قد يظن بعضهم أن الأفكار الجديدة تولد في عقل المفكر بصورة مفاجئة وعلى نحو تلقائي. وليس من شأن ظن كهذا إلا حرمان القارئ المشاركة في المتعة الناجمة عن ملاحظة حركة الذهن -وهو يبني المفهوم أو الفكرة- ابتداءً من لحظة الاهتمام الأولى وحتى لحظة الولادة، معبرًا فيها عن المفهوم أو الفكرة في إطار لغوي قابل للفهم والنقد.

ولم يكن لمفهوم (الجامعة السورية) إلا أن يكون ثمرة لمسار طويل من انخراط الذهن في تأمل عميق ومؤلم لمجريات الثورة السورية، إخفاقًا ونجاحًا. وبما أنه من المتعذر على الخبرة الحية أن تصبح قابلة للفهم والتمثل إلا بالتعبير عنها من خلال (إطار منطقي)، فإن مفهوم (الجامعة السورية) قد مر في أربع مراحل مترابطة ومتكاملة، قد ضمها حدس واحد أو رؤية أيديولوجية شاملة. ومن شأن العرض الآتي أن يكشفها خطوة خطوة.

أولًا: الخصائص النوعية للثورة السورية

الثورة السورية، التي اندلعت في الخامس عشر من آذار/ مارس عام  2011، ثورة أصيلة توافرت لها جملة الشروط التي جعلتها تتخذ صورة انتفاضة شعبية على النظام السياسي السوري المستبد والفاقد لصور الشرعية كلها؛ السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وما كان لها أن تكون كذلك إلا تكيفًا مع نجاح هذا النظام في تحويل ملايين السوريين إلى جزر منفردة، يعْسر على الجميع التواصل مع الجميع بسبب السطوة الوحشية لأجهزة الأمن، فتحول كل فرد سوري نتيجة ذلك إلى حبيس ذاته. يضاف إلى ذلك تلك الحروب الضارية التي شنها النظام السوري على الأذكياء والمبدعين والموهوبين، إلى أن وضعوا إبداعاتهم ومواهبهم في خدمة استبداد النظام وقمعه الطائفي والعشائري. وهكذا تعذر على السوريين إنتاج فعل سياسي يتجاوز مفهوم الانتفاضة الشعبية.

ومع ذلك، للثورة السورية بعد حضاري إنساني يتمثل في التطلع إلى تحقيق الانعتاق الذاتي للذوات البشرية، وإطلاق طاقاتها الحرة في ميادين شتى من الحياة، تلك الطاقات التي عطلها النظام حتى كاد البشر يتحولون إلى بقايا إنسانية قد ضخ فيها الاستبداد مضمونًا مناقضًا لكل ما هو إنساني، ومجافيًا لكل ما تقضيه الكرامة الإنسانية من حرية وعقلانية وقدرة على اختيار المعنى والماهية اللذين من حق كل فرد أن يعين انطلاقًا منهما ذاته بصورة حرة، ومن دون أي قيد أو أي صورة من صور الإجبار والإكراه والتعسف.

وأما التشوهات التي لحقت بالثورة -وهي الصور المختلفة للأسلمة وما اقترن بها من صور الاستتباع السياسي والعسكري للأطراف الإقليمية والدولية- فترجع في حقيقتها إلى الجهد المنظم للقيادة العشائرية والطائفية في دمشق، وإلى السلطة الشيعية التي نصبها الإيرانيون في بغداد، وإلى الجهد الجبار الذي بذلته طهران في باكستان وأفغانستان وغيرهما من البلدان الإسلامية، وتمخض في جملته عن إغراق الوطن السوري بميليشيات شيعية متخلفة، الأمر الذي واجهته أطراف أُخَر بتكوين ميليشيات سنية لا تقل تخلفًا عن نظيرتها الشيعية. ويعلم الجميع كيف أطلق النظام السوري ألوف المعتقلين من إرهابيي القاعدة بعفو رئاسي رسمي، بينما أقدم العراقيون على فعل الشيء نفسه متذرعين بهرب المسجونين الإسلاميين. ذلك كله يعني أن (الأسلمة) مهما كانت صورتها لا تزيد على كونها قشرة أريد لها أن تكون بديلًا  من المضمون الإنساني والحضاري للثورة السورية.

وعلى الرغم من المحاولات كلها لتلطيخ سمعة الثورة السورية ودمغها بوصمة الإرهاب من جانب النظام وحلفائه، فإن الإنجاز الأهم في الثورة السورية يبقى متمثلًا  في كشفها أن (الفكرة الجامعة) التي فرضها النظام على الشعب السوري بالحديد والنار -ما يقرب نصف قرن- قد أصبحت فكرة ميتة، ويتعذر على أي عاقل أن يدعو إلى أن تحكم سورية والسوريين بها من جديد. وفي هذا الإطار، لا تشير المناقشات المتعثرة حول (الانتقال السياسي) في مراحل التفاوض كلها في جنيف، إلا إلى شيء واحد هو موت الأفكار التي حكم النظام بها سورية من جهة، وإلى تجاوز وعي السوريين جميعًا هذه الأفكار من جهة أخرى.

