عندما تتصاعد الأزمات الاجتماعية وتصل إلى المستوى السياسي العميق، كالثورات والحروب الناتجة عنها، يتصاعد الحديث عن شكل الدولة ودستورها، ويحضر نقاشٌ الهوية، والتي يجب أن تطابق هوية المجتمع حتى تعبّر عنه.

في الحالة السورية، استطال الصراع بين النظام والمعارضة، وتشابك وتعقد مع التدخلات الإقليمية والدولية؛ وبعد فشل الإيديولوجيا القومية البعثية في خلق هوية سورية جامعة، تبين أن لا هوية سورية ناجزة تعبّر عن كل الشعب، في ظل تصاعد هويات قديمة دينية وطائفية وعشائرية وقبلية، وأيضاً هويّات قومية.

هناك آراء عديدة ترى أن تلك الهويات القديمة المتصاعدة هي ميّزة من ميزات المجتمع السوري، أو ما اصطُلح تسميته بالنسيج السوري الفسيفسائي، وأن المجتمعات العربية غير قادرة على الولوج في عالم الحداثة وقيمه، وبالتالي يجب أن يطابق العقد الاجتماعي هذه الخاصية، أي يعترف في نصوصه بأن المجتمع طوائف وقوميات وعشائر وإثنيات، وأن الديمقراطية المناسبة لسورية هي ديمقراطية تمثيل هذه التصنيفات. أو هناك من يطرح فيدرالية الطوائف والقوميات، وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك، أي التقسيم على أساسها؛ وقد رأينا أن الطروحات الأخيرة سقطت، إذ لا إرادة دولية، لمجمل الدول المتحكمة، بتقسيم سوريا.

ورغم ترسيخ نظام البعث، واستغلاله المسألة الطائفية، لكنه لم يشجّع على تشكّل زعامات طائفية في سورية، وهي لم تكن موجودة من قبل كالحالة اللبنانية. هذا جزءٌ من سياسته في التفرد في الحكم، وليبقى هو الضامن الأوحد لتماسك تلك البنى القديمة، وتخويفها من التفجّر ضدّ بعضها.

الطوائف انشقاقات فكرية متقادمة عن الأديان، في المبادئ والقيم والعبادة، وقد تحولت إلى بنى مجتمعية مع انهيار الدولة العربية الإسلامية. لكن المنطقة لم تعرف استقراراً حقيقياً يؤدي إلى دخول مجتمعاتها في عالم الحداثة وقيمه السائدة في أوروبا، وبما يقطع مع تلك البنى القديمة ويعيد القصة الطائفية والدينية عموماً إلى الحيز الفكري والإيماني؛ فقد عاشت المنطقة تحت حكم الدولة العثمانية لفترة طويلة، حيث حافظت على تلك البنى، وتلاها الاحتلال الفرنسي الذي استغل الوضع الطائفي، ضمن سياساته في ترسيخ تخلف هذه الشعوب للسيطرة عليها. وتليها فترة عدم الاستقرار، في ظل سلسلة من الانقلابات العسكرية، مدعومة بالبرجوازيات المدينية المتنافسة، والتي لم تحمل مشروعاً نهضوياً حداثياً، كحال كل البرجوازيات العربية في الدول الكولونيالية.

ثم جاءت فترة استلام البعث القومي العربي الطويلة للسلطة، والتي رغم شعاراتها التقدّمية والاشتراكية والتحرّرية، لم تقطع مع البنى التقليدية للمجتمع، بل حافظت عليها، خاصة بعد السبعينات، عبر اعتماد تحاصص طائفي وعشائري وقومي في كل دوائر الدولة ونقاباتها وفي الحزب نفسه. واستغل النظام هذه البنى في قمع معارضيه مرات عديدة، في حرب الثمانينات ضد الإخوان، وفي انتفاضة الأكراد 2004، وفي الثورة السورية.

