إن أكثر ما استوقفني في ثورة الحرية والكرامة في لبنان عبارة كررها المتظاهرون في كل المدن اللبنانية: جوعونا، جوعوا الشعب. ووجدت نفسي أنا ابنة اللاذقية محاصرة بصور كثيفة وموجعة بالكاد تتسع لها ذاكرتي من مشاهد الجوع في اللاذقية (وفي سوريا كلها). يكفي أن نعرف أن متوسط دخل الموظف في الدولة السورية هو بين (30 ألف ليرة سورية و40 ألف ليرة سورية) أي حوالي 50 دولاراً في الشهر. من ينظر لطابور الناس يقف لساعات أمام الأفران يدرك مدى الجوع في سوريا، وكي ينتظم الدور تقوم بعض الأفران بوضع لافتات معدنية صغيرة مكتوب عليها: موقف للنساء، موقف للرجال وموقف للعساك . أي أن ثمة شريحة كبيرة من العساكر والجنود السوريين تعاني من الجوع أيضاً وإلا لما خصوها بموقف خاص على كوة الأفران.

وأظن أن الدولة مُقصرة بحق الأطفال إذ يجب أن يكتبوا أيضاً موقف للأطفال لأن حشداً هائلاً من الأطفال السوريين يقفون في طابور رغيف الخبز. ومعظم هؤلاء يفرشون الأرغفة الساخنة – بعد أن يفصلوا الطبقتين على الأرصفة القذرة أو ظهر السيارا ، فلم يعد للنظافة مفهوم في سوريا. الأهم سد جوع المعدة بالخبز. كما أن الموظفين من متقاعدين وعسكريين ومدنيين يقفون لساعات أمام الصراف الآلي لقبض رواتب الاحتقار (رواتب بعض المتقاعدين 15 ألف ليرة في الشهر)، وليس من باب الصدفة ألا تعمل كل الصرافات!! بل معظمها يظل خارج الخدمة ويُشغلون صرافاً واحداً أو أكثر وطابور الشعب السوري يقف تحت لهيب الشمس أو صقيع البرد لساعات لقبض راتب الاحتقار الذي بالكاد يكفي لشراء الخبز، وغالباً ما تتوقف الصرافات عن العمل لسبب لا أحد يعلمه. والشعب المسكين الصابر صبر أيوب يبرر للمصارف توقف خدمة الصراف كأن يقول: تعطلت شبكة الإنترنت أو خلصت المصاري. والبعض تصيبه حالة هستيرية ويصرخ: ما بقا أقدر أتحمل هيدي ثالث مرة أنزل من قريتي لقبض راتبي التقاعدي وتتعطل شبكة الصراف!! الكثير من السوريين تنتابهم حالات هستيرية عصبية بعد انتظارهم لساعات كي يقبضوا الراتب ثم يتعطل الصراف بقدرة قادر ويقول أحد موظفي المصرف للناس ببرود وملل: تعالوا بكرة. ونسبة كبيرة من الشعب السوري تعيش على المساعدات الغذائية من الجمعيات الخيرية التي توزع من حين لآخر ما يُسمى سلة غذائية تضم كيساً من السكر وآخر من الطحين وزجاجة زيت نباتي وأحياناً حليب للأطفال. وطابور السوريين الواقفين أمام أبواب الجمعيات الخيرية ينافس بعدده طابور السوريين أمام الأفران والصرافات. وهكذا يمكن تسمية الشعب السوري بشعب الطابور.

الجوع الذي يعاني منه معظم الشعب السوري فظيع، كم من الأطفال يذهبون إلى المدرسة يحملون مجرد رغيف خبز يسدون به جوع معدتهم، ومن يراقب أسعار المواد الغذائية في سوريا يُصعق كيف لايزال هذا الشعب قادراً على المشي فسعر كيلو اللحم الذي يؤكل والصحي 6000 ليرة سورية للحم العجل و8000 ليرة سورية للحم الغنم، أي أن أعلى راتب يعادل حوالي خمسة كيلو غرامات لحم! ولأن الدولة السورية حريصة أن يأكل شعبها اللحم فقد استوردت أطناناً من اللحم غير معروف مصدره ولا مدة صلاحيته ولا نوعه وسعر الكيلو 1500 ليرة! وقد أكلت منه ذات يوم حين دعتني إحدى الصديقات إلى الغداء وكنت أعلك جيلاتيناً بني اللون مقزز الطعم وأجبرت نفسي أن أبتلعه حفاظاً على مشاعر صديقتي. حتى هذا اللحم الرديء لا يستطيع شراؤه معظم الشعب السوري فما بالك بالفاكهة التي أصبحت من الرفاهيات.

