يتجدّد النقاش تباعاً بموضوع الهوية في سورية، قبل الثورة والآن. الموضوع ذاته يتكرّر في البلدان غير المتطورة؛ بينما لا يُناقَشُ بكل هذه الحدّة في أوربا مثلاً، باستثناء موضوع هوية الوافدين إليها؟ السؤال هنا، لماذا يَحضر موضوع الهوية لدينا بينما يغيب في أوروبا؟ لن أناقش الموضوع في هذا المقال، ولكن طرح هذه المفارقة أساسي بسبب أن بلداننا وأوروبا تعيش في المرحلة التاريخية ذاتها.

تعددية فاسدة

المشكلة التي تُجدّد النقاش هي أنّه ليس من هويةٍ مهيمنة في مجتمعاتنا؛ فهناك الهوية القبلية والدينية والطائفية والقومية، وهناك من يُوسّع النقاش ليشمل هوية الفرد ذاته، فهي متعددة “بيولوجياً ونفسياً وفكرياً ودينياً وقومياً…” الإشكال هنا يكمن في اعتبار التعددية تماثل الشكل الطبيعي “التاريخي” لقضية الهوية، وأن كل محاولة لابتسار الهوية بالقومية المهيمنة مثلاً هي مصادرة على تعدّدية الهوية وإفقار لغنى الفرد أو المجتمع من ناحية الهوية.

إذاً هناك أطروحات متعددة تتناول قضيتنا، وهي قضية مطروحة عالمياً ومحلياً. سوريّا؛ هناك كلام كثير عن هوية ملتبسة، أي هناك هويات متعددة، وتبدأ مما تنتجه القبيلة والطائفة والدين والقومية والدولة، وكذلك مما يقوله تيار ثقافي ما بعد حداثي يُشيد بهويات فردية متمايزة بتمايز الأفراد وبما يفسد موضوع الهوية ذاته لتتعدد بتعدد الأفراد. لو تجاوزنا موضوع الهوية الفردية بنقاشنا، وذهبنا لما هو عام، فهناك الآن هويات متساكنة طوراً ومتضاربة طوراً أو”حربية” طوراً أخر؛ الحالة الأخيرة، تظهر في الحرب الدائرة، وفي النقاش “القاتل” للآخر، أي السني يجتث العلوي والعكس صحيح، وكذلك العربي ضد الكردي، وهكذا؛ هذا يوضح أن هناك تعدّدية هوياتية مُتشظية وملتبسة ومتداخلة للمجتمع السوري.

هوية الدولة المستبدة

هنا نتساءل، ما هي المشتركات بين السوريين وقد انفرط عقدهم السياسي المُقام بواسطة الدولة الأمنية قبل 2011، ولماذا لم تستطع الثورة والمعارضة تشكيل هوية جامعة للشعب، وبما يحدّد للأديان والطوائف بل وللقوميات مكاناً هامشياً، مقابل إعلاء الهوية الوطنية لكل الأفراد في سورية، وهل هذا ممكن من أصله؟

الدولة السورية الاستبدادية لم تستطع تشكيل هوية وطنية، بل الأدق إنّها لم تطرح على مهماتها هذه القضية، فهي دولة السلطة الحاكمة، وبالتالي أيّة هويّة سورية تشكلت تحت سيطرتها؟

هنا لا يمكن نقاش موضوع الهوية دون العودة لما قبل استقرار الدولة السورية في بداية السبعينات، وبداية تحكّم الأجهزة الأمنية بالدولة؛ سورية بلد تابع، وليس فيه تطور صناعي خارج المدن الرئيسية يدفع نحو تشكيل هوية قومية، ويساهم في تشكيل رابطة جديدة للأفراد، وبالتالي بقيت تتواجد في سورية، هويات متعددة، ولم تستطع الهوية القومية الهيمنة بشكل كامل، فأضيفت للهويات الماقبل حداثية هوية قومية وبشكل أقل “هوية وطنية”. هذا يوضح فساد الهوية في سورية، فهناك تعددية تشتتية للمجتمع.

هوية قومية قبل السبعينيات

إن سورية قبل السبعينات كانت تشهد نمواً مسيطراً للهوية القومية، وبشكل أقل الهوية الإسلامية والهوية الشيوعية وهويات إقليمية مرتبطة بالحزب القومي السوري. أقصد أن الهوية تعبر عن التطور المجتمعي وحدوده التاريخية، وكان التطور يستدعي القومية منها بالتحديد؛ إن وجود اللغة والعادات والثقافة لم يفرض تشكيل هوية جامعة وحداثية، وتهميش بقية الهويات. الهوية القومية البازغة اختلطت بالهوية الإسلامية مع خروج سورية من مظلة الدولة العثمانية، وهذا بسبب أن الهوية الدينية تناسب المجتمع الزراعي والقروسطي خاصة، وهي تعتمد على تعاليم مقدسة ترسم للمجتمع رؤيته بشكل فوقي. بتقدم المجتمع، ظهرت الضرورة لهوية قومية تُعلي من شأن الفرد والعقل والشعب، وتحدّد للدين والقبيلة والعائلة مجالاً خاصاً، أي هوية فرعية. الإشكالية هنا، لماذا لم تستطع الهوية القومية أن تصبح هي هوية المجتمع الأساسية، رغم أن الفكرة القومية “هيمنت” في كل الدول العربية وتشكّل لها أنصار وأحزاب، بل وتشكل وعي شعبي يُعرّف ذاته في كثير من المسائل قومياً.

