سلعٌ بشرية تباع وتشترى في أسواق الحرب. إنها عودةٌ إلى أسواق النخاسة، بفارق أن الضحية هذه المرة تستر فضيحتها ومأساتها تحت عباءة الزواج الحلال.

فتياتٌ لم يودّعن ملاعب الطفولة والأحلام بعد، يُزجّ بهن في سجن زواجٍ مرعب، يُشرِّع اغتصابهن تحت مسمياتٍ كثيرة، ويجعلهن أمهات وهنَّ مازلن يلعبن بالدمى ويملأن الشوارع صخباً ومرحاً. هكذا، يكبرن فجأةً بقرارٍ تعسفي، يشبه حكم الإعدام، لا رأي ولا علم لهن به… يربين أطفالاً وهن لايزلن طفلات بحاجةٍ للحب والتربية والتعليم وحضن أمهاتهن. يصبحن ربات منزل، يَغسلن ويحضِّرن الطعام ولم يزل مذاق الحليب والبوظة والبسكويت معششاً في أفواههن. يحملن مسؤولية العناية بالزوج وتلبية طلباته وتحقيق المتعة له، قبل أن يجرِّبن أبسط متع الطفولة. يطالَبن بواجباتٍ قبل أن يحصلن على حقوقهن في التعلم وتنمية المهارات واكتشاف الحياة، حياتهن التي قُتلت قبل أن تُكتَشف.

 زواج القاصرات، حدثٌ لم يكن غريباً عن المجتمع السوري، لكنه قبل الحرب كان يخضع، إلى حدٍ ما، للرقابة الأخلاقية والإنسانية في المجتمع، وينحصر في بعض المجتمعات التي يحكمها الجهل والتخلف. أما بعد الحرب، فقد تحول إلى ظاهرةٍ خطيرةٍ متفاقمة اجتاحت كل أصقاع البلاد، وألحقت الأذى بالسوريين أينما حلوا، حتى باتت وباءً يفتك بالمجتمع ويقوض دعائمه ويدمِّر إنسانيته وبديهياته الأخلاقية.

في النزوح القاصرات قرابين للحرب  

هربوا من بطش الموت في مناطق الصراع نازحين نحو مناطق ظنوا أنها أكثر أماناً، لكن الحرب لحقت بهم، وداهمهم الموت عبر طرقٍ أخرى، ليجابهوا مصائب الواقع الجديد، حيث الذل والقهر، الفقر والخوف، يحدقون بهم من كل صوب، ويجبرونهم على تقديم أغلى ما لديهم كي يروضوا وحشية الحياة.        

لم تكن (أ) ابنة الثالثة عشر، تعرف معنى خاتم الزواج الذي وضع في إصبعها الغض، الخاتم الأشبه بقيدٍ يُدمي براءتها.

بعد نزوح عائلتها إلى ضواحي دمشق، اختفى والدها في ظروفٍ غامضة (اعتقال، خطف) تاركاً إياها مع أمها وأختيها يصارعن كوارث الحرب بواقعها الجديد. تحت وطأة العوز والخوف والعيش المرير، لم يكن أمام الأم من خيارٍ سوى الانصياع لصفقة الجار ذي الخامسة والأربعين عاماً، الذي اشترى ابنتها للزواج.

كان يلاحقها بنظراته ليل نهار ويقدم لها الألعاب والأطعمة ويرشي الأم المعدمة بالعطايا والمساعدات التي كان يغدقها على العائلة البائسة الغارقة في مستنقع الغربة والضياع والمهدَدة كل يوم بالتشرد في الشارع.

سكنت (أ) في بيتٍ واحد مع أبناء زوجها الذين كانوا بعمرها تقريباً، لتعيش حالة فصام، إذ تلعب معهم في غياب أبيهم كطفلة وفي حضوره تعود إلى دور الأم المزعوم، أما هم فكانوا يتساءلون عن أسباب نومها في غرفة أبيهم، ويندهشون حين يسمعون بكائها وصراخها في الليل، ويتألمون معها ببراءة على وجعٍ سيعرفون فيما بعد حجم كوارثه.