ولا أنسى منظر طفل لا يتجاوز السادسة من عمره يسأل أمه وهو يُشير إلى عربة الكرز: ماما ما هذه الكرات الحمراء فنهرته بقسوة ولم ترد ، وكان سعر كيلو الكرز 1200 ليرة سورية، وسعر أقية الفطر 1000ليرة سورية، وسعر البيضة الواحدة 80 ليرة سورية، أي أن أسرة مكونة من ثلاثة أطفال ويحتاج كل طفل أن يأكل مرتين أو ثلاث مرات بيضتين في الأسبوع ستكلفها مبلغاً عاجزة عنه، لا مجال لذكر أسعار كل المواد الغذائية لكن الجوع قاس ومُذل في سوريا، والجوع والحرمان من البروتينات والفيتامينات والمعادن التي يؤمنها الغذاء الصحي المتوازن يؤثر على نمو الدماغ لدى الأطفال وعلى نموهم الجسدي عدا عن مشاعر الحرمان المروعة التي يعانون منها.

 لم يعد هنالك طبقة وسطى على الإطلاق في سوريا، فنسيج المجتمع السوري إما غنى فاحش (أثرياء الحرب) أو فقر مدقع خاصة بعد الانهيار الإقتصادي والهبوط الفظيع لليرة السورية (اليوروبـ 760 ليرة سورية والدولار بحوالي 700 ليرة سورية)، والمواطن السوري يقبض بالليرة السورية لكن كل السلع التي يشتريها محسوبة بالدولار. يكفي أن أذكر أن سعر علبة الحليب متوسطة الحجم عشرة آلاف ليرة سورية في الصيدليات والحليب بالكاد متوف . سوء التغذية هذا سينعكس أمراضاً جسدية ونفسية خاصة لدى الأطفال>

وما أود ذكره من باب النزاهة المطلقة أن ثمة شريحة كبيرة من المجندين يعانون من الجوع ويقفون بالطابور عند باب الأفران والصرافات الآلية، وكم تأملت بألم كبير شباناً سوريين يلبسون البدلة العسكرية يمشون متعكزين على حمالتين  ليتمكنوا من المشي وتكون عدة أسياخ من الحديد خارجة من ساق أحدهم وفخذ آخر، هؤلاء أصيبوا وعُطبوا في الحرب القذرة وغصت بهم المشافي. والمروع أن ثمة قانوناً يمنع العسكري المصاب أن يُعالج خارج سوريا! حتى لو كانت أسرة المجند تملك المال الكافي لعلاج إبنها في الجامعة الأميركية في بيروت مثلاً فالقانون السوري يمنع المُجند المصاب أن يسافر! عليه أن يتلقى العلاج في مشافي الدولة فقط، وقد تحول المستشفى العسكري الضخمة في اللاذقية إلى مستشفى تركيب الأطراف الاصطناعية لمصابي الحرب من الجيش السوري. وكل الناس صُعقت من منظر شاحنة عملاقة مكشوفة الظهر ممتلئة بكل أنواع الأطراف الاصطناعية متجهة إلى المشفى العسكري وتحول مشفى الأسد الجامعي في اللاذقية إلى مشفى عسكري.

ولم تعد حتى مشافي الدولة سواء كانت المشفى الوطني أو العسكري أو غيرها قادرة على تأمين كل الخدمات الصحية للموطن. فمن يحتاج إلى عملية ماء زرقاء عليه أن يشتري بماله العدسة التي ستُزرع داخل عينه! فلم تعد العدسات متوفرة في مشافي الدولة ومن يتعرض لكسر في عنق الفخذ (وغالباً من الكهول والشيوخ عليه أن يشتري من ماله الخاص رأس عنق فخذ اصطناعي) وهو باهظ الثمن جداً لدرجة أن الكثيرين (العاجزين عن شراء رأس عنق فخذ اصطناعي) يعيشون بدون إجراء عملية ويتحملون آلاماً لا تُطاق ويرضون بالعرج الشديد المؤلم الذي سيرافهم ما تبقى من حياتهم.

صرخة شعب لبنان (جوعونا) انحفرت كالوشم في ذاكرتي وتذكرت شعبي الحبيب الجائع أيضاً. أجل شعب سوريا جائع حتى ثمالة القهر والحرمان والذل.