حتى السبعينات كانت الهوية المهيمنة هي القومية، وهي ذاتها في أغلبية الدول العربية، وإن كان شكل طرح القومية مختلف من هذه الدولة إلى تلك. سورية والعراق وليبيا ومصر والجزائر وكذلك السعودية والمغرب مثلاً؛ نقول  إن جميع هذه الدول عَرّفت نفسها قومياً، الفارق في سورية أن الدولة تبنت الأيديولوجيا القومية، كما حال مصر والعراق وليبيا خاصة. الإشكالية هنا أن سورية كما في هذه الدول أصبحت القومية فيها أيديولوجيا رسمية، وهمشت من المجتمع، وبمقدار ما تضخمت الدولة الأمنية بمقدار ما ضعفت الرابطة القومية، وراحت تحلّ مكانها الهوية الدينية والقبلية والطائفية والفردية. السؤال لماذا لم تتجذّر الهوية مجتمعياً رغم أن النظام يطرحها، ورغماً عن طبيعته الاستبدادية كحال الصين مثلاً؛ إذا الهوية الحداثية القومية لم تستطع نفي القديمة، ولكن أيضاً لم تستطع الهويات الفرعية، وليس بمقدورها أن تشكل هوية لكلية المجتمع الحديث، فالهوية القبلية أو الدينية هي هويات قديمة، وتناسب المجتمعات البشرية في مراحل سابقة عن الدولة الحديثة، والأخيرة تُعرّف عادة كدولة قومية أو دولة عدة قوميات، وكذلك لم يعد ممكناً للدين أن يشكل هوية واحدة لقوميات متعددة كما الحال حينما تشكلت دولة عربية إسلامية في العصور الوسيطة!

هوية ما بعد السبعينات

أين المشكلة إذاً؟ فالدولة السورية ومنذ السبعينات شكّلت هويات فرعية، وأعادت إنتاجها، وهمشت الهوية القومية.

الهوية العامة للمجتمع تتشكّل عبر صيرورة تاريخية، وبما يعكس التطور المجتمعي، وبالتالي غياب الهوية الجمعية للشعب يصبح مفهوماً في الدول المستبدة ومنها دولتنا السورية، حيث لا يمكن التكلّم عن دولةٍ وطنية، فهي مستبدة وتخص الحاكم. القومية في الدولة المستبدة المخلفة والتابعة أصبحت أيديولوجيا للنظام وللدولة، أي أصبحت علاقة تكاذب مع المجتمع وبين الأفراد؛ فالسلطة والدولة عامة، وفي الوقت الذي تدعي القومية، أعادت إنتاج المجتمع وفقاً للهويات الدينية، وتمّ كل ذلك بواسطة الأجهزة الأمنية والنظام السياسي الحاكم، ووفقاً للقرب من مراكز السلطة، وبالتالي لم تكن الهوية القومية المرجعية، ولكن أيضاً لم تصبح الهوية الماقبل الحداثية طاغية، وهذا غير ممكن من أصله، فالهوية الدينية تمييزية وانقسامية للمجتمع، أي لا يمكنها أن تكون هوية جامعة إلا عبر الطغيان، وهذا غير ممكن في المجتمع الحديث، وإن كان ممكناً في العصور الوسطى القائمة بأغليتها على التمييز الديني.

الهوية ما بعد ثورة 2011

إذاً، النظام فتّت الهوية القومية والقطرية وأعاد إنتاج الهويات الماقبل الحداثية، ولكن الأخيرة ليست مهيمنة، وبالتالي هناك تعدّد هوياتي مُقسِم للمجتمع. بتفجر الثورة 2011، مالت أغلبية المدن الثائرة إلى تشكيل هوية وطنية، وطرحت “لا سلفية ولا إخوان” أي تريد تشكيل هوية تتجاوز أزمة الثمانينات (التي أخذت شكلاً طائفياً)، وأن لا أسباب تاريخية أو ثأرية أو دينية للثورة، وأنها تنتمي لقضايا مجتمعية مختلفة، أي كان الهدف تشكيل هوية جامعة للسوريين، ولكن ما هي هذه الهوية؟ هنا لم تستطع الثورة وعبر شعاراتها طرح تصوّر محدّد للهوية، سيما أن المناخ العربي العام مضاد للهوية القومية؛ إن الثورة برزت بمناخ يُعلي من شأن الهويات الماقبل الحداثية. الإشكالية تعقدت هنا، فالنظام والثورة لم يمتلكا هوية جامعة للسوريين.