(ف) طفلة متسولة تبيع البسكويت، كنت أراها بشكلٍ شبه يومي تجلس وأخوها الصغير في إحدى شوارع دمشق ليستجديان من العابرين ما يسد رمق العائلة. مرت عدة أيامٍ لم أرها فيها، سألت أخاها الذي كان يتابع مهنته الشاقة، فأخبرني أنها تزوجت. اصطحبنا الطفل إلى بيتهم للقاء الأم. شقةً بائسة (على العظم) لا تصلح للعيش البشري، أُغلقت نوافذها بالقماش والنايلون وارتُجل لها باب. على أرضها، بين بقايا الرمل ومخلفات البناء، وضعت بعض الفرش والبطانيات. لا يوجد في هذا الخواء أي شي من متطلبات الحياة، فلا تصله أنابيب الماء أو خدمات الصرف الصحي وبالتالي لا يحتوي مطبخاً أو مرحاضاً.

تقول الأم ” فقدت زوجي قبل نزوحي مع أبنائي الأربعة ونتيجة لما عانيته، أصبحت ضحية أمراضٍ كثيرة، خاصة أمراض الظهر والمفاصل والأعصاب وبالكاد أستطيع السير على قدميّ.”

تتحدث بحزنٍ وألم عن زواج ابنتها: ” كان علي أن أنقذها من الذل والخوف وقسوة هذه الحياة، بيت زوجها أفضل ألف مرة من التشرد في الشوارع وسيسترها ويريحني من تحمل أعبائها، فجسدي المتهالك لا يسمح لي بالعمل لأنقذها من الجوع والمستقبل المرعب وأنا عاجزة حتى عن حماية نفسي.”

تزوجت الضحية (ف) من رجلٍ يكبرها بأكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً وهي لم تتجاوز الرابعة عشرة، وما زالت دميتها المصنوعة من القماش البالي، معلّقة على الجدار المقفر بجانب أمها المنهكة في مشهدٍ درامي مؤلم.

المناطق الساخنة ، بين مطرقة الجحيم وسندان الشرع والدين  

ويلات الحصار، الأوضاع المعيشية القاهرة ،الموت المجاني وانعدام الأمان. ظروفٌ عانتها مناطق سيطرة المعارضة، أجبرت كثيراً من الأهالي على تزويج بناتهم ليرتاحوا من أعباء حمايتهن وإعالتهن وهمّ انتشالهن من جحيمٍ تلقي فيه الحرب أمراضها وكوارثها عليهن لتميتهن في اليوم آلاف المرات، لذا حاولوا تقديم  تسهيلاتٍ كثيرة لطالبي الزواج، كعدم المغالاة في المهر، ليقتصر على ما هو رمزي، والتغاضي عن أصولهم وأعمارهم وأوضاعهم المادية وسلوكياتهم الأخلاقية. كما أن تناقص أعداد الشباب، بسبب الموت والإعتقال والفقر والهجرة، قد دفع ببعض أهالي القاصرات لاغتنام أية فرصةٍ لتزويج بناتهم، قد لا يحظون بها مرة أخرى، بل حاول بعضهم عرض بناته للزواج خوفاً عليهن من مستقبلٍ مجهولٍ لا تحمد عواقبه.

إن غياب القانون والمحاكم المدنية عن تلك المناطق وانحلال بعض القيم الإنسانية والأخلاقية في المجتمع الممزق والمتداعي أمام وحشية الحياة اليومية هناك، قد فتحا الباب لانتشار حالات الزواج العرفي الذي ساهم بدوره في تفشي ظاهرة زواج الأطفال، فأمر الزواج الذي كان حلماً صعباً ويحتاج إلى شروط تعجيزية – وفقاً لبروتوكولات معظم شرائح المجتمع السوري – كالنظر إلى حَسَب ونسب الزوج وأملاكه، قد أصبح اليوم أمراً يسيراً في غاية السهولة وفي متناول يد من يريد، إذ لا يتعدى الأمر حضور رجل الدين وشاهدين وورقة ما يُكتب عليها بضع كلماتٍ تسمى “عقد زواج”. أمام واقع الحال هذا، اغتنم معظم الرجال الفرصة ليس لكي يتزوجوا فحسب، بل لكي ينعموا بتعدد الزوجات، اللواتي كن في أغلب الأحيان  قاصرات.

