الجيل الناقم الذي أنتجته الحرب

“لا يمكن حصر العقد والأمراض النفسية والاجتماعية والتشوهات السلوكية التي يعاني منها الأطفال السوريون منذ عدّة سنوات، من الاكتئاب وعدم القدرة على الفرح، والخوف من الآخرين ومؤاثرة العزلة وصعوبات التواصل، الكوابيس اليوميةٌ والهلع والرهاب والسلس البولي، إلى اضطراب الهوية والميل إلى إيذاء النفس”، تقول سعاد العاملة بمجال الدعم النفسي في دمشق و التي فضلت عدم ذكر اسمها.

تضيف سعاد “بعض الأطفالٌ يخافون من رؤية اللون الأحمر لأنه يذكرهم بالدماء التي رأوها، آخرون يعانون خوفاً دائماً من الموت، فأغلب من أعمل معهم جاؤوا من مناطق كانت مسرحاً للمعارك ونسيت شكل الحياة.”

لا يختلف حال الأطفال الذين قابلتهم سعاد عن عموم سوريا والتي صُنِفت خلال السنوات الماضية كإحدى أكثر مناطق العالم خطراً على الاطفال. تقدر منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” إن نحو  ٢.٩ مليون طفل تحت سن الخامسة بدؤوا حياتهم في ظل الحرب وتشكل وعيهم في ظروف القتل والدمار، فيما نزح ولجأ أكثر من نصف العدد الإجمالي الذي يقدر بثمانية ملايين ونصف، وهو عدد أطفال سورية عام ٢٠١١.

ويشير التقرير، الذي صدر في آذار/مارس عام ٢٠١٨، إلى أن ستة ملايين سوري، بينهم ٢.٨ مليون طفل، تعرضوا للتهجير أكثر من مرة متنقلين بين عدة أماكن، و خمسة ملايين آخرين لجؤوا إلى دول الجوار وبلدان أخرى، نصفهم من الأطفال، منهم عشرة آلاف طفل غادروا سوريا دون عائلاتهم.

إضافة للنزوح والتهجير والهجرة، تقدر “اليونيسيف” أن ٣.٣ مليون طفل في سوريا اليوم باتوا عرضة لخطر مخلفات الحرب من الذخائر والألغام غير المنفجرة، بالإضافة لإصابة آلاف الأطفال بإعاقاتٍ جسديةٍ دائمة.

وفيما يخص الواقع التعليمي، حُرم أكثر من ثلاثة ملايين طفل من التعليم أو تسربوا من المدارس التي لم تتضرر من الحرب، فقد دمرت حوالي ٧٤٠٠ مدرسة أو خرجت عن الخدمة خلال سنوات الحرب، أي ثلث عدد مدارس سورية، وبهذا أصبح واحد من كل ثلاثة أطفال مهددين بالجهل والأمية.

اليتم والفقدان أيضاً طال نسبة كبيرة من الأطفال السوريين، حيث تشير التقديرات إلى أن قرابة مليون طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، بالإضافة لفقدانهم لأشقائهم وأصدقائهم وأقربائهم، ما يعني أن ١٠٪ من أطفال سورية باتوا أيتاماً.

إضافة لما سبق، ولد جيل من الأطفال مجهولي النسب، مهددين بفقدان حقوقهم في المواطنة والتعليم والهوية. هم أطفال فقدوا آباءهم قبل أن يتعرفوا إليهم ثم تاهوا في زحمة الحرب والشتات، آخرون وجِدوا في الشوارع وكأنهم خلقوا من العدم دون أي أوراق تثبت هويتهم أو المكان الذي قدموا منه، أما الأكثر تصدراً للمشهد فهم من ولدوا نتيجة حالات الزواج العرفي وزواج المتعة غير المسجل بالمحاكم بالسورية، وخاصة في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة وتنظيم داعش.

أمراض أفرزتها الحرب

أفرزت هذه الأهوال التي عاشها لأطفال السوريون أمراضاً نفسية وجسدية عديدة. تقول سعاد، “ما تعرض له بعض الأطفال من صدماتٍ ونكساتٍ أثَّر على نمو الدماغ ونشاطه، فباتوا يعانون من صعوبات التعلم والفقر العقلي، الكسل الذهني واضطرابات النطق. كما أثَّر الهلع والخوف المعششان في قلوبهم على تركيزهم وانتباههم، فهم يشعرون دائماً بأن خطراً ما يتربص بهم…” مضيفة  أن “هناك العديد من الأطفال ممن تعرضوا للعنف وتربوا على ثقافته فبات سلوكهم عدوانياً، يفرغون العنف الذي بداخلهم على زملائهم ويلحقون الأذى بهم.”