إن تركيز المناقشات في مفهوم (الانتقال السياسي) و(الدستور الجديد) يشير إلى أن المجتمع الدولي مجمع على أن النظام السياسي وطريقته في الحكم قد أصبحت مناقضة ومتناقضة مع الوقائع الجديدة التي خلقتها الثورة السورية. وليس ثمة ما يعوق اليوم تحقيق (الانتقال السياسي وصوغ الدستور الجديد) إلا المزاد العلني الذي جعل النظام بموجبه (سورية) رهينة لمصالح القوى الإقليمية والدولية، برجاء إبقائه في السلطة نظير ما يتنازل عنه من سيادة وطنية.

إن رعاية (المجتمع الدولي) على الرغم من الصعوبات التي تواجهها كلها، فكرة (الانتقال السياسي)، تعني أن الجميع يعترفون بالحاجة الملحة إلى استحداث (فكرة جامعة) جديدة تسمح للسوريين أن يحكموا أنفسهم وفقًا لمثل مستمدة من المبادئ الديمقراطية والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية المتوافقة مع القانون الدولي، والمراعية لمواثيق (حقوق الإنسان). وهذه الرعاية تشير أيضًا إلى أن الجهاز النظري والمقولات الرئيسة التي يتكون منها أسلوب الحكم السابق متناقضة مع القيم الحضارية والإنسانية التي حركت السوريين في دعوتهم إلى إسقاط النظام.

والخلاصة، إن التطلع إلى فكرة جامعة جديدة يبرهن ببساطة على أن الشعب السوري يأبى إلا أن يتخطى أفكار البعث التي أسس عليها استبداد النظام السوري. وبعبارة أخرى، من حق السوريين، بل من واجبهم، أن ينصب فكرهم على إبداع (فكرة جامعة جديدة) أو بالأحرى (أيديولوجيا)، أو نظام سياسي جديد أكثر انسجامًا وتوافقًا مع الحقائق والوقائع التي خلقتها الثورة السورية عبر سنواتها الست السابقات. وفي ضوء ذلك أصبحت مهمة الإنتلجنسيا السورية -فلاسفة ومفكرين وساسة ورجال قانون واقتصاد وعلماء اجتماع ودين وغيرهم- أن يعملوا متضافرين على صوغ (منظومة أيديولوجية) يكون من شأنها عقلنة الحياة ضمن أنماطها الجديدة. وما هذه (المنظومة) إلا ما نطلق عليه في هذا السياق مصطلح الفكرة الجامعة. وليس بوسعنا الشروع في التحدث عنها إلا بعد أن نعرض الطريق، أو بالأحرى المنهج الذي لا بد من اتباعه في تكوين هذه (المنظومة الأيديولوجية) أو ما نفضل أن ندعوه بـ (فكرة جامعة).

ثانيًا: الأيديولوجيا ومعيار المطابقة

قُضِيَ على الإنسان -بحكم طبيعته ذاتها- ألا يكون قادرًا على الوصول إلى العالم الذي يعيش فيه -بل إلى المعطيات كلها التي لا انفكاك له عنها- إلا عبر أفكاره، أو بالأحرى عبر (الكليات الذهنية) أو الفكرية التي لا يستطيع من دونها تنظيم عالمه والسيطرة عليه وتفسيره أو تغييره إلا من خلال هذه الكليات. ومن الواضح هنا أن مصطلح (العالم) يحيل على صور التجربة الممكنة جميعها، سواء أكانت خبرات فردية أم اجتماعية أم تاريخية أم نفسية أم غير ذلك مما لا حصر له من الصور المحتملة للخبرة الإنسانية.  إذ لا يمكن لهذه الخبرات -من حيث هي جزئيات- أن تكون منطوية على أي دلالة أو معنى مالم تصبح على علاقة تفاعلية مع الكليات المشار إليها سابقًا.

وما لا ينبغي التورط فيه الوهم الذي يمضي إلى القول عن هذه الكليات: إنها تدل على موجودات عقلية مفارقة، وجودها سابق على التجربة، أو هو سابق على انخراط العقل الإنساني في معاينة العالم بثرائه وغناه. ولو كان الأمر بخلاف ذلك لم يكن من الممكن للذهن أن يُركِّب معطيات الخبرة الإنسانية من خلال التفاعل بينها وبين تلك الكليات، أو لنقل المقولات المنظمة للتجربة الإنسانية والخبرة البشرية في ميادينها المحتملة شتى.

والطبيعة الحقيقية لهذه (الكليات) أو (العموميات الذهنية) التي تنظم الخبرة وتخلع عليها كل ما فيها من دلالات، لا تزيد على كونها مجموعة من الاستعدادات أو القابليات التي لا تستطيع أن تمارس وظائفها إلا إذا احتكت بالمعطيات التي تقوم بتنظيمها وإعادة تركيبها، وتواصلت وتفاعلت معها على نحو يمنح الخبرة الإنسانية ما فيها من دلالة من ناحية، ويجعلها، من ناحية أخرى، جزءًا من المحرز الإنساني في المجال التطبيقي والتجريبي.