بعد انتشار ظاهرة المد الديني في معظم المناطق الساخنة، ارتفع صوت الزعامات والمرجعيات الدينية المنادية بضرورة تزويج الفتيات لكي “يكملن نصف دينهن”، لذا راحت تبحث عنهن في البيوت لتضع يدها عليهن وتصادرهن كما الغنائم، بغية تزوجيهن بقرارٍ منها لا يعبأ برأيهن أو رأي ذويهن، كما حاولت حث الفتيات والفتيان على الزواج لإنقاذهم ـ بحسب زعمها- من الوقوع في شرك الخطيئة والفتنة. من جهةٍ أخرى عَملت بعض الفصائل المسلحة على استقطاب الشباب القاصرين للقتال في صفوفها، عبر إغرائهم بعروض الزواج الكثيرة، كتسهيل إجراءاته وتقديم الدعم المادي لإتمامه وتأمين الفتاة المناسبة. أمام هذه المغريات انساق كثيرٌ من الشباب المغلوب على أمرهم خلف تلك العروض وتسابقوا للفوز بها واغتنام ملذاتها، دون أن يعلموا أنهم ضحايا مآرب حقيرة. لكن المأساة الأكبر كانت من نصيب  فتياتٍ قاصراتٍ تم الزج بهن في أتون حروب نفسية وجسدية جديدة واستخدمن كوسائل للمتعة والترغيب وإتمام الصفقات، حيث أُجبرن تحت الضغط والترهيب وبحجة تطبيق أصول الشرع والدين على الزواج من رجالٍ غرباء ومشبوهين لا يعرفن شيئاً عنهم وبالكاد تعرَّفن إلى أسمائهم.

إن الأمراض والأخطار التي نجمت عن تلك الزيجات كانت كارثية. عقود زواج كثيرة ثبت أنها مزوّرة، لم تضمن للقاصر شيئاً من حقوقها بل جعلتها بنظر البعض بحكم الزانية . قاصراتٌ أصبحن أرامل وأنجبن أطفالاً أيتاماُ قبل أن يتعرفن على طقوس الحياة الزوجية، فتضاعفت مأساتهن وازدادت عليهن قيود الدين والمجتمع. أُخريات افترقن عن أزواجهن بعد أيامٍ من الزواج، نتيجة نزوحهن أو مرابطة الأزواج على جبهات القتال، ولا يعلمن شيئاً عن مصيرهم منذ سنوات. أطفالٌ ولدوا في تلك المناطق، هاجر آباؤهم أو ماتوا قبل تثبيت الزواج في المحكمة، فأصبحوا مجهولي النسب أو مكتومي القيد يتهددهم مستقبلٌ مجهول. 

سبايا بغطاءٍ شرعي

في مخيمات اللجوء نشطت أسواق النخاسة بشكلٍ علني، قاصراتٌ نُقلن إلى دول الخليج وغيرها كما تُشحن البضائع أو تم بيعهن إلى التجار والأثرياء وطلاب المتعة الذين وجدوا بالزواج العرفي غطاء شرعياً للاستغلال الجنسي. يكفي أن يرسل المشتري نقوده (تحت مسمى المهر) إلى سماسرة الزواج لترسل سلعته البشرية إليه، والبائع غالباً مغلوبٌ على أمره. فهو إن استطاع إنقاذ ابنته من مآسي وأمراض حياتها اليومية فقد لا يفلح في إنقاذ شرفه الرفيع من الأذى، فالعار يحدق بابنته في كل لحظة، حيث المخيمات تعج بالوحوش الباحثة عن فريسة، وقد تكون ابنته وشرفها ضحايا للافتراس.

