتجاجي والمدني وتقدم العسكري. وربما من أخطر ما افتقدته الثورة غياب نظرية لها ورؤية المعارضة القاصرة لها، ولكيفية توجيهها والسيطرة عليها وقيادتها في كل سورية. ما سُقتُه أدى إلى تخريب الثورة وإخضاع أغلبية المجموعات السياسية والعسكرية للخارج.

الإشكالية الكبرى كانت في ظهور كل من جبهة النصرة وداعش وقبلهما جيش الإسلام وأحرار الشام. أغلبية الروايات عن هذه المجموعات تفيد، بأنّها صُنعت لتخريب الثورة، ولخدمة رؤية النظام لها “ثورة طائفية وإمارات سلفية ومؤامرة خارجية” ووجِدت لاحتجازها في سورية وتعليم السوريين والشعوب الدرس المؤلم للثورات، أي تحويلها إلى مجازر متنقلة، والتهجير والتدمير.

إذاً مفهوم الجيش الحر المشتق من مفهوم الحرية، ورغم دلالاته في رفض الاستبداد والقطيعة معه، لم يفد في تعزيز ممارسات ثورية وعسكرية تنطلق منه. هنا لا يمكن تجاهل دور المعارضة في تشويه رؤية أهداف الثورة لدى الثائرين على النظام؛ إن دور المعارضة في أي ثورة أو احتجاج واسع هو صياغة المطالب العامة ونظرية الثورة والسيطرة على الثورة وقيادتها، ورفض التعدد في تمثيلها ليسهل للمعارضة خوض الصراع الوطني العام ضد النظام.

جيش الإسلام وأحرار الشام

المعارضة السياسية الفاشلة والانتهازية خسرت أهم ما يبرر وجودها وهو ما ذكرت. هذا فتح المجال لتصبح القوى الإسلامية هي المتصدرة للمشهد العسكري. جهادية داعش والنصرة أخرجتهما من القوى المحسوبة على الثورة، أما جيش الإسلام وحركة الأحرار فقد كانت سلفيتهما هي الغالبة، وتطورت في خطابها لتصبح “مقبولة” إقليمياً ودولياً، وبالتالي اشتغلت على مفاهيم الشعب والعدالة والديموقراطية التي تتساوى بصندوق الاقتراع، وقبالة ذلك خففت من خطابها الديني والطائفي. الحركتان الكبيرتان هاتان، كان مشروعهما العسكري هو الأساس، ولاحقاً اشتركتا بالسياسة باعتبارهما ممثلتين عن الشارع والثورة. هنا يجب ملاحظة أن جيش الإسلام رفض الإنخراط بالهيئات السياسية المُشكلة، وكذلك الأحرار، وكان اشتراكهما تقنياً ولغايات المفاوضات النهائية أو ما يتعلق بالشؤون العسكرية كما تمّ في الأستانة وجنيف.

الحركتان المذكورتان، وبعد التخفيف من الحمولة الأيديولوجية السلفية لهما، وتبني خطاب براغماتي، وبسبب إطالة أمد الصراع، والحاجة للأموال، خضعتا لمصادر التمويل، وكذلك بسبب سياسات فاشلة لديهما لإدخار قواتهما للمعارك النهائية؛ جيش الإسلام خضع للمملكة السعودية والأحرار للدولة التركية بشكل خاص. طبعاً هناك مصادر تمويل متعددة أخرى يحصلان عليها، وهذا لن يُعرف بشكل كامل إلا بعد زمن طويل. على كل حال، وبتطور الواقع كما ذكرت وبتحول سورية إلى ساحةٍ للصراع الإقليمي والدولي، خضعت أكبر الحركات لسياسات الخارج. إضافة لذلك ارتهنت فصائل كثيرة لكل من غرفة الموك في الأردن وغرفة الموم في تركيا، وأُعلن عن فصائل ممولة ومدعومة أمريكياً بصفة خاصة، والتي لم تقبل أغلبيتها محاربة داعش فقط واشترطت محاربة النظام وداعش معاً، فكان مصيرها التهميش؛ لعبت أمريكا وتركيا والأردن على إبقاء الفصائل متشرذمة وبدون قيادة موحدة، وكانت كل عمليات التوحيد هامشية ورغبوية بامتياز، وبالتالي استتبع ذلك هامشيتها وخسارتها كل المعارك التي خاضتها مع داعش أو النصرة أو جيش الإسلام، وبالنتيجة تلاشت الفصائل وظلت الحركات السلفية المدعومة خارجياً.

