قبيل نشوب الحرب السورية، كانت البلاد تتجه بمنحى تصاعدي فيما سمي حينها بمرحلة النمو الاقتصادي وازدهاره، لا سيما مع انتقال البلاد من نظام الاقتصاد الاشتراكي إلى نظام اقتصاد السوق الاجتماعي. اعتبر حينها الاقتصاد السوري مثالاً للدول النامية في المحيط، حيث ارتكز على الزراعة والصناعة الخفيفة وبدرجة أكبر على النفط، وبلغت قيمة الناتج المحلي في عام 2010 نحو 60 مليار دولار. إلا أن ذلك انهار تباعاً مع كل يوم تقدمت فيه الحرب بعد 2011، حيث فرضت حزمة عقوبات اقتصادية متتابعة عزلةً على سوريا تعادل أضعاف الحصار الاقتصادي والسياسي الذي فرض إبان فترة الثمانينات، وصولاً إلى قانون قصير الأخير الذي دخل حيز التنفيذ في السابع عشر من حزيران/يونيو الفائت.

المعركة الأخيرة

يذكر تقرير البنك الدولي عن تبعات الحرب والخسائر الاقتصادية والاجتماعية للصراع في سوريا: “أن خسائر الاقتصاد السوري بلغت نحو 226 مليار دولار، وذلك بسبب دمار البنى التحتية والخسائر البشرية الفادحة، خلال الحرب المستمرة”، ويرد في التقرير أن أكثر من ثلث الكتل السكنية قد دُمر بشكل كامل، وأن أكثر من نصف المستشفيات والمستوصفات قد دُمر بشكل كامل أو جزئي. هذا عدا عن فقدان السوريين لنحو نصف مليون وظيفة سنوية، ما جعل نحو 6 من 10 أشخاص يعيشون في فقر شديد، إضافة إلى أن 3 من كل 4 أشخاص لا يعملون، أي ما يعادل نحو ثمانية مليون سوري عاطل عن العمل.

تؤكد كثير من الآراء الاقتصادية أن سبيل العودة الوحيد يكمن في تحويل أو إعادة الاقتصاد إلى إنتاجيته التصديرية قبل عشرة أعوام، وذلك يتم عبر بناء أسس ومواثيق واضحة للمستثمرين، ولاحقاً، فتح باب التنافس الشريف ضمن ميزات تعددية تستطيع البلاد تقديمها على صعيد التجارة. إلا أن الأمر يبدو أصعب بمراحل مما كان عليه قبل الحرب، فاليوم يسيطر تجار الحرب على البلاد، ويتقاسمون ثرواتها دون حسيب أو رقيب، خصوصاً أن سورية فقدت عدداً يقدر بالآلاف من المصانع والمعامل الإنتاجية، وتدهورت بالضرورة قيمة إنتاج القطن والقمح لأسباب عدة ومعها آليات توليد الكهرباء، واستخراج النفط، وبدرجة موازية الجسور وعموم البنى والسكك الحديدية. وتقدر مصادر اقتصادية أن خسائر الحرب في الثلثين الأولين من الحرب تعادل تريليون دولار.

وتحاول الحكومة عبر تصريحاتها إعطاء أهمية خاصة لحركة إعادة الإعمار، على اعتبارها حلاً إنقاذياً لوضع البلاد عموماً، فلا تدخر جهداً عبر وزرائها في الحديث عن خطة اقتصادية شاملة ستنطلق قريباً. فعلى سبيل المثال كان محافظ حمص قد رفع مشروعاً متكاملاً للحكومة عن خطة إعمار شاملة لمدينة حمص وسط البلاد، والتي دمرت الحرب أكثر من نصفها، مشروع مضى على تقديمه نحو خمسة أعوام، وحتى الآن لا حراك فعلياً على الأرض ولا شيء ينذر ببدء الإعمار، إلا تصريحات فقدت مصداقيتها دون رجعة.