تحدثنا (أمل)، التي عملت في مجال الدعم النفسي، داخل مخيمات اللجوء في لبنان، عن واقع الحال هناك “كان هناك سماسرة أو ما يعرف بـ (الخطّابين)، وعلى يدهم تمَّت أغلب صفقات الزواج من أثرياء وتجار وغيرهم. يلعب السماسرة دور الوسيط بين الزوج وعائلة القاصر، يعرضون مواصفات الفتاة على طالب الزواج أو يرسلون صورها إليه، ويفاوضون ولي أمر الفتاة بشأن المهر وأمور الزواج الأخرى. كثير من الزيجات تمت كزواجٍ عرفي ودون حضور الزوج.

من زاوية أخرى، تضيف أمل “إن انخفاض تكاليف الزواج  من سوريات المخيمات الباحثات عن خلاص ما، وارتفاع تكاليف متطلباته ومراسمه في معظم البلدان العربية إلى مبالغ خيالية، قد دفع بعض الشباب مختلفي الجنسيات من الباحثين عن زواجٍ ميسور لطرق أبواب المخيمات حيث عروض الزواج المغرية،  فابتاعوا أجمل الفتيات السوريات القاصرات بأسعارٍ بخسة، وكأن الأمر سوقٌ للعرض والطلب.”

“خياران أحلاهما مرّ” تتابع أمل متحدثة عن أسباب تلك الزيجات ” كانت العائلات السورية المنكسرة تنتظر سلة الإغاثة وكأنها صدقة وتتسول الدعم الشحيح للمنظمات التي تتحكم بلقمة العيش. ظروفٌ معيشية معدمة لا تصلح لكائنٍ بشري، شحٌ في كل متطلبات الحياة، ناهيك عن الكرامة المهدورة والذل والإهانة اليومية. وإن حظي رب الأسرة بفرصة عمل خارج المخيم فسيكون عرضة للاستغلال والتضييق والأذى وتلقي سهام العنصرية.  لكن الأمر الأكثر خطورة تمثل بانتشار حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي في معظم المخيمات، ذلك بسبب الظروف السكنية القاهرة والاكتظاظ البشري الهائل، إذ تعيش أعداد كبيرة من البشر في مساحاتٍ ضيقة لا يحظى القاطنون فيها بأية استقلالية، الأمر الذي يفتح الباب لكل الاحتمالات المؤلمة والمدمِّرة.

لقد شهدنا حالات اغتصابٍ كثيرة تم التكتم عليها من قبل أهالي الضحية بذريعة الشرف واتقاء الفضيحة، وهناك ما هو أخطر، فأحياناً قد تجد مراهقاً يتحرش بأخته وذلك بعد ضياع الدور التربوي الرقابي من قبل الأهل الغارقين في جحيم معاناتهم اليومية. حيال ذلك الواقع، أصبح تزويج الفتيات بنظر أغلب الأهالي هو طوق نجاة لهن، فبرأيهم : “الرمد خيرٌ من العمى”.  

تختتم أمل “كل يومٍ كنت أرى قاصراتٍ جدداً يخرجن من جحيم المخيمات إلى جحيم زواجٍ مجهول. من بين ستين فتاةٍ عرفتهن خلال عملي بتقديم أنشطة الدعم النفسي، تزوج منهن حوالى ثماني عشرة فتاة، وما يؤلم في الأمر أكثر هو أن معظم تلك الزيجات كانت بغرض المتعة فقط. كثيرُ من المتزوجات عُدن مطلقاتٍ إلى المخيم بُعيد أسابيع من الزواج، بعد أن أشبع مغتصبهن غرائزه الجنسية تحت غطاء زواجه المزعوم. وبالرغم من وعود معظم الأزواج بتثبيت الزواج في المحكمة وضمان حقوق الزوجة، تبين أن بعض تلك الوعود كانت زائفة، تضمر خلفها مآرب كثيرة كان أسوأها الاتجار بالقاصرات وتشغيلهن في بيوت الدعارة بعد تمزيق عقد الزواج الكاذب.”  