وصول البعث إلى الحكم جاء في سياق صعود الأحزاب القومية في البلدان العربية التي كانت تحت سيطرة الاستعمار القديم. فمنذ مطلع القرن العشرين، تصاعدت لدى العرب الهوية العروبية كرد فعل على سياسة التتريك العثمانية. ولم يكن هذا الصعود العربي مؤدلجاً، بل كان شعوراً جامعاً لأبناء المنطقة العربية، أساسه وجود لغة تواصل مشتركة، وبالتالي ثقافة وتقاليد مشتركة، مما ولّد شعوراً بوحدة المصير، ورغبة في الارتقاء، والتحرر من سلطة العثمانيين المتخلفة. وبالتالي لم تدخل الهوية العربية في صراع مع الهويات القومية الأخرى في المشرق العربي، إلا بعد تسلّم الأحزاب القومية الحكم، وما ترتّب على أدلجة الهوية القومية العربية في فكرها. لكن ترافَقَ صعود الهوية القومية العربية، ثم تشكل الأحزاب المؤدلجة لها، مع صعود تيارات إسلامية تتمسك بالخلافة، ومنها ظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبقية دول المنطقة، لكنها حينها لم تكن مسيطرة، إذ كانت الرغبة العربية في التحرر من الاستعمار العثماني هي الطاغية.

حزب البعث العربي لم يكن يرى سورية إلّا وطناً مؤقتاً، وأنّه ناتج عن تقسيم المنطقة عبر سايكس بيكو، وهو ما كان يتوافق مع المشاعر العربية في سورية عموماً. لكن بعد السبعينات، أي بعد ترسيخ الديكتاتورية، بات كلّ فكر البعث مجرد شعارات، وباتت الهوية الوطنية تمنح أو تُسحب من الأفراد، حسب الولاء لنظام الأسد الأب، والذي بات شمولياً؛ أي يمكن القول أن الهوية السورية في ظل نظام الأسد باتت مبنية على الولاء، في دولة الولاء.

تمكن انقلاب البعث العسكري من تثبيت حكمه، بعكس الانقلابات التي سبقته، عبر أمرين أساسيين: الأول أنه حقق بعض التقدّم للفئات المهمّشة، وكسبَ ولاءها في الجيش والحزب وإدارة مؤسساته؛ والثاني في تحالفه مع الطبقة البرجوازية المتوسطة وجزء من القديمة.

حمل فكر البعث مشروعاً تقدمياً وتحررياً عروبياً بنكهة اشتراكية، تمثّل في تبنّيه القضية الفلسطينية، والتي كانت قضية العرب الكبرى، وفي قانون الإصلاح الزراعي وتأميم بعض الشركات، وإنشاء أخرى، وقوانين تتعلق بمجانية التعليم، والعمالة الكاملة، والطبابة المجانية… واستفادت منه الفئات المهمشة في الأرياف خاصة، والتي سارعت إلى الانتساب إلى الحزب والجيش والعمل في مؤسسات الدولة. لكن البعث لم يستمر فيما بدأ عليه؛ فمع استلام حافظ الأسد للسلطة، وميله إلى التفرد بها على مراحل، انتهى حكم البعث إلى حكم الدولة الأمنية، وما يرافقها من فساد وميل إلى النهب، خاصة من الفئات الحزبية التي أتت من أصول مهمشة وأصبحوا مسؤولين ومدراء عامين لفترات طويلة. فتلك الفئات كانت طامحة إلى تحسين وضعها، وأظهرت ميلاً أيضاً إلى النهب واستغلال المناصب، وبالتالي تفشّى الفساد والمحسوبية والبيروقراطية، التي كانت ضرورية لاستمرار هذا النهب، مع استمرار مراعاة التوزيع الطائفي ضمن مؤسسات الدولة. من هنا توقفت أية إمكانية للتطور والتحديث، وبالتالي بناء علاقات مجتمعية قائمة على الفرد (المواطن)، بدلاً من الطائفة والمذهب والعرق والقومية… ولم يتحقق القطع مع البنى التقليدية المتخلفة، وبات من السهل العودة إليها بقوة، وهو ما ظهر خلال الثورة السورية.