وما ظل من فصائلٍ غير محسوبة على الإسلامية ولا سيما فصائل درعا تم تدجينها في إطار اتفاقيات الأستانة، وتعد مشاركتها في الأستانة، أو تلقي الدعم الأمريكي سبباً كافياً لعدم استقلاليتها ولضمور الوطنية في قراراتها، وتفسر صمتها عن المساهمة في معارك كثيرة، وبدءاً من رفضها مؤازرة بلدة داريا، والاستفراد لاحقاً بكل الغوطة الغربية والشرقية. حتى هذه الانسحابية لم تشفع لها، فكوفئت بخلق داعش لها في وادي اليرموك؛ فجيش خالد الداعشي وُجد لتهديد تلك الفصائل بالتحديد، وتكبيل يديها عن المساهمة في معارك الغوطة أو حلب وكذلك لضبطها في إطار الاتفاقيات الدولية والاقليمية، وربما للتأثير عليها لتتقبل أية شروط تخص إبقاء الحدود آمنة مع إسرائيل وعدم رفع أية مطالب مناهضة للأخيرة.

قسد وغصن الزيتون

إذاً لم تعد صراعات الفصائل ضد النظام تنطلق من قضايا الصراع ضده، بل أصبحت  خاضعة كما النظام لسياسات الخارج بشكل أساسي. بعد 2013 و2015 ودخول روسيا، وكذلك بعد خسارة حلب ونشوء التحالف التركي الروسي، جيرت تركيا الفصائل المدعومة من قبلها لصالح هذا التحالف. التحالف هذا فرض سياسات جديدة على كل من تركيا وروسيا وإيران وأمريكا، وبالتالي خضعت كل صراعات الفصائل لهذه التحالفات. فصائل درع الفرات أو غصن الزيتون أو قسد كلها أصبحت صراعاتها مع بعض أو ضد داعش خاضعة لهذه الاعتبارات بالتحديد، وبالتالي هناك سؤال كما في نص الطاولة المستديرة لصالون سوريا والتي نناقش فكرتها الأساسية في هذا المقال:

أين الوطنية في كل هذه الصراعات، وأين مصلحة الشعب السوري في تعزيز الاحتلالات لأراضيه؟

إضافة لما أشرت له سلفاً، وهناك ما هو أسوأ، وهو التوافق بين النظام السوري وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي “البايادي دي” والذي بدأ مع بداية الثورة، وبنتيجة  الصفقة بينهما تم تخلي النظام له عن مناطق واسعة في القامشلي والحسكة وعفرين ليتم فرض سلطته عليها. هذا الاتفاق تم بالتأكيد ضد الثورة وفصائلها وعانى منه الكرد والعرب. هذه لحظة تأسيسية للفهم، وليتم توضيح أصل العدائية الكبيرة بين هذا الحزب والفصائل السورية بكل أشكالها. الإشكالية هنا أن تطوّر الصراع وديمومته لسنوات وسنوات غيّر من تحالفات هذه الفصائل “الكردية والعربية” وبالتالي جعل منها خاضعة للخارج كما النظام ذاته.

لهذا لا يمكن مناقشة معركة غصن الزيتون دون توضيح الأسباب التي دفعت بعض الفصائل للمشاركة في معاركٍ تحت السيطرة التركية، وكذلك يجب فهم تحالف الاتحاد الديمقراطي “البايادي” مع الأمريكان. معركة عفرين كانت نتيجة ما ذكرت، ولكنها مكنت تركيا من احتلال أقسام واسعة من سورية كما معركة درع الفرات. أيضاً تحالفات قسد مكنت أمريكا من فرض سلطتها على مناطق واسعة في شرق سورية وشمالها.

من يتحمل المسؤولية

يمكن القول إن جيش النظام لم يكن وطنياً كما أشار الكاتب علي العايد في مداخلته “الجيش السوري الحر لم يكن موجوداً أبداً” بهذا الملف في تصديه للثورة الشعبية ولم يقف على الحياد لحماية الدولة كحال تونس مثلاً، وهي وظيفته الأساسية. وكذلك الفصائل حينما لم تلتزم بمرجعية ثورية، وتحدد عملها بحماية الثورة وتطويرها ورفض كل تبعية للخارج أو ميول سلفية وجهادية تبنتها جماعات لا علاقة لها بالثورة وأهدافها. نعم تتحمل السلطة السياسية المسؤولية الكبرى عن مآلات سورية وعن إدخال الجيش لقمع الشعب بمرحلة ثورته السلمية والعسكرية، وكذلك تتحمل المعارضة المسؤولية في الفوضى التي هي سمة الفصائل وتشرذمها وتفتتها وتبعيتها للخارج.