لا بد من التمييز بين المعارضة والثورة؛ فالثورة لم تطرح هوية وطنية لكل السوريين، وإن كانت واعية لطبيعة السلطة ولأزمة الثمانينيات، وراغبة بإعادة تشكيل المجتمع وطنياً. لكن هناك فارق كبير بين الرغبات، وبين الرؤية المدروسة لقضية الهوية ولكل أهداف الثورة وللرؤية الاستراتيجية لها. المعارضة بدورها، والتي كانت نشاطاتها تتحرك في إطار رد الفعل، أي تريد السلطة بديلاً عن السلطة القائمة، ولهذا التبست كل شعاراتها وأهدافها، ووصلت بمواقفها للارتهان للدول الخارجية، ولدفع الثورة نحو خيارات الهويات التي شكلتها السلطة من قبل. نستخلص هنا أن السلطة توافقت مع المعارضة في دفع الثورة نحو هويات ما قبل حداثية. نعم تلاقت السلطة والمعارضة في تطييف المجتمع ومحاولة إعادته للقبلية والدين والطائفية والاثنية، وكذلك نحو الهوية القومية، ولا سيما بما يخص الأكراد المسيسين قومياً بسبب صراعهم مع السلطة “القومية”، وبسبب غياب حقوقهم الاجتماعية الأوليّة.

أخطاء في نقاش الهوية

من أكبر الأخطاء في نقاش الهوية الاكتفاء بالمستوى السياسي، أي وفقاً لمنظور الدولة أو المعارضة لها، وكذلك من خلال تسكينها بلحظةٍ تاريخيّة محدّدة، أو النظر إليها من خلال واقع الحرب، كما واقعنا السوري منذ 2013 بشكل أساسي، وطبعاً من الخطأ تجاهل تأثير واقع الحرب واستخدام التطييف فيها، وتحولها كما يرى البعض إلى حربٍ طائفية. قلت ذلك، لأعيد تشكيل فكرتي السابقة، فالثورة غير المعارضة ومتناقضة مع السلطة. الثورة هذه لم تنطلق فقط لتشكل هوية وطنية، رغم الالتباس بذلك، وكذلك لا يمكن بنهاية الحرب الاكتفاء بما تشكلت عليه الهوية خلالها، أي لا بد من إعادة طرح الهوية مجتمعياً مجدداً، والانتقال نحو هوية وطنية مهيمنة.

من أهداف الثورة الانتقال بسورية إلى حالٍ أفضل للجميع، أي هناك عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تؤكد ضرورة هوية جامعة للسوريين. الفكرة هنا: طُرحت سورية كهوية نهائية قبل الثورة، ولكن لم يتم التوافق على ذلك، وطرحت أثناء الثورة وأيضاً لم يتحقق ذلك. وعكس ذلك تمّ دفع الأوضاع لإعادة إنتاج الهويات الماقبل الحداثية ولكنها لا يمكن أن تكون هوية عامة للشعب ولا أن تتشكل الدولة وفقها، وبالتالي هل يمكن أن تتشكل هوية وطنية وتكون مهيمنة ونهائية لسورية؟

قصدت من فكرتي السابقة، أن الوطنية لم تستطع أن تكون هوية كل السوريين، ونافستها كما ذكرت الهويات ما قبل الحداثية وهويات ما فوق قطرية كالقومية والدينية، وبالتالي سكان سورية مفتتون بهويات متعددة، وهذا سيشكل عائقاً أمام تشكيل الدولة بالمعنى الحديث. وربما تدفع هذه الهويات نحو تشكيل دولة تتوافق مع بروز هذه الهويات، كما حال العراق وربما لبنان، أي دولة طائفية أو دينية وربما عشائرية كحال الخليج مثلاً، وهي وصفة الحرب الأهلية والطائفية المستمرة، أي صراع هوياتي قادم.

دول الخليج شُكلت بسياق الهيمنة الاستعمارية، وكذلك حدود سورية والعراق وسواها، وفشلت الدولة المستبدة في تشكيل هويتها الوطنية، أو تخطي الهوية الكولونيالية. هوية الدولة المستبدة أنّها تعبر عن سلطة مافياوية ناهبة للمجتمع ومفتتة لكل تقدم حقيقي فيه، ودافعة له نحو هويات ما قبل حداثية؟

دولة ما بعد السبعينيات، كانت سبباً مركزياً في تراجع الهوية القومية في الدولة الوطنية، وهذا تحقق في كل الدول العربية باختلاف أنظمة “تقدمية، ملكية.” والآن أية هويةٍ قادرةٍ على تحقيق توافق مجتمعي، في إطار الدولة الوطنية والتي شكلتها الدول الاستعمارية قبل الخمسينيات، وثبتتها الدولة العربية المستبدة ومنها سورية ولا سيما بعد السبعينيات؟ ربما سيكون الجواب التلقائي والصحيح هنا، إنّها الهوية المبنية على المواطنة وشرعة حقوق الإنسان والقومية ودولة الأمة، وهذا صحيح، ولكن كل النقاش أعلاه، ليوضح العقبات التي تمنع تحقّق ذلك.