تغيرت حياة أبو عمر (٣٩عاما) من مدينة كفرنبل وانقلبت إلى أحسن حال بعد عثوره على أحد الكنوز الأثرية القريبة من مدينته، وذلك أثناء قيامه بالتنقيب عن الآثار في منطقة سرجيلا الأثرية،فبعد أن كان أبو عمر يعمل في تصليح الدراجات النارية، أصبح اليوم يمتلك الأراضي والعقارات. عن تجربته يقول أبو عمر: “تركت عملي في تصليح الدراجات بعد أن أصبح دخله لا يسمن ولايغني من جوع في ظل الغلاء الفاحش، و أصبحت أعمل في مهنة التنقيب عن الآثار، وقد شجعني على هذا العمل، عثور بعض أقاربي على تحف أثرية قيمة.“

واستغل تجار الحروب ما تمرّ به البلاد من خرابٍ وفوضى فضلا ًعن غياب الرادع الأمني، لتغدو المواقع الأثرية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وخصوصا في إدلب وريفها، مسرحاً للتنقيب العشوائي غير المشروع. ونشطت حركة التنقيب والتجارة في مجال الآثار عقب خروج مدينة إدلب عن سيطرة القوات الحكوميةمنذ آذار/مارس ٢٠١٥، حيث شرع المئات في عمليات الحفر العشوائية بحثاً عن قطعٍ نادرةٍ ضمتها تربة المحافظة والتي شهدت نهضة حضارية خلال العصور الكلاسيكية (لاسيما خلال الفترة الرومانية والبيزنطية) والإسلامية.

إن عملية البحث عن الآثار ليست بالأمر السهل، وإن حالف الحظ أبو عمر أحد بالعثور على لقىً ثمينة غيرت حياته، إلا أنه يوجد في المقابل العديد ممن يبحثون عن الآثار منذ مدة ولم يجدوا شيئاً حتى الآن. كحال الشاب حسام (٢٠عاماً) من بلدة حيش، والذي عانى من البطالة بعدما اضطر لترك دراسته في الجامعة بسبب الأوضاع الأمنية، فراح ينقب عن الآثار، منذ شهور يصعد التلال ويجوب الوديان عله يوفق بالعثور على لقىً أثرية تمكنه من تأمين متطلبات الزواج على حد قوله. الأستاذ خالد السيد (٣٥عاما) خريج قسم الآثار ينتقد التنقيب عن الآثار بشدة قائلاً: “لم يترك لصوص الآثار في المحافظة وريفها زاويةً إلا ونقبوا فيها بحثاً عن القطع الأثرية، مستخدمين أجهزة كشف متطورة، فهم يتسابقون ويتصارعون على سلب تاريخ سوريا من أجل ملء جيوبهم.”

وعن أسعار بعض القطع الأثرية يحدثنا تاجر الآثار أحمد (٤٥عاما) من معرة النعمان قائلاً: “يتراوح سعر التماثيل الأثرية النادرة بين عشرة آلاف ومئة ألف دولار، أما أسعار العملات الرومانية فتتجاوز الألف دولار للقطعة الواحدة.“ ويقول أحد التجار بأنه باع إحدى القطع بمئة ألف دولار كونها نادرة جداً مشيراً إلى أن طريق التهريب كان يمر بلبنان، ولكن في الآونة الأخيرة شهد هذا الطريق تشديداً كبيراً، ما جعل الكثيرين يفضلون التهريب إلى تركيا، متجاوزين التدقيق العالي على المعابر.

هذا وقد طالت الآثار المدمرة للحرب في سوريا، الإرث الحضاري والتاريخي من متاحف وقلاع وتلال وأسواق ومدن منسية، إذ تعرضت الكثير من المواقع الأثرية للقصف العنيف والمتواصل من قبل الطيران الحربي التابع للنظام السوري وحلفائه، الأمر الذي أدى لهدم تلك العديد من المباني كلياً أو جزئياً وطمس معالمها الأثرية. محمد السعيد (٤٠ عاماً) من سكان قرية البارة الأثرية يتحدث بحزن عن قريته التي انقلبت بشكلٍ جذري عما كانت عليه سابقاً، وللبارة رصيد أثري يعود إلى العهود الرومانية والبيزنطية القديمة ومن بعدها العربية. يقول السعيد بغصة: “دمر القصف ما دمره من المباني الأثرية، أما ما بقي منها فقد شوه معالمه النازحون، حيث قصدت القرية عشرات العائلات النازحة وأسسوا فيها مسكناً لهم، وقاموا بتكسير حجارة تلك المباني وبنوا فيها حظائر للماشية من الجدران الإسمنتية.” كما أن جزءاً كبيراً من تلك المباني دُمّر إثر عمليات تجريب السلاح من قبل عناصر تابعة لفصائل عسكرية بحسب السعيد، فباتت الجدران القديمة مسرحا للتأكد من مدى صلاحية السلاح والذخيرة وفاعليتها، بعد ما كانت تلك المواقع سابقاً تحظى بأهمية كبيرة لدى السائحين الذين يتوافدون إليها من كل حدبٍ وصوبٍ. وتشكل آثار محافظة إدلب ثلث آثار سوريا حيث يبلغ عدد مواقعها الأثرية أكثر من ٧٦٠ موقعاً.

ونتيجة لهذه الفوضى العارمة والانتهاكات بحق الآثار، ظهر في إدلب نشطاء ومتطوعون أخذو على عاتقهم حماية مابقي من الآثار والحفاظ عليها، فبادروا بتأسيس مركز آثار إدلب. وحول الهدف من المركز وعمله تحدّث مؤسس المركز ومديره المختص بعلم الآثار الأستاذ أيمن النابو ( ٣عاماً) قائلاً: “تم تشكيل مركز آثار ادلب في النصف الثاني من عام ٢٠١٢ من أجل حماية آثار محافظة إدلب، من قبل عدد ٍمن الأكاديميين والمختصين في علم الآثار. وكان يقتصر العمل بدايةً على موضوع توثيق الانتهاكات ومن ثم تطور في السنوات الأخيرة ليشمل حماية القطع الأثرية التي تم جمعها من مناطق مختلفة والتي يبلغ عددها مايقارب الألفي قطعة أثرية، حيث يتم تغليف القطع بمادة (تايفك) التي تحميها من العوامل الجوية، بالإضافة لمادة الأكياس الفقاعية التي تحميها من الاصطدام والكسر نتيجة ظروف الحرب التي نعيشها.” كما أكد النابو أنه يتم أيضاً حماية اللوحات الفسيفسائية وترميم ما تعرض منها للأذى، ويختتم حديثه بأن المركز يسعى إلى توسيع النطاق الجغرافي لعمله ليمتد إلى ريف حلب وريف حماه الشمالي ريثما يتم إنشاء مراكز خاصة في كل محافظة. ويأمل العاملون في مجال الآثار توفر مناخ مناسب يسمح لهم بتقييم الأضرار وتوثيقها وترميم آثار هذا البلد العريقة والتي تعرضت لأضرارٍ جسيمة خلال سنوات الصراع.