أخطار جسدية ونفسية

وفقاً للدراسات الطبية، لا يكتمل نمو جسد الفتاة قبل سن العشرين، وبالتالي فإن الحمل قبل هذا السن يعتبر أمراً بالغ الخطورة، وإن حصل فالحامل معرضة لفقر الدم وهشاشة العظام والتعب ومهددة بالإجهاض بأي لحظة، أما الجنين، فهو عرضة للتشوهات الخلقية والشلل الدماغي والإعاقة الحركية، وإن وُلِد معافىً فقد لا ينجو من سوء التغذية وانعدام العناية الطبية والنفسية، ليصبح مهدداً بتأخر النمو الجسدي والعقلي، فالقاصر ليست مهيئة أو متمرِّسة لكي تعتني بطفل، وعواطفها ومشاعرها لم تنضج بعد لتمنح الحب والعاطفة والتربية الصحية لطفلها، سُرقت من حضن أبويها قبل أن ترتوي من حنانهم وعاطفتهم، لذا غالباً ما تصاب بأمراضٍ نفسية وحالات فصامٍ واكتئابِ واضطراباتٍ في الشخصية، إذ كيف يمكن لطفلٍ أن يربي طفلا؟

الطفلة ” غ” ١٥ عاماً، أجهضت بعد حمل دام أربعة أشهر، التقينا بأمها التي شرحت لنا معاناة ابنتها: “خلال أشهر الحمل كانت تعاني من دوارٍ شديد وتعبٍ وكسلٍ دائمين، ولم تتمكن من الراحة لأنها تقوم بأعباء المنزل وخدمة زوجها. أصيبت بفقر الدم وأصبح لونها شاحباً، كانت تتقيأ كثيراً وتعاني من آلام في البطن والمفاصل والعظام وأصبح جسدها نحيلاً لا يقوى على الحمل فأجهضت.” ثم أخبرتنا عن ابنة أحد أقربائها وهي بعمر ابنتها، حبلى بشهرها السادس، تعاني من الأعباء ذاتها وتزور المستشفى كل حين لتحافظ على حياة جنينها. حالها حال الكثيرات ممن يقاوم جسدهن الطفل مشقة حمل طفلٍ آخر.   

القانون لا يردع الجريمة       

حدد قانون الأحوال الشخصية في سوريا في المادة السادسة عشرة منه أهلية الزواج للفتاة بتمام السابعة عشرة من عمرها، لكنه أجاز للقاضي إمكانية تزويج الفتاة في عمر الثالثة عشرة إذا تبين له صدق رغبتها وقدرة جسدها على تحمل أعباء الزواج. من جهةٍ أخرى، القانون غالباً لا يكون رقيباً على حالات الزواج التي تهرب من سلطته لتتم برعاية ومباركة الدين والشرع. فأغلب زيجات القاصرات تمت كزواجٍ عرفي بتشريعٍ ديني لم يعبأ بسلطة القانون لأن الأخير لم يحاول ردعه.

في السنوات الماضية ازدادت معاملات زواج القاصرات بشكل مضطرد، وبعضها جاء بعد سنوات من الزواج العرفي، إذ يحضر الزوجان إلى المحكمة لتثبيت الزواج بعد حمل الزوجة أو انجابها، فتضطر المحكمة لتثبيت الزواج دون النظر إلى أسبابه أو التحقيق بشأنه.

يقول المحامي أحمد “حتى اليوم لا يوجد قانون يُجرِّم زواج القاصرات، فهو ينهل معظم مواده من أصول التشريع الديني، إذن، هو يعترف ضمناً بالزواج العرفي و يبقي لسلطة الدين والمجتمع نفوذها في غياب من يحمي القاصرات ويتركهن عرضة للإجرام والإنتهاك.  لو حاول القانون معاقبة من يتزوج قاصراً أو يرغمها على الزواج فربما حينها سيردع حالات كثيرة، لكنه بدلاً من معاقبة الجاني يبرئه ويقر بزواجه. هذا القانون لا يردع جريمة الاغتصاب حتى، فهو يعفي المغتصب من العقاب إذا تزوج من اغتصبها، أو يخرجه من السجن بعد تثبيت زواجه منها.”   