غير أن (الكليات الذهنية) لا تستطيع ممارسة تأثيرها القيمي والتفسيري إلا بعد أن تصاغ في أطر قيمية وأبنية عقلية يمكنها أن تستخدم في الحوار بين البشر وفي الدفاع عن المصالح المتباينة للشرائح الاجتماعية داخل هذا المجتمع أو ذاك. إذ لما لم تكن حياة الناس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لتعقلن إلا من خلال الأفكار والكليات، وجد الناس أنفسهم مضطرين إلى التعبير عن مصالحهم -المتناقضة أو المتماثلة- من خلال أطر ذهنية تفسر هذه المصالح، وتسوغها، وتخلع عليها نوعًا من العقلانية والشرعية في أطر فكرية مناقضة في تبنيها لمصالح شرائح اجتماعية أخرى منافسة ومعارضة للشرائح الأولى.

هذه الأطر الذهنية التي تسوغ الصيغ المتباينة للمصالح المتناقضة، وتفسرها، وتدافع عنها، هو ما درج الفلاسفة على تسميته (بالأيديولوجيا). وهذا يعني أن المصلحة أو جملة المصالح لاتقدم فجة وصريحة. ذلك لأن للأيديولوجيا وظيفة أخرى تتمثل في قدرتها على تقنيع المصالح، وتسويغها وعرضها على أنها تمثل المصلحة العليا لأفراد المجتمع جميعهم. والحقيقة مختلفة عن ذلك الاختلاف كله. فكل أيديولوجيا تدافع عن مصالح شريحة اجتماعية محددة في إطار مقنَّع يدعي أنه يمثل القيم الإنسانية التي يجدر بالبشر كلهم تبنيها.

وهذا يعني أن (الأيديولوجيا) -على نحو ما- هي صورة من صور (الوعي الزائف)، وذلك راجع إلى ماتنطوي عليه من مقدرة على (التقنيع) ومن ميل إلى الانحياز. ولكن هذا لا يعني أن الأيديولوجيا لا بد أن تكون زائفة جملة وتفصيلًا. بل يعني أن كل أيديولوجيا إنما تنطوي على قدر من الانحياز بسبب إعلائها لمصلحة فئة اجتماعية على مصالح الفئات الأخريات كلها.

وهنا لا بد من التمييز في صميم كل أيديولوجيا، بين ما يمكن تسميته (بالوعي المطابق) وبين ما يمكن تسميته أيضًا (بالوعي الزائف). ومن ثَمَّ يمكن الإشارة إلى بعض المعايير التي قد يكون من شأنها إرشادنا إلى التمييز بين تجليات الوعي الزائف والوعي المطابق. فكلما كانت الإيديولوجيا أقرب إلى (روح العصر) كلما كان من المحتمل أن تكون متسمة أو محققة لقدر أكبر من المطابقة أو التطابق مع الوقائع المعاشة التي تلقى القبول بصفة عامة في هذا العصر أو ذاك. وكلما كانت الأيديولوجيا تدافع عن مصلحة عدد أكبر من البشر أو شرائح اجتماعية واسعة كان وصفها بالمطابقة محتملًا بدرجة أكبر، شرط ألا تكون الأكثرية تفكر على نحو مناقض (لروح العصر) وهو المعيار الأول. وحسبنا أن تتصف الأيديولوجيا أو (الفكرة الجامعة) بالمقدرة على الوفاء بمتطلبات هذين الشرطين أو المعيارين حتى تكون أقرب إلى تحقيق شروط الوعي (المطابق).

وترجع أهمية مفهوم (الوعي المطابق) إلى كونه يمثل نوعًا من الضمان أو الثقة النسبية بالأيديولوجية المطروحة أو لنقل (بالفكرة الجامعة) التي قد تكون مطروحة على بساط البحث في حقبة من حقب الصراع التي يمر بها مجتمع ما كما هو الحال اليوم بالنسبة إلى المجتمع السوري.

وبما أن الأيديولوجيا تتعلق بالصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهذا يعني أنها لا تنفك -بحال من الأحوال- عن مفهوم (المصلحة)، ولذا فإنها الوسيلة التي لا بد منها في الدفاع عن مصلحة الفئات الاجتماعية. ويتخذ هذا الدفاع صورة تسويغ أخلاقي وسياسي لمنظومة المصالح التي تتبناها وتدافع عنها الفئات الاجتماعية المختلفة.

وهكذا تتحول الأيديولوجيا –ببساطة- من الوصف والتفسير إلى التقويم الأخلاقي والسياسي الذي ينتهي بالأيديولوجيا إلى أن تصبح إطارًا قيميًا معقدًا يخلع على المصالح المتباينة قيمة أخلاقية تسمح بقبولها والارتقاء بها إلى مستوى (الحق) من الناحية القانونية. ولم يكن ذلك ممكنًا إلا بفضل فكرة (الوعي المطابق) الذي يعني أنه ليس من الضروري أن تكون الأيديولوجيا -على الأقل في نظر المدافعين عنها- إلا على قدر محدود من الزيف. ومع ذلك فإن الأيديولوجيا، بسبب اقترانها بالمصالح، لا بد أن تكون منطوية على قدر من الزيف قائم في صميم كل أيديولوجيا. ولكن لا بد من الانتباه إلى الحقيقة التي نبهنا إليها سابقًا، وهي أنه كلما كانت الأيديولوجيا أقرب إلى الوعي المطابق -ولا يكون ذلك إلا باحترامها للمعايير التي تحدثنا عنها سابقًا- شكل هذا العنصر قدرًا من التحصين للأيديولوجيا من الانزلاق إلى (الوعي الزائف).

