لا ينفصل واقع التعليم عن الحُطام السوريّ العام، ولكنه الأعظم خطراً والأكثر دواماً في آثار الحرب المُدمّرة فالحرب ستنتهي عاجلا أم آجلاً، لكن آثارها ونتائجها الكارثية ستظهر لعقود قادمة كما يحصل دوماً في كل الحروب التي تمزق المجتمع والدولة.

تبدو صورة الأطفال السوريين في بعض المدارس قاسية، التفاوت بين مستوى المعيشة الذي فرضه النزاع السوري واضح بين نازح أو “وافد” وبين ابن المنطقة نفسها. لم تعد الصورة موحدة للطلاب السوريين  فلكل منهم منهاجه ولكل منهم لباسه ولكل منهم بيئته ولغته الخاصة، فالأطفال النازحون المنقطعون عن المرحلة التعليمية كان لهم منهاجهم الخاص الذي فرضته وزارة التربية السورية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة التي تُعنى في شأن الطفولة العالمية “اليونيسيف” وجمعيات أهلية وهو ما يسمى برنامج التعليم الذاتي “الفئة ب” ضمن حملة هدفها إعادة الأطفال الأُميين والمُتسربين، الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و15 سنة، إلى مقاعد الدراسة. يعتمد المنهاج “ب”على تكثيف منهاج سنة دراسية كاملة بفصل دراسي واحد، حيث يتم اختيار المعلومات الأساسية التي يجب على التلميذ تعلّمها ليتمكّن من متابعة دراسته، ويخضع بعدها لامتحانات نهائية ليلتحق ببرنامج “الفئة أ” الموجود أساساً.

و في المدارس حيث يجتمع أبناء المنطقة الواحدة كما اعتاد السوريون فقد اختلف الوضع تماماً بعد الحرب حيث ضاعت الهوية السورية بعد أن جمعهم اللباس الواحد والمناهج الواحدة، وأصبح لكل منهم منهاجه ولباسه ولهجته الخاصة. لو أخذنا عينة من أطفال سورية، في مدينة طرطوس على سبيل المثال، تلك المدينة الهادئة التي ظلت بعيدة عن أجواء الصراع الدائر في سورية اكتظت بعدد كبير من النازحين من حلب ودير الزور وغيرها من المحافظات السورية التي تعاني ويلات الحرب، والتحق أطفالهم بمدارس المدينة وهنا غابت الشعارات عن اللُحمة الوطنية والتآخي والتعايش، فلا شيء جمعهم سوى المكان الذي فُرض عليهم أن يكونوا فيه.

تقول إحدى المعلمات: “قبل الأزمة كان يمكن القول إن عدد الطلاب مقبول لكن اليوم وبعد الأعداد الكبيرة التي أتت إلى هذه المحافظة أصبح هناك اكتظاظ سكاني خطير  في المحافظة وعدد طلاب كبير يفوق 70 إلى 60 طالباً في الصف الواحد مما يؤثر على مستوى الفهم والإدراك والمعلومات التي يمكن إيصالها للطلاب.”

وأضافت “إن وجود الأطفال الوافدين الفقراء مع الأطفال أولاد البيئة والذين تتوفر لهم ظروفٌ جيدة نوعاً،  زاد الوضع سوءاً للطرفين، فالطفل الفقير المُعدم الذي لا تتوفر له أدنى مقومات الحياة ويعيش في خيمة لا تستر أكثر مما تكشف كيف له أن يتماشى مع أطفال أفضل منه دراسياً واجتماعياً وبيئياً.”

وأشارت المعلمة إلى نقطة اعتبرتها مهمة جداً  ألا وهي نشاطات اليونسيف أو منظمة الهلال الأحمر المخصصة لهؤلاء الطلاب والتي تكون عبارة عن  درس رياضة وتقديم هدايا لهم وغالباً ما تكون عبارة عن جوارب، مشيرةً إلى أن مجرد خروجهم من الصف لوحدهم وتقديم هذه النشاطات لهم دون الأطفال الآخرين يبين للعلن أنهم وافدون منبوذون. وبحسب المعلمة فإنّ هؤلاء بحاجة إلى مدارس خاصة لمحو أميتهم ومساعدتهم نفسياً واجتماعياً للانخراط في هذه البيئة. وأردفت قائلة لا نستغرب أن يصبحوا خلية ناقمة على الدولة في الأيام القادمة لأنهم يعيشون في  تشرد وفقر وبعد الدوام أغلبهم مضطر للعمل في أماكن لا تناسب أعمارهم.