ترى بعض الآراء الاقتصادية المتواترة خلال الفترات الماضية أن من أهم الصعوبات التي واجهت الصناعيين في إعادة بناء  ترميم الاقتصاد هو تنامي نفوذ طبقة تجار الحرب وانعدام الرؤية التنموية الحكومية وعدم وجود أي خطة حقيقية لتعافي المنشآت الصناعية المتضررة وإصدار قرارات تفضل التجارة على الصناعة والإنتاج، وهذا خطير جداً لأنه يحول البلد إلى بلد استهلاكي فقير بدل أن يكون إنتاجياً في طور النمو والازدهار وخاصة بعد الحرب، مع التأكيد على أن أكبر الكوارث لا تكمن في هجرة رؤوس الأموال وحسب بل وفي انعدام الثقة الاستثمارية الخارجية والداخلية وعدم وجود أي جهد أو مساع حقيقية لترميمها.

إذاً، فمن الجلي أن الاقتصاد السوري انهار بصورة قد تبدو لا رجعة عنها في الأمد المنظور، والسياسات الحكومية (الاستجدائية – التشليحية) توحي بهذا، فليس من الصعب مراقبة العمل الحكومي واستخلاص نتائج لا تحتاج تركيزاً عالياً، ولا حتى تحتاج متخصصاً اقتصادياً، إذ يكاد لا يمر شهر دون أن تطرح حكومة البلاد على مواطنيها حلاً اقتصادياً تَسِمهُ بالإنقاذي، وكان آخر هذه الاجتهادات قراراً صدر في بداية الأسبوع الثاني من تموز/يوليو الحالي، قضى بفرض ما سماه رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالإتاوة – أخذ المال عنوةً دون وجه حق). قضى القرار بإلزام كل سوري أو من في حكمه بدفع مبلغ 100$ أمريكي بمجرد دخوله إلى سوريا، ليتم تصريفه من البنك المركزي وتالياً، يكون المواطن قد فقد 50% من قيمة العملة قياساً بالسوق السوداء. وتساءل مدونون عن الهدف من استثناء الأجانب من تصريف هذا المبلغ بالسعر الرسمي الذي صار يعادل نصف سعر السوق السوداء، وراح آخرون للتساؤل عن شرعية إجبار السوري الذي ذهب ليجلب أغراضاً من لبنان أو ذهب لرؤية طبيبه وعادوا في نفس اليوم أو اليوم التالي، وحتى لو بعد أيام، وكذلك حال الطالب السوري، فلماذا يجب على هؤلاء دفع هذا المبلغ، في بلده متوسط الراتب الشهري فيه لا يتعدى 25$؟

تحدث الباحث محمد صالح الفتيح في تدوينة له متسائلاً عن كيفية تأمين النقد الأجنبي المستخدم لدعم الاستيراد الذي ترفض الحكومة التخلي عنه؟، مكملاً: “لماذا لا يتم إيجاد حلول أكثر فاعليه له، فقرار إلزام القادمين بصرف 100$ على الحدود بالسعر الرسمي هو أحد هذه الإجراءات التي تهدف لضمان استمرار المستوردات، علماً أنه غير حيوي”.

المعركة الأولى – طوشة الستين

في ستينيات القرن التاسع عشر اندلعت حرب أهلية خلفت مجازر راح ضحيتها أكثر من 50 ألف سوري وقتذاك، وتمثلت بثورة الفلاحين على الإقطاعيين، وتالياً، الصراع العشائري–المذهبي، وانتهت بتدمير أكثر من 500 قرية، وكوارث اقتصادية لا تحصى، وانتهت بتدخل أممي عاجل عبر لجنة دولية.

كانت الشام وقتذاك ترزح تحت الاحتلال العثماني، وكانت دمشق رائدةً عالمية في انتاج البروكار والحرير الطبيعي والصناعي، وكانت تلك الصناعات في حينه، تعادل أهمية النفط في يومنا هذا، وهذه الصناعات أسهمت في ازدهار شامي غير مسبوق على مستوى الدول آنذاك، قبل أن تشتعل الحرب وتحرق معها كل معامل الإنتاج هذه، في صراع درزي–مسيحي ابتدأ في لبنان وحط رحال دماره في دمشق.

كانت هذه الصفعة الأولى للاقتصاد السوري في التاريخ الحديث، أما الصفعة الثانية فقد بدأت في عام 2011، وما بين الانهيارين بلد يحاول الوقوف، وفي كل مرة تقص هاتان القدمان بفتنة، أو حرب، أو صراع، أو انفجار.