هذا الحديث عن الأيديولوجيا، وكيفية تكوينها، ومراحل تركيبها، وعناصر هذا التركيب الذي أفضى بنا إلى التحدث عن بعض المعايير التي تمكننا من الحكم على درجة الصدق أو الزيف في الأيديولوجية، من خلال مفهومي (الوعي المطابق والوعي الزائف)، هو ما سنقوم بتطبيقه على تصورنا عن (الجامعة السورية) في محاولة نقدية تستهدف الدفاع عن هذه الفكرة باستخدام المفهومات ذاتها التي نتمكن بوساطتها من التعرف إلى درجة الزيف أو الصدق المتضمنة في فكرتنا. وفي هذا السياق سيكون سؤالنا المطروح هو : إلى أي حد تمثل (الجامعة السورية) وعيًا مطابقًا بالعصر وبالأوضاع التي يحياها السوريون في سورية وفي بلدان اللجوء والمنافي البعيدة في أوروبا والأميركتين، أو هل كان تصورنا عن هذه الفكرة الجامعة أقرب إلى الوعي الزائف بالوقائع التي دفعت بنا إلى إنتاج مثل هذا التصور؟

غير أننا لم نصل بعد إلى هذه المرحلة من البحث. إذ يجب علينا قبل ذلك أن ندلي ببعض الإشارات السريعة حول فكرتين جامعتين وجهتا الحياة في منطقتنا منذ عصر النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر وحتى الآن.

ثالثًا: نقد الأيديولوجيات السائدة

لو ألقينا نظرة على الأيديولوجيات التي طرحت في عصر النهضة العربية الحديثة وما بعدها الذي يؤرخ لانطلاقه في منتصف القرن التاسع عشر، لوجدنا أنفسنا في مواجهة أيديولوجيتين تمحور حولهما النشاط السياسي والثقافي. وهما: (فكرة الجامعة الإسلامية) التي تنطوي ضمنًا على مشروع خلافة إسلامية والثانية (فكرة القومية العربية) أو (الجامعة العربية) التي  جرى تبنيها -لاحقًا- من بلدان المشرق العربي: مصر وسورية والعراق.

وفي ما يتصل بمفهوم (الجامعة الإسلامية) لا يخفى على أحد أن هذا المفهوم يعود بجذوره إلى الإمبراطورية التي أسسها العرب بعد انتصار الإسلام في الجزيرة العربية، وتأسيس الدولة الأموية التي امتد نفوذها من إسبانيا غربًا إلى حدود الصين شرقًا. ومن الواضح أننا هنا في مواجهة مشروع إمبراطوري يستهدف -بصورة أو بأخرى- إعادة إنتاج التاريخ القديم أو الذاكرة العربية في واقع جديد هو الحاضر العربي. وقد ارتبط هذا الحلم بفكرة مقارعة الاستعمار وتحرير بلدان العالم الإسلامي من سلطان الغزاة الأوروبيين.

وعلى الرغم من الحماس الذي أبداه جمال الدين الأفغاني لهذه الفكرة ومن بعده (عبد الرحمن الكواكبي) في كتابه (أم القرى) وغيرهما، فإن الشخص الوحيد الذي حاول تجيير هذه الفكرة لمصلحته هو السلطان (عبد الحميد الثاني). لقد حاول هذا السلطان (عثمنة) الفكرة لعله يقضي على الإصلاحات العصرية التي سبق (لمدحت باشا) أن أدخلها في أساليب الحكم في السلطنة في منتصف القرن التاسع عشر. ولكن الفكرة لم تنتج شيئًا يذكر، لأنه كان قد سبق للسلطنة أن أصبحت رجلًا  مريضًا تتربص به القوى الأوروبية الصاعدة آنذاك وتتحين الفرصة لتقاسم ممتلكاته.

ولم يكن حظ الملك (فؤاد الأول) في عام 1920 في مصر بأفضل من حظ سابقه، فسرعان ما أخفق في إعلان نفسه خليفة على مصر والعالم الإسلامي، ولهذا الأمر حيثياته وتفصيلاته.

وما كان لهذه الفكرة أن تثمر شيئًا لأنها قد كانت بمنزلة صورة فارغة من كل مضمون. ذلك أن العنصر الأساس المكون لها هو الأفكار والذكريات والعواطف مع غياب لكل عنصر واقعي يمكن له أن يندمج بالصور الذهنية والنفسية. فبلدان العالم الإسلامي معظمها في ذلك الحين كانت مستعمرة وغارقة في جهلها. ثم إن الأمية كانت سائدة ومنتشرة، وهي الأسر الأكبر للعقل الذي قيد الرجال والنساء في ذلك العصر. ذلك كله وغيره حرم هذه الفكرة حتى الاقتراب من مفهوم (الوعي المطابق).  

ولو نظرنا اليوم إلى (فكرة الجامعة الإسلامية)، لوجدناها أشد افتقارًا إلى عناصر الوعي المطابق. وحسبنا أن ننظر إلى الرموز المحتملة لهذه الفكرة حتى نتبين أن (الوهابية) لا تزيد على كونها إسلامًا صحراويًا بدويًا معرقلًا  لكل تقدم. أما الإخوان المسلمون، فإنهم يرفضون الديمقراطية من دون تردد، ولا يؤمنون بمبدأ المواطنة بوصفه أساسًا للمساواة في الدولة الحديثة.

