تنتشر اليوم العديد من الشركات التي تعتمد التسويق الهرمي في عملها، فما هي هذه الشركات وهل هي جديدة على السوق؟ وما مدى قانونيتها؟ هل تعتبر الاتهامات التي تطالها بأنها شركات نصب واحتيال صحيحة أم زائفة؟

يقوم مبدأ هذه الشركات على بيع مجموعة من المنتجات عبر اعتبار الزبون شريكاً في الشركة، حيث يشتري المنتج ويعمل أيضا على تسويقه؛ فالزبون بهذه الحالة هو فرد من فريق تحت اسم الشخص الذي أدخله على الشركة وبدوره يعمل الزبون لإنشاء فريقه الخاص ليكونوا تحت اسمه. وهكذا يتشكل هرم الشركة وتتوسع بنفس الطريقة، وكلما كان عدد المندرجين ضمن فريقك أو تحت اسمك كبيراً كلما ازدادت نسبة الأرباح.

يشرح لنا رائد (حلاق، 33 عاماً، وهو أحد المنتسبين لإحدى الشركات) كيفية قبول الشخص وطريقة العمل، فيقول: “إن مبدأ الشركة بسيط وواضح، أولاً لا بد للزبون الجديد من معرفة آلية العمل في الشركة والمنتجات التي تبيعها، حيث تُقام بشكل مستمر اجتماعات وندوات لتوضيح ماهية العمل، وبعد أن يقتنع بالفكرة يقوم بتحديد ما يريد شراءه من منتجات وبفتح حساب لدى الشركة ومن ثم وجب عليه أن يسوق المنتجات ويوسع دائرة العمل ويشكل فريقه الخاص حتى يحصل على نسبة من الأرباح. ويعتمد العمل بالدرجة الأولى على التسويق الالكتروني عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الشركة، وأيضاً عبر التسويق المباشر في دائرة معارف الشخص وأصدقائه أو زملاء عمله. وهذا النوع من الأعمال لا يتطلب جهداً ولا وقتاً ولا مواصفات خاصة، ويحقق أرباحاً جيدة بأقل قدر ممكن من التكاليف والتعب حتى أنه لا يعيق عن ممارسة أي وظيفة أو عمل آخر، فكل شرائح المجتمع يمكنها العمل معنا.” ويتابع قوله: “شركتنا لها فروع في الكثير من البلدان العربية والأجنبية ففكرة العمل تتعدى الحدود والدول ويمكن أن يتم تسويق المنتجات بأي بلد كان، عدا عن أن للشركة سجلات نظامية وتراخيص قانونية (لم يتسن لنا التحقق منها) وتعتمد على المصداقية في العمل والعدل في توزيع الأرباح، فكلما كان الجهد أكبر كانت النتائج أفضل”.

بالرغم من وجود مثل هذه الشركات في أغلب مدن سوريا إلا أنها تواجه حملة من الانتقادات تتهمها بأنها شركات للنصب والاحتيال تستغل جهل الناس وفقرهم لتوقع بهم وتطالب بإغلاقها ومحاسبة المسؤولين عنها.

بداية لا تعتبر الشركات الموجودة حالياً جديدة على الساحة السورية، فقد انتشرت الفكرة منذ بداية الألفية الجديدة تحت أسماء ونماذج مختلفة وإن اختلفت في بعض التفاصيل إلا أن مبدأ التسويق هو ذاته. ويجمع أغلبية من خبرها أو تورط بها بأن كل ما يمت للتسويق الهرمي يعتبر نصباً واحتيالاً دون شك من أيام الدولار الصاروخي بـ2003 حتى شركة الفينكس اليوم.

ويخبرنا أحد ضحايا هذه الشركات عن تجربته، فيقول عمر (خياط، 56 عاماً):  “تعرفت على إحدى الشركات من خلال أحد أقاربي حيث دعاني لحضور لقاء مع أحد المسؤولين في العمل للتوسع في شرح فكرة العمل والإجابة عن بعض الأسئلة. بدا المكان مرتباً وأنيقاً وكان الأثاث الفخم والموقع المميز وسط السوق يوحي بأن الشركة كبيرة وأرباحها عالية. كنا قرابة 10 أشخاص اجتمعنا مع أحد أعضائها  الذي بدا واثقاً من نفسه كثيراً. وقد أوهمنا بأسلوب جذاب ومخادع أننا سنصبح أثرياء خلال فترة قصيرة، وقام بعرض قصص وصور لأشخاص حققوا نجاحات كبيرة. كان كلامه مقنعاً حقاً وخصوصاً بعد أن عرفنا بأن الشركة مرخصة وتعمل وفق القانون وأن لها فروعاً في أكثر من بلد. وبالفعل فقد وافقت على الانضمام والعمل معهم وكان علي أن أدفع مبلغاً ما بين 100 إلى 1000 دولار حسب ما أريد شراءه من المنتجات التي يسوقونها. وبالطبع كلما كان المبلغ أكبر كلما كانت فرصة الربح أكثر. هذا ما بدا لنا في البداية دون أن ننتبه أنه فخ وعملية احتيال، فالبضاعة التي اشتريتها كانت من النوع الرديء جدا (ثياب، ساعات يد، أدوات تجميل) وكان سعرها الحقيقي في السوق أقل بما لا يقارن مع أسعار الشركة. الأمر الذي يجعل من تسويقها أمراً مستحيلاً، لذا يلجأ المسوقون أو من تورطوا في مثل هذه الأعمال إلى اختراع أي طريقة لتعويض خسائرهم كأن يورطوا أشخاصاً جدداً بالعمل أو يضيفوا قيماً كاذبة للبضاعة مثل الساعة التي تجلب الحظ أو قرص الطاقة العجيب المصنوع من مواد ثمينة وغيرها من الخرافات التي لا ينتبه لها عادة من يتورط بالدخول معهم، لأن هوس الربح والغنى السريع يكون قد أعمى بصره بالكامل.”