تحالُفُ البعث مع البرجوازية المتخلفة، والعاجزة عن تحقيق التقدم، منذ الحركة التصحيحة، له أثر كبير أيضاً في الحفاظ على البنى التقليدية. فقد كان هذا التحالف أساسياً في ترسيخ الحكم، لكنّه مشروط بالإبقاء على بناها القديمة؛ فهذه الطبقة مدينية، مترابطة عضوياً، عبر صلة القرابة، مع المؤسسات الدينية الكبرى المتقادمة في دمشق وحلب، والمسيطرة على المجتمع “السني” خصوصاً في تلك المدن. وهذه الارتباط العضوي المتحالف، مع المؤسسات الأمنية، مؤثر بشكل فعال في كل سياسات النظام الداخلية، خاصة الاقتصادية والاجتماعية. فإذا كانت رغبة الفئات الريفية، التي ساهمت في ترسيخ النظام، في تحقيق التقدم والارتقاء تجعلها قادرة على تقبّل قيم المواطنة والعلمانية، فإنّ شرط الفئات البرجوازية كان عكس ذلك، أي رفض العلمانية، والإبقاء على البنى القديمة، وهو ما يُفسّر أنّ دساتير البعث، وبالمثل ما سبقه من دساتير، اضطرت إلى الحفاظ على تفاصيل تدلّ على الهوية الإسلامية، كدين الرئيس، وأن الإسلام أحد مصادر التشريع. والواقع أنّ الإبقاء على الهوية الإسلامية في دساتير البعث هو ليس من باب تمسّك الأكثرية الطائفية بالهوية الإسلامية كما يحلو لكثيرين تفسيره، ولكنّه نزولٌ عند رغبة الفئات البرجوازية المشاركة في الحكم، والتي في نفس الوقت تموّل وتدعم المؤسسات الدينية. ومن هنا يمكن فهم تحالف نظام الأسد مع مؤسسة كفتارو مفتي النظام، ودعمه لها، مقابل مبادلتها الدعم أيضاً، كمصلحة متبادلة، وبالمثل علاقة النظام بالخزنويين ومنهم محمد سعيد رمضان البوطي، ولاحقاً تقارب بشار الأسد من جماعة زيد الدمشقية، التي كانت ممنوعة بسبب مشاركة أفراد منها في حرب الثمانينات إلى جانب الإخوان المسلمين، والسماح بعودتها، وزيارته لأحد زعمائها، الشيخ سارية الرفاعي.

إذاً بنية نظام البعث لم تكن طائفية، بل هو استغل كل تناقضات المجتمع السوري لترسيخ حكمه، وهو مجموعة من التحالفات السياسية والاقتصادية والأمنية، والتي تعرضت لإعادة هيكلة مع قدوم الأسد الإبن إلى الحكم. فقد ترافق ذلك مع انتقال النظام إلى المزيد من الانفتاح الاقتصادي وبشكل رسمي، بضغط من الفئات الإدارية القديمة، من حزبيين ووزراء ومدراء عامين، والتي رسملت بفعل النهب، وأرادت الاستثمار، عبر أقرباء لهم، في مجال الاقتصاد المكمّل لدورة رأس المال، أي المجال الريعي، وبالتالي تخلّت الدولة رسمياً عن دعم الزراعة والصناعة الوطنية، واضطرت إلى تقليص الدعم الحكومي؛ وتحول النظام بالكامل إلى حكم مافيا عائلية، تقيم التحالفات التي تحافظ على بقائها في الحكم. هذه الانتكاسة أدت إلى المزيد من عدم الإحساس بالأمان لدى الفئات المهمّشة بما فيها التي استفادت من فترة الستينيات، والتي ارتدّت إلى بناها التقليدية، من أجل الحصول على الأمان الاجتماعي، في ظل تراجع حجم إنفاق الدولة الاجتماعي، وعن تأمين فرص عمل للجميع. وبالتالي تصاعدت الهويات الدينية في ظل حكم بشار الأسد، سواء الطائفية أو الإسلامية، وكذلك تصاعدت الهويات القومية من غير العربية.

الهوية الكردية هي الأكثر تأزماً في سورية، فقد برزت بشكل صارخ خلال الثورة السورية. أكراد دمشق حصلوا على كامل حقوق العرب المدنية، بل استطاع النظام كسب تأييدهم عبر المؤسسات الدينية الكبرى التي تحالفت معه، ويقودها أكراد، كفتارو والبوطي. وبالتالي يمكن القول أن أكراد دمشق وبقية الداخل السوري مندمجون إلى حدّ كبير ضمن المجتمعات العربية، ولم يسبق أن طرحوا إشكالية الهوية القومية خارج ما يطرحه العرب.