والمرء في حل من الحديث عن (القاعدة) و(تنظيم الدولة الإسلامية) في ما أرى. إذ يكفي أن نتذكر أن أهم شرط (للوعي المطابق) أن تكون الأيديولوجيا متوافقة مع روح العصر. ولا أظن أن أيًا من الاتجاهات المذكورة سابقًا تربطه رابطة جدية بما تعيشه الإنسانية اليوم من تقدم في ظل شرعة حقوق الإنسان والحياة الديمقراطية.

وما قلناه عن الصور المتخلفة للوعي السني ينطبق على (الوعي الشيعي) المتعين في إسلام (ولاية الفقيه) الذي لا يقل تخلفًا عن نظيراته السنية. وهو مفروض عنوة على الشعب الإيراني صاحب الحضارة العريقة.

ومع ذلك يمكن القول: تنفرد ولاية الفقيه الراهنة بميولها الإمبراطورية العدوانية العنيفة المتمثلة في العمل على تشييع العالم الإسلامي تمهيدًا لإخضاعه لسلطتها وسيادتها. وما تخريب سورية والعراق وتدمير مواطن أهل السنة وممتلكاتهم فيهما إلا الخطوة الأولى الممهدة لفرض التشيّع حتى على الطوائف الإسلامية من غير أهل  السنة.

وفي أي حال، فإن فكرة (الجامعة الإسلامية) -سواء أكانت سنية أم شيعية- هي فكرة إمبراطورية لأن الغزو أحد مكوناتها الرئيسة. إنها لا تستهدف المحافظة على العالم الإسلامي والمسلمين الذين يعيشون في كنفها -على سبيل الافتراض- بل هي تتطلع إلى غزو العالم بجملته وأسلمته أيضًا، لا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الجامعة سنية أو شيعية. ولو افترضنا أنهما سيطرتا على العالم مناصفة، فلن يكون إلا الجهاد المتبادل بينهما إلى أن تفني إحداهما الأخرى.

وليس هذا بالأمر المستغرب، فهو من طبيعة كل جامعة دينية. ولقد سبق لمثل هذا الصراع أن خبرته المسيحية في العصور الوسطى عندما انقسمت الكنيسة على نفسها إلى كنيسة شرقية وأخرى غربية. وقد خبرت المسيحية هذا الصراع مرة أخرى بين الكنيستين في مرحلة الحروب الصليبية. ذلكم هو الشأن بالنسبة إلى كل فكرة جامعة تتخذ من الدين -أي دين- أساسًا لها.

أما الأيديولوجية الثانية، فهي فكرة (القومية العربية)، أو ما ندعوه بـ (الجامعة العربية)، فقد بدأت في الظهور في منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا، وقد تبلورت تمامًا في مطلع القرن العشرين. ومن المعروف أن هذه الفكرة قد عبرت في بادئ أمرها عن رفض التتريك والعثمنة. وقد ترافق مع ذلك بزوغ (وعي قومي عربي بالذات) كشف إحساس العرب بالتمايز عن الأتراك المقترن بضرب من الاعتزاز بالماضي الإمبراطوري للعرب استنبطوا منه -خطًا- إمكان بعث أمجاد هذا الماضي بما فيه من سطوة وهيمنة.

ومن هنا نشأت فكرة (البعث) بكل تأكيد. فكما أن الموتى لا يبعثون من قبورهم، فكذلك هو الأمر لبعث الأمم وما أبدعته من حضارات وثقافات.

فإبان عصر النهضة في أوروبا لم يخطر لأي مثقف أوروبي أن يكون بعث بعض التقاليد اليونانية والرومانية في الفن والأدب وبعض صور الحياة أن يعني عودة (أثينا) أو (روما) إلى الحياة من جديد. كل ما حدث هو أن ما جرت استعادته أو بعثه سرعان ما جرى تجاوزه في فن جديد، وفي أدب مستحدث، وفي علم غير مسبوق أسس لظهور (عقلانية جديدة) سمحت بإنتاج رؤية جديدة للكون والطبيعة والإنسان مستقلة الاستقلال كله عن الرؤية اللاهوتية للعصور الوسطى.

وبعكس ما حدث في عصر النهضة الأوروبي ظل العصب الحي في أيديولوجيا القومية العربية متمركزًا في فكرة البعث والإحياء: بعث الماضي، وإحياء ما اقترن به من أمجاد. وهذا ما يفسر اهتمام فلاسفة القومية العربية بفكرة المقومات، وهي جملة العناصر المستمدة من الماضي من مثل اللغة والتاريخ المشترك. بل إن أحد هؤلاء الفلاسفة قد مضى إلى تصور الأمة العربية بوصفها (كيانًا رحمانيًا روحيًا) تخبو جذوته، ولكنها لا تنطفئ أبدًا. وذلك لأنها قابلة للاشتعال والانبعاث في أي وقت تتوافر فيه العناصر الروحية الدافعة لإيقاد هذه الجذوة من جديد.