من جهة أخرى يضيف المحامي “القانون لا يأخذ بيد القاصر، فلقد حصر سلطة الولاية عليها بالأب أو الجد، إذ لهما الحق الوحيد في الموافقة على الزواج،  لقد استثنى الأم من أن تكون وليةً على ابنتها أو شريكة في الولاية، فهي خارج الولاية حتى في حال وفاة الأب. لو تسنى للقاصر أن تقرر مصيرها بيدها أو سُمح لأمها بأن تكون شريكةً في قرار الزواج لكان يمكن لتلك الظاهرة أن تنحسر بشكلٍ كبير.”   

يختتم المحامي أحمد “في السنوات الماضية لم ينظر القانون إلى موضوع زواج القاصرات وفقاً لمعطيات الحرب، فكثير من حالات الزواج تمت تحت سطوة التهديد والإكراه والسلاح في بعض الأحيان، تلك السطوة لم تطل القاصر فحسب، بل طالت ذويها وأرغمتهم على الإذعان لرغبات طلاب المتعة وعصابات الاتجار بالنساء الذين احتموا بالزواج العرفي لكي يحققوا غاياتهم. كان بمقدور القانون أن يحد من تلك الحالات لو أنه منع الزواج خارج نطاق المحاكم ونظر إليه بعين الرقيب متحققاً من أسبابه وغاياته.”       

لا عدالة ولا منظمات إنسانية تحمي الضحية

 لو كان ثمة جهات أو منظمات إنسانية حقوقية اجتماعية تستطيع حماية القاصرات ومنع تزويجهن تعسفياً، فلربما أُنقذت الكثير منهن. بمعنى آخر، لو رفضت القاصر أن تتزوج فلن تجد من يأخذ بيدها أو يتصدى لمرغميها وإن هربت منهم فلن تجد ملجأً يأويها، فحتى منظمات حقوق الإنسان والطفل وقفت عاجزةً حتى اليوم عن منع تلك الجريمة، خاصةً في ظل الحرب المهيمنة على البلاد.

(م) طفلة بعمر الخامسة عشرة، كانت تعمل مع أمها في تنظيف المنازل وشطف الأدراج لتكسبا بعض النقود كي تعينهما على انتشال العائلة من الفقر والمرارة. أحد البيوت التي كانتا تعملان بها بشكلٍ أسبوعيّ، كان لرجلٍ متنفّذٍ يعمل لصالح إحدى الميليشيات المسلّحة.

ما إن رأى الرجلُ الأربعينيّ ُ(م) حتّى أُثيرت غرائزه الحيوانيّة، وراح يفترس طفولتها بنظراته الشبقة ويتحرش بها حين تسهو الأم عنه أثناء العمل. حين علمت الأخيرة بمآربه توقفت عن الذهاب إلى بيته، لكنها لم تنجُ وابنتها من مخالبه. ذهب إلى بيتهما وأرغمهما على العودة لعملهما الأسبوعي، وبكل فظاظة ورعونة، طلب الزواج من (م). لم تستطع الأم أن ترفض رغبته، فهي النازحة المكسورة والوحيدة في مكانٍ غريبٍ عنها، وهو صاحب النفوذ والسطوة فيه، أما زوجها فقد كان عاجزاً عن إبداء أي مقاومة لأن قذيفة حربٍ نالت من جسده فأضحى مشلولاً يقبع في السرير ولا يقوى على الحركة.    

تقول الأم  ” لقد نعتني ذلك الرجل بـ “الإرهابية” وهددني بسَجني مع أولادي إن رفضت رغبته أو حاولت الابلاغ عنه، وفوق هذا، كان يستطيع خطف الفتاة واغتصابها دون أي رادع، وأنا لا أستطيع الاستعانة بأحد أو الهروب إلى أي مكان. توجهتُ إلى إحدى المنظمات الإنسانية العاملة بالقرب من حينا فلم ألق معيناً، كان جوابهم أن الأمر خارج قدراتهم ويخشون من عواقب التدخل فيه.”