وفي محاولة لفهم الأبعاد القانونية والنفسية لمثل هذا النوع من الأعمال، وضح لنا نادر (37 عاماً، محامي) بعض النقاط حول ذلك قائلاً: “التسويق الهرمي ممنوع في أغلب الدول المتحضرة، فالربح مبني أساساً على خسارة الآخرين الذين غالباً ما يشكلون القاعدة العريضة لهذه الشركات، وبالتالي تنحصر الاستفادة برأس الهرم فقط، ولأنها ممنوعة ومحاربة قانونياً تلجأ هذه الشركات إلى التحايل على القانون لتغطية نشاطاتها وحقيقتها وتتوسع وتنتشر في الدول الفقيرة مستغلة الأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة والفقر وحاجة الناس الملحة للعمل لتتصيد زبائنها. وهذا الوضع بالضبط ما جعلها تنتشر في سوريا تحت مسميات وأشكال مختلفة وخصوصاً في السنوات الأخيرة بالتزامن مع انهيار الاقتصاد وازدياد الفقر بين السوريين.” ويتابع نادر موضحاً أن: “الجهل وشدة الحاجة من أهم الأسباب التي تجعل الشخص يتورط في مثل هذه الأعمال، بالإضافة أن هذه الشركات تستخدم أساليب مدروسة في التسويق والإقناع تشتت ذهن الزبون وتحصر تفكيره بكيف سيصبح غنياً بين ليلة وضحاها، فالشخص المتورط في العمل سيسوّق للفكرة سواء من باب الاقتناع بها والسعي للربح أو لمحاولة إنقاذ نفسه بتوريط غيره ليخفف من عبء الصدمة والخسارة وإعطائها بعض المبررات بتحويلها إلى حالة مشتركة مع مجموعة بحيث يبرر الشخص لنفسه بأنه ليس وحده من تعرض للنصب إنما كثيرون غيره قد وقعوا بنفس الفخ، وهي آلية دفاعية نفسية يلجا إليها الشخص عندما يتعرض لمثل تلك الهزات العنيفة في تقييمه لنفسه بإعطائها بُعداً اجتماعياً وليس شخصياً، وهو تماماً ما تدركه هذه الشركات وتستغله لصالحها لزيادة دائرة المتورطين معها.” ويضيف نادر: “لا توجد في القانون السوري مادة واضحة تمنع أو تُجرم مثل هذه الشركات، وخصوصاً أنها تعتمد على حجج قانونية لعملها و تمارس تسويق البضائع علناً، وبموافقة وإقرار الزبون حيث العقد هو شريعة المتعاقدين كما يبرر أصحابها أو المدافعون عنها وأن لا أحد قد يجبر شخصاً على شراء شيء لا يريده.”

إذاً فهذه الشركات لا تهتم بتسويق المنتج بل بتسويق الفكرة وزيادة انتشارها وتبيع الناس أحلاماً وأوهاماً كاذبة، ومن بين الأساليب التي تستخدمها أيضاً هو ايهام الزبائن بخرافات العلوم الزائفة كالبرمجة اللغوية العصبية وقانون الجذب وغيرها وبأنها طرق ناجحة لإقناع الأشخاص بالانضمام للعمل. وحسب ادعاءاتهم فإن هذه العلوم الزائفة تجلب الحظ الجيد وتجعل نجاحك مضموناً إذا اتبعتها. ونتيجة لذلك تقوم هذه الشركات بإقامة دورات لتعليم هذه الخرافات وإعطائها هالة كبيرة باستقدام مدربين من دول أجنبية أو عربية وبذلك يتم استكمال فصول النصب والاحتيال على الزبائن وسلبهم أموالهم.

للأسف رغم افتضاح أمر التسويق الهرمي بشكل واسع وعلى مدى سنوات طويلة أيضاً، إلا أن السوريين ما يزالون يقعون في فخها إلى اليوم، ربما هو بحث دون وعي عن أي حل أو أي أمل يخرجهم من قسوة واقعهم حتى لو كانت وعوداً مستحيلة وأوهاماً كاذبة.