وما يدعو إلى العجب أن تغيب فكرة (المصلحة) -الفردية والجماعية- في أيديولوجيا سياسية تريد أن تغير الواقع ببعث أفضل ما استطاع العرب إنجازه في يوم من الأيام. وافتقرت هذه الأيديولوجية إلى مفهوم حداثي عن الإنسان لحساب رؤية تقليدية عنه. زد على ذلك غياب أي تصور عن التنمية البشرية، وحل محلها محض تصور مادي عن الاقتصاد. والأعجب من ذلك كله أن تكون الوصفة الوحيدة التي يمكن للعرب استخدامها في حل مشكلاتهم، وعلى رأسها تحرير فلسطين هي فكرة الوحدة. وبذلك أصبح كل شيء معلقًا على توحيد العالم العربي، ما أدى إلى غياب مفهوم (الدولة) وبروز مفهوم (القطر) عوضًا عن ذلك. وهكذا تحولت الكيانات العربية إلى أقطار تنتظر التوحيد بدلًا  من أن يتحول كل منها إلى دولة. وبذلك شعر الجميع براحة الضمير تجاه التمزق والهزائم التي تسبب بها جنرالات الأقطار العربية الذين وضعوا أيديهم على أهم ثلاثة مراكز أو أقطار عربية. وباسم الوحدة العربية دمروا الشروط الضرورية كلها لقيام الديمقراطية، ومجتمع العدالة، وحقوق الإنسان. ومن ثم كانت الكوارث التي دفعوا بنا إليها حروبًا أهلية وصراعات طائفية وعشائرية في الداخل، وهزائم لا حصر لها في الخارج.

والسؤال الذي لا بد من طرحه هو: هل ثمة سبيل اليوم إلى وصف (الفكرة العربية) بالقدرة على توفير الشروط التي تسمح لنا أن نصفها بأنها (وعي مطابق)؟ وهل تستطيع هذه الفكرة الإجابة عن الأسئلة المطروحة على الشعوب التي تحيا في هذه المنطقة من العالم على سبل الخروج مما تعانيه من تمزقات وطنية، وحروب أهلية، ودكتاتوريات عسكرية، وإخفاقات تنموية واقتصادية، ومن تعددية إثنية ودينية، ومن تنوع طائفي حتى داخل الدين الواحد؟ هل يمكن لنا بالاعتماد عليها أن نرسي قواعد جديدة للحياة تضمن وحدة البلد الواحد، وترسي الأمن فيه، وتعيد اللحمة بين مكوناته البشرية والثقافية والدينية، وأن تنسج علاقات مع القوى الإقليمية والدولية تتسم بشيء من الاستقرار يغني المكونات المتعددة عن التحالفات مع هذه القوة الإقليمية أو الدولية؟ هل تستطيع هذه الفكرة أن تقدم مشروعًا لا يتجاهل المكونات غير العربية والديانات غير الإسلامية والطوائف غير السنية في سورية على سبيل المثال؟.

يبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها لا بد أن تكون بالنفي، وهذا ما يفتح الباب للقول: إنها لم تعد تقدم (وعيًا مطابقًا) للوقائع. فهي تفترض أن الماضي يتكرر، وهذا تصور زائف. ثم إنها -في الحقيقة- صورة من صور (الجامعة الإسلامية) ما دامت الفكرة العربية لا تتطلع إلى شيء، في نهاية المطاف، إلا إلى تحقيق (الرسالة الخالدة) للأمة العربية. وهذا هو الجوهر المشترك بين الجامعتين الإسلامية والعربية.

رابعًا: الجامعة السورية: الوظيفة والماهية

في ضوء ما تقدم، ألا ينبغي البحث عن (فكرة جامعة) جديدة على الأقل بالنسبة (إلى الوطن السوري) الذي يمتد جغرافيًا بين درعا جنوبًا والقامشلي شمالًا، وبين البحر الأبيض المتوسط غربًا والحدود العراقية شرقًا!

وما يسوّغ هذا المسعى هو أن ثمة ضروبًا من العناصر الأيديولوجية الجديدة آخذة في التكون والتبلور استجابة للتحديات الجديدة الناجمة عما يعصف بالإقليم كله من دمار وخراب وحروب همجية تغذيها المصالح الإقليمية، وتحاول القوى الدولية أن تحتفظ بالهيمنة على المشهد بأكمله.

وبناءً على ذلك كله، ألا يحق لنا -نحن السوريين- أن ننخرط في إنتاج أفكار من شأنها أن ترسم سبل العيش المشترك المفضي إلى مستقبل يتسم بالاستقرار السياسي والاقتصادي والتنمية المستدامة في الصعد كلها؟

ليس هذا من حقنا فحسب، بل إن فعله يرقى إلى درجة الواجب. والشروع في ذلك مشروط بقدر كبير من الشجاعة، لنتمكن من التفكير النظري والفلسفي الذي يستبعد -موقتًا- دور الفاعلين الإقليميين والدوليين في مجرى ما يحدث اليوم في سورية. على أن هذا الاستبعاد (الفرضي والموقت) لدور الفاعلين الإقليميين والدوليين لا بد من العودة إليه، ومناقشته بكل تأكيد في الوقت الملائم.