في حين أن أكراد شمالي شرقي سوريا عانوا من التهميش ومنع الحقوق الثقافية، والحرمان من الجنسية، في ظل حكم البعث، والحكومات التي سبقته. وبالتالي ظلت الرغبة في الاستقلال أو في عودة الدولة الكردية مرافقة لهم، ولم يضيّعوا فرصة للمطالبة بها، وهو ما حصل في الانتفاضة الكردية 2004، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي استفاد من تهميش نظام البعث العراقي للأكراد، ليكونوا أدوات لأمريكا، حيث دعمت استقلالهم في إقليم كردستان؛ لكنها لم تدعم رغبتهم في الانفصال لاحقاً.

وبالمثل، لم تدعم أمريكا أو روسيا قوات البايادي في معركة الاحتفاظ بعفرين ضد التدخل التركي وما انضم تحت لوائه من قوات عربية. وبالتالي الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية جاء أيضاً في إطار تشغيل هذه الفصائل لخدمة النفوذ الأمريكي في مناطق شرق الفرات، حيث حقول النفط والقواعد العسكرية الأمريكية.

وقبل ذلك، في 2011، النظام نفسه استغل علاقته الجيدة مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وسمح لفرعه في سورية (البايادي) بقيادة صالح مسلم، بإقامة سلطة كردية في الشمال الشرقي، وذلك من أجل قمع الانتفاضة الكردية في عامودا، والتي كانت في سياق الانتفاضة السورية، ورفعت الأعلام الكردية إلى جانب العلم السوري، للتأكيد على الهويتين الكردية، والسورية (أي الوطنية)، وحملت شعارات التضامن مع مدنها، درعا وبانياس وحمص…، أي لم تكن تحمل شعارات انفصالية، أو حتى مطالبات بالفيدرالية، كما هي حال الخطابات الكردية مؤخراً.

عملية “غصن الزيتون” التركية، أزمت الوضع كثيراً، وأدت إلى انتكاسة حقيقية في الهوية الوطنية السورية للأكراد، ازدادت مع تكثيف الخطاب الإعلامي المدعوم من قوات البايادي ضد العرب، وما نتج عنه من خطاب عربي مضاد، وغالباً مترافق مع نفس إسلامي آت من تحريض يقوده أئمة مساجد تركيا الموالين لأردوغان. وبالمحصلة وصلت حدة التناحر العربي الكردي إلى أقصاها مع التدخلات الإقليمية والدولية، وتوافق تلك الدول مع تركية، رغم أن شرائح واسعة من المثقفين العرب يحاولون احتواء الموقف، واستيعاب حدة الخطاب الكردي.

العديد من النخب الليبرالية تطرح العودة إلى الهوية السورية “الوطنية” الجامعة لكل السوريين، وأن تبنى الدولة على أساس الديمقراطية والمواطنة، وفصل الدين عن الدولة، وأن يكون الدستور ملائماً لروح العصر، وللقيم الليبرالية السائدة لدى الغرب، أي احترام حقوق الإنسان، والحريات العامة والثقافية وحرية المعتقد.

لا مشكلة في هذه الطروحات، لكنها لا تكفي لتحقيق الاستقرار، ولا تؤسس لمشروع يقطع مع البنى التقليدية الاجتماعية المتخلفة. القطع معها يحتاج إلى أن تأخذ الدولة دورها في توفير الأمان الاجتماعي والاقتصادي لمواطنيها، وتأمين فرص عمل للجميع، وزيادة المكتسبات الاجتماعية للمواطن، الفرد. هذا يحتاج إلى صناعة متطورة ودعم الزراعة، ودعم البحث العلمي، ومجانية التعليم والرعاية الصحية، وعدم التخلي عن القضايا العربية ومنها القضية الفلسطينية. بالتأكيد تفتقد سوريا الآن، وكذلك بقية الدول العربية التي قامت بها ثورات، إلى قوىً سياسية تحمل تحقيق هذا الهمّ. وبالتالي ستشهد سوريا والمنطقة المزيد من حالة عدم الاستقرار، والمزيد من صعود الهويات المتقادمة، وتصارعها، خاصة في ظل الاحتلالات المتعددة، إلى حين تشكل تلك القوى.