الأكاديمي السوري خلدون النبواني يقول: “الإحصائيات تشير إلى أرقام مرعبة بالنسبة لعدد الأطفال المحرومين من حقهم في التعليم سواءً من النازحين داخلياً في سوريا أو اللاجئين في دول الجوار والعديد من دول العالم، ولا يتوقف الأمر على حرمانهم من التعليم وإنما يتداعى في آثار الانحرافات الأخلاقية والسلوكية التي يعيشها من وجد نفسه منهم يقفز فجأة من طفل في مدرسة إلى عوالم الجريمة والقتل والسرقة والتسوّل”. وفيما يخص الآثار المترتبة على هذا الجيل أوضح النبواني أنه قد يتجلى ذلك في الآثار النفسية التي سرقت الأطفال من نومهم ليصحوا على أصوت الطائرات الهادرة والبراميل المتفجرة وأصوات الرصاص والسيوف والحقد ويشهدوا بأم أعينهم دمار بيوتهم وقتل أهاليهم وأقربائهم ورحيلهم المفاجئ عن بيوتهم.

وتأكيداً على ما ذكرناه بالنسبة للأطفال الذين نزحوا داخلياً في سوريا وانضموا إلى مدارس سورية أُخرى أفاد النبواني: “قد لا يكون انتقال التلميذ من مجتمعٍ ضيق لآخر عاملاً سلبياً بالضرورة بما يتضمن ذلك تغيير البيئة والرفاق والمدرسين واللهجة، بل على العكس كان يمكن أن يكون عامل غنى وثراء وتجربة جديدة لولا أن المجتمع السوريّ الآن يتغذى بالحقد وكراهية الآخر، أي كراهية السوري الآخر.”

معظم التلاميذ ولدوا في أتون الحرب أو ابتدأ وعيهم يتفتح في جحيمها وبالتالي تكون تجربة الانتقال هنا تجربة مليئة بالمصاعب النفسية القاسية جداً على الطفل.

وبحسب النبواني الطفل هنا لا ينتقل إلى وسط آخر سويّ قد يندمج معه بسرعة وإنما هو سيسمع ويرى أنه الغريب غير المرغوب فيه في المكان الجديد الذي اضطر إلى النزوح إليه مع ما تبقى من عائلته. سيواجه هذا الطفل دون شك بعدوانية “صاحب المكان” الذي سيفرض عليه قوانينه ويستهزأ باختلافه المتمثل خاصة في اللهجة ومكان السكن.

وعند الحديث مع أخصائي في علم الاجتماع في جامعة دمشق فضل عدم الكشف عن اسمه فإنّ واقع تعليم الأطفال في سورية وأثره على البلد مؤلم جداً ولا يمكن الحديث عنه بحسب تعبيره. كان الأجدى ان نسلط الضوء على هذه الكارثة الإنسانية التي ستحل بسورية فقبل بناء الحجر وجب بناء الإنسان وبحسب اليونسيف 45% من أطفال سورية خارج نطاق التعليم، جيل بأكمله أميّ لا يعلم شيئاً كيف له أن ينهض ببلد مدمر كلياً.

وبحسب تصريح صحفي لوزير التربية السوري هزوان الوز فإنّ: “الأضرار التي لحقت بالقطاع التربوي خلال سنوات الحرب  كانت حوالي /8000/ مدرسة منها /1000/ مدرسة تحتاج إلى هدم وإعادة بناء إلى جانب تدمير العديد من الآليات والوسائل والتجهيزات التعليمية، وتحويل بعض المدارس إلى مراكز إيواء للمهجرين.”

و لم يتسن لنا معرفة النسب الحقيقية للمدارس المدمرة وعدد الأطفال خارج نطاق التعليم لرفض مصدر في وزارة التربية السورية التصريح عن ذلك، وكذلك المكتب المركزي للإحصاء في دمشق كانت إجابته أن ليس لديه معلومات حول ذلك. يبقى التعليم في سوريا القطاع الذي يفتقر أكثر إلى التمويل، على الرغم من الجهود المبذولة لتوفير دراسة غير منقطعة للأطفال السوريين، وكل هذا لا يمكن أن يشفى منه هذا الجيل الذي شهد الكارثة. سيدوم أثر ذلك طويلاً كندبة في الروح إن لم يتم إيجاد حلول ناجعة في المتابعة النفسية والتربوية، وغير ذلك سنلاحظ آثار الدمار في نفوس الأطفال وما يترتب عليها من عواقب قد يكون هذا الجيل نافذة مضيئة للمستقبل اذا استدركت الحكومة السورية معالجته وتعليمه أوقد يكون نقمة وحجر عثرة في وجها.