وفي الإجابة عن السؤال: ما (الجامعة السورية) التي سيدور الحديث عنها ههنا؟ نقول: الجامعة السورية محاولة لاكتشاف صورة من صور (الوعي المطابق) مصوغ في إطار أيديولوجي، ما يزال محتاجًا إلى التطوير والتوسيع والتطبيق، وإلى أن يجري التوافق حوله من المكونات السورية شتى، وذلك بقصد الانتقال من (الأيديولوجيات الإمبراطورية) -سواء اتخذت صورة الجامعة الإسلامية أم الجامعة العربية- إلى (أيديولوجيا وطنية)، أو إلى ما نفضل التعبير عنه (بالجامعة السورية) التي نحاول من خلالها -بوصفنا سوريين- أن نبني بلدًا، وأن ننتج وطنًا موحدًا قويًا وعادلًا ومنصفًا، وفي إمكانه توحيد أبنائه جميعهم، بإثنياتهم المختلفة، ودياناتهم المتنوعة، وطوائفهم المتباينة.

هذه هي الماهية العامة لفكرتنا عن (الجامعة السورية). إنها مشروع أيديولوجي يستهدف تنمية (الوعي السوري) بذاته بوصفه (وعيًا وطنيًا) يجمع بين العرب والكرد والسريان والأشوريين والتركمان والأرمن والشركس وغيرهم. ثم إنه لا يستهدف التقريب بين الإثنيات واحترامها فحسب، بصرف النظر عن حجمها -كبرًا وصغرًا- بل التقريب أيضًا بين المنتسبين إلى الديانات والطوائف السورية جميعها، من دون أن تكون (الجامعة السورية) معنية بمناقشة أي من الجوانب العقائدية والإيمانية التي تخص أي دين أو طائفة. كل ما تستهدفه الجامعة السورية هو تسهيل الحوار، وجعله ممكنًا بين المنتسبين إليها، مع الأخذ بالحسبان أن مصلحة أي سوري اليوم -مهما كانت الإثنية التي ينتسب إليها أو الديانة التي يتبعها- العثور على وسائل الحوار والتواصل التي تمكن من بناء وطن واحد وجامع والعيش في كنفه بسلام. ومن شأن ذلك أن يمكن الجميع من العمل على خلق أفضل الأحوال المنتجة للتنمية البشرية المستدامة، التي تتخذ من الإنسان الفرد، بحد ذاته، هدفًا لها. وجلي أنه لا سبيل إلى تحقق هذا الهدف إلا بتوفير الشروط الضرورية لاحترام الشخصية البشرية والكرامة الإنسانية لكل فرد بوصفه شخصية حرة، حقه في النقد والانتقاد لا يحده حد، على افتراض أن الحرية ذاتها لاحد لها إلا الحرية، ولا شيء غير الحرية.

ومن ذلك يستبين أن مهمة الجامعة السورية التصدي لمجموعة من المهمات هي ذاتها التي تؤلف مضمون هذه الجامعة. وقبل أن نجمل هذه المهمات من واجبنا أن نبين أنه ليس ثمة علاقة أو رابطة من أي نوع بين تصورات (أنطون سعادة) لسورية الكبرى أو الهلال الخصيب وما تتطلع إلى إنجازه الجامعة السورية من أهداف سياسية واجتماعية وثقافية وحضارية وروحية وقانونية وإنسانية، وهي العناصر التي يتطلع إليها هذا المشروع. ولذا ننبه إلى أن من شروط استقبال الذهن لهذا المفهوم -أولًا  وقبل كل شيء- الانصراف تمامًا عن الأفكار التي يروج لها (الحزب السوري القومي الاجتماعي). فتفكيرنا هنا مركز تمامًا على سورية (الوطن الصغير) الذي تركه لنا سايكس – بيكو. ومشروعنا هذا يتطلع إلى الانخراط في محاولة جديدة لبناء هذا الوطن بعد أن دمره الاستبداد السياسي بحكمه المديد مرات ومرات. وليس الدمار الذي ألحقه نظام الأسد الابن بالوطن السوري في رد فعله على ثورة الكرامة والحرية، إلا الصورة الأخيرة من صور تدمير الإنسان وتحطيم الأوطان.

ولعرض مضمون ما نعنيه بالجامعة السورية، علينا بادئ ذي بدء أن نبين أن المفهومات الرئيسة المكونة لتصورنا عنها تنطوي على ازدواج واضح يجمع بين المفهوم أو الماهية المكونة لهذا التصور والإجراءات والعمليات التي لا تتحقق هذه الماهية إلا بها. بعبارة أخرى، نحن في مواجهة مفهومات عامة تنطوي على تعريفاتها الإجرائية ولو بصورة إجمالية. والخلاصة هي أن المفهومات المستخدمة في بناء مفهوم الجامعة السورية هي نفسها ما ينبغي فضه بالتعينات التاريخية لهذه المفهومات.

ومن الممكن عرض المفهومات التي أشرنا إليها على النحو الآتي:

  1. إرادة العيش المشترك: وهنا يجب الانطلاق من المصالح المتبادلة والمتكاملة بين مكونات الشعب السوري جميعها. هي القاعدة التي تضمن وحدة هذه المكونات وتفاعلها المفضي إلى إنتاج كيان سياسي واجتماعي وأخلاقي وروحي متجاوز لما يتصف به كل مكون بصورة منفردة. وهذا الكيان هو (الجمهورية السورية). والجولان جزء لا يتجزأ من هذه الجمهورية.
  2. الجامعة السورية مفهموم جيوستراتيجي: وظيفة هذا المفهوم حفظ وحدة الأراضي السورية الواقعة بين درعا جنوبًا والقامشلي شمالًا، ومن البحر الأبيض المتوسط غربًا حتى آخر نقطة جغرافية واقعة على الحدود السورية العراقية شرقًا. والجولان أرض سورية يجب العمل بالوسائل كلها ليكون تحت السيادة السورية من جديد.