تحت سطوة الخوف والتهديد تزوجت (م) زواجاً عرفياً، لتدخل قفص مفترسها ليمزق جسدها كل يوم ويتمتع بطعم لحمها الطري.  

حتى اليوم لا يوجد في سوريا أية منظمات تعنى بشؤون القاصرات وحقوقهن، فكل ما يعنى بهن يندرج فقط ضمن منظمات حقوق المرأة ودعمها وتمكينها، ويقتصر دور تلك المنظمات، بما يخص القاصرات، على الدور التثقيفي التوعوي بخطورة وأضرار الزواج المبكر، دون الدخول إلى عمق المشكلة لحلها من جذورها. وبالرغم من حملات التوعية والمحاضرات التي قامت بها تلك المنظمات في الأماكن التي تنشط بها حالات زواج القاصرات للحد من تلك الظاهرة، ظلت عاجزة عن منع أيٍ من تلك الحالات لأن القانون والمجتمع لا يجيزان لها التدخل، لذا هي لا تستطيع دعم القاصر إلا بعد زواجها، حين تصاب الأخيرة بالأمراض النفسية والجسدية التي يخلفها ذلك الزواج.

تقول (نجاح)، التي تعمل كمرشدة نفسية اجتماعية في إحدى المنظمات: ” لا يمكننا الحد من تلك الظاهرة طالما أننا لا نملك غطاء قانونياً ولا نحظى بدعم مؤسسات الدولة وليس بمقدورنا مجابهة العادات والتقاليد وسلطة رجال الدين الذين يدعمون ذلك الزواج. ببساطة، نحن لا نستطيع الوقوف في وجه ولي أمر القاصر، إذ يمكن له، وفق القانون، أن يتقدم بدعوى قضائية ضدنا إن حاولنا التدخل لحماية الفتاة أو منع الزواج.”

وتضيف نجاح “في ظل الحرب بات الأمر أكثر تعقيداً، فاليوم يستطيع أي صاحب سلطة ونفوذ أو حامل سلاح أن يتزوج الفتاة التي يريد رغماً عن أهلها، ونحن ليس بمقدورنا التصدي لهؤلاء الوحوش الذين يحتالون على القانون ويهربون منه بطرقهم الملتوية، فهم يستطيعون إلحاق الأذى بنا وعرقلة عملنا إن حاولنا الوقوف بوجههم أو فضح قصص زيجاتهم. فقط بمقدورنا دعم ضحايا ذلك الزواج نفسياً ومعنوياً وعلاجياً وترميم جراحهن لإعادة تأهيلهن من جديد.”

وتختتم نجاح: ” حيال عجزنا عن منع وقوع تلك الجريمة، نحاول مساعدة الضحية بتعليمها وتثقيفها لتستطيع تربية أطفالها بشكل جيد، أو مساعدتها قانونياً في حال تعرضت للعنف والانتهاك من قبل الزوج أو رغبت بالطلاق، وهذا حال الكثيرات. معظم القاصرات اللواتي التقيتهن يرغبن بالطلاق، وهذه نتيجة طبيعية لزواجٍ قسري تعسفي، لذا بتنا نرى من ينتظرن بلوغ سن الثامنة عشرة، حيث يصبحن بالغاتٍ وفقاً للقانون، حتى يتسنى لهن رفع دعاوى الطلاق ضد أزواجهن.”

هي آلة قتلٍ جديدة، وإن كانت لا تسفك الدماء، لكنها إحدى طرق الموت المتعددة التي أحدقت بالسوريين في كل مكان. زواجٌ يفعلُ فعل سلاح الحرب، ويزرع أخطاراً وأمراضاً مدمِّرة يحصدها جيلٌ ضحية، سينتج بعد حينٍ جيلاً أشد تدميراَ وتمزقاً وأمراضاً.