  3. وحدة الأراضي السورية: ينص مفهوم (الجامعة السورية) صراحة، على أن كل شبر من الأرض السورية هو ملك للسوريين جميعهم، ومن ثمة فإنه ليس من حق أي مكون من المكونات السورية الانفراد بالادعاء بأن هذا الجزء أو ذاك من الأراضي السورية تعود ملكيته إليه وحده من دون بقية السوريين. فدمشق للسوريين كلهم وليست للعرب أو لسكانها مهما كانت المكونات التي ينتمون إليها. وكذا الأمر بالنسبة إلى اللاذقية وحلب والقاملشي والأراضي السورية كلها. فهذه الأراضي تشكل وحدة واحدة غير قابلة للتقسيم أو التجزئة تحت أي سبب أو مسمى.

  4. الجامعة السورية رؤية أيديولوجية: من مهماتها الاضطلاع بوظيفة تقديم الأسس والمسوغات التي تسمح للمكونات السورية جميعها بالتعرف إلى أنفسها بوصفها مكونات ذات خصائص معينة من الناحية الثقافية من جهة، ولكنها من جهة أخرى تهيئ الشروط الضرورية لخلق الوحدة السياسية  في ما بين هذه العناصر البشرية المكونة للجمهورية السورية.

  5. المواطنة: مبدأ المواطنة المتساوية الذي ستقوم عليه الجمهورية السورية الجديدة، هو الضامن لتمتع السوريين كافة بحقوق متساوية، سياسيًّا وقانونيًّا واجتماعيًا وثقافيًا.

  6. العلمانية: والعلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة مبدأ مكمل وضامن وموجه للحياة السياسية والعلاقات المدنية بين الأفراد في حياتهم الشخصية ومعاملاتهم القانونية.

  7. حرية العمل السياسي: الجامعة السورية مفهوم يضمن حرية العمل السياسي للأفراد والأحزاب المرخصة قانونيًا في أراضي الجمهورية السورية كلها. وهذا يعني أن من حق أي حزب سياسي أن تكون الجغرافيا السورية بأكملها ميدانًا لنشاطه، شرط ألا تتخذ الأحزاب طابعًا إثنيًا أو دينيًا.

  8. مسألة الأقليات: من شأن المبادئ السابقة أن تجعل مفهوم (الجامعة السورية) مفهومًا قادرًا على التعامل مع مسألة الأقليات السورية الدينية والإثنية. فبمقتضى هذا المفهوم يصبح السوريون جميعهم أكثرية أو أكثريات. فالفكرة الموجهة لهذه الجامعة هي التوازن في ما بين المصالح، مصالح الأفراد ومصالح المكونات. وبمقتضى ذلك لا يتخذ أي قرار إلا بالاستناد إلى صورة من صور إجماع ممثلي المكونات السورية جميعها في المجالس التمثيلية والتشريعية.

  9. الحرية الشخصية: الحرية الشخصية وحرية الضمير والاعتقاد أحد المبادئ الجوهرية للجامعة السورية. والسوريون  بوصفهم أفرادًا متساوون في امتلاك هذا الحق وممارسته. ومن ثم لا يحق لأحد أن يفرض أفكاره أو معتقداته على الغير مستخدمًا أي صورة من صور الإكراه أو الضغط أو العنف، حتى إن بدت بعض الأفكار سامية ومقدسة في نظر أولئك الذين يسعون لفرضها بطرائق لا تنسجم مع القوانين الضامنة لحرية الاعتقاد والضمير.

  10.  حرية التعبير: ومن المبادئ الرئيسة التي تعلي الجامعة السورية من شأنها حرية التعبير السياسي، من خلال الحياة الحزبية والكتابة الصحافية في وسائل الإعلام والاتصال شتى. يضاف إلى ذلك حرية التعبير الثقافي واستخدام اللغة التي تخص هذا المكون السوري أو ذاك. وفي هذا الإطار يحق لكل مكون سوري استخدام لغته في التعليم والإعلام فوق أرض الجمهورية السورية بأكملها في حدود القانون.

    تلكم هي أهم الأفكار والمبادئ والمفهومات الناظمة لتصورنا عن الجامعة السورية. ونعتقد بإخلاص وصدق أن هذا المفهوم ينطوي على قدر كبير من الاتساق مع روح العصر والانسجام مع متطلبات الحياة الديمقراطية ومراعاة المبادئ الأساس لحقوق الإنسان. ولهذه الأسباب مجتمعة فهو مفهوم من الممكن وصفه بأنه (وعي متطابق) -أو على الأقل أقرب ما يمكن إلى المطابقة- مع جملة الوقائع التي تعصف اليوم بالوطن السوري. نعني بذلك أن هذا المفهوم يستجيب -بصورة بناءة- للمقتضيات الرئيسة التي تسمح للسوريين، إن حققوا نوعًا من الإجماع عليها، الشروع في مناقشة أهم هذه المشكلات والعمل بدأب وصبر على إيجاد الحلول الملائمة لما ألمّ بالوطن السوري. سيظل بناء أي نوع من الإجماع شرطًا ضروريًا لمواجهة مقتضيات المراحل المقبلة من أزمات الوطن السوري وما أكثرها.