ويعاني آخرون من نوبات غضبٍ وتوتر ناتجة عن إبعادهم عن عاداتٍ أدمنوا عليها لفتراتٍ طويلةٍ كالتدخين وشم التنر والبنزين و(الشُعلة)، وهي عادات مدمرة للصحة والأعصاب تنتشر بين أطفال الشوارع والمشردين و تُشعرهم بشيءٍ من النشوة والاغتراب عن الواقع كي ينسوا قهرهم وآلامهم.

ومن التشوهات النفسية التي يعاني منها الأطفال أيضاً ما هو ناجم عن التعرض لحالات التحرش الجنسي في مراكز الإيواءٍ المؤقتة أو التجمعات السكنية المكتظة بالنازحين حيث تنام مجموعات كبيرة في غرف صغيرة.

من الأطفال أيضاً من تعرض للتحرش أو تم استغلالهم جنسياً مقابل المال خلال تسولهم في الشوارع ونومهم في الحدائق. تقول سعاد إن “أخطر مافي الأمر  أن بعض الضحايا باتوا يتحرشون بأقرانهم من كلا الجنسين، محاولين ممارسة ما تعرضوا له مع الآخرين، كما رصدنا حالات تحرش بين الأشقاء أنفسهم، من بينها مراهق حاول اغتصاب أخته كونه رآها تتعرض لذات الفعل خلال نومهما في الحديقة، كما أن  بعض الفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب بتن يخفن من رؤية الرجال ويصبن بحالات ذعرٍ مفاجئة حين يتذكرن ما حل بهن.”

أما عن الأمراض الجسدية المنشرة فهي الأمراض الجلدية، و سوء التغذية وفقر الدم وضعف النمو، فايروس التهاب الكبد الوبائي وضعف المناعة وغيرها، فكثيرٌ من الأطفال لم يحظوا بالرعاية الصحية المناسبة ولم يتلقوا لقاحاتهم خلال تواجدهم في المناطق الساخنة ودروب التشرد.

حاضرٌ ينذر بمستقبل قاتم  

في أحد مراكز دمشق المجتمعية الذي يستقطب أطفالاً نزحوا من مناطق الحرب والصراعات، أطفالٌ تجاوزا الثانية عشرة ولم يتعلموا القراءة والكتابة، بعضهم لا يعرف شيئاً عن الألعاب وقصص الأطفال، آخرون تعرفوا إلى الكرة وأقلام التلوين لأول مرة، لم يشاهدوا أي فيلمٍ من قبل، وبالكاد يعرفون التلفاز.

في دروس الرسم، حفلت أغلب رسوماتهم بصور الحرب ومشاهدها، يرسمون أسلحةً ودبابات وطائرات، بيوتاً مدمرة وعيوناً باكية وأطفالاً مشردين. أما في دروس الموسيقى فينعدم التفاعل والتناغم ويظهر فقر البديهة والموهبة. معظهم لا يحفظون سوى بضعة مقاطع من أغانٍ تحمل بمعظمها طابعاً دينياً. لم يشاهدوا آلةً موسيقية في حياتهم، ولم يستمعوا من قبل الى موسيقى وأغاني الأطفال.

في هذا السياق تتحدث ميساء المرشدة النفسية الاجتماعية: “تغلغلت الحرب في عالم الأطفال وألعابهم، فأصبحنا نجد أطفالاً في الشوارع والحدائق يحملون أسلحةً خشبيةً أو بلاستيكة ليخوضوا معارك قتالية مفترضة ضد الأعداء، يقتحمون أماكن وهمية باستخدام قاذفاتٍ ورشاشاتٍ صنعت من أنابيب بلاستيكية ومواسير مياه، ترمي حصىً وخرزاً بدل الطلقات، وينصبون حواجز افتراضية ليوقفوا أشخاصاً وهميين.”

كما تحول بعض الأطفال في مناطق الصراعات إلى أدواتٍ للقتل بعد غسل أدمغتهم وشحنها بالإيديولوجيات السياسية والدينية في ظل واقع تحكمه قوانين الحرب، منهم من عايش مظاهر القتل والإجرام حتى بات يراها شكلاً طبيعياً للحياة وممارسة عادية ومألوفة في المجتمع. “ترك هذا آثاره العميقة في سلوكياتهم وأنماط تفكيرهم، فمن رأى عائلته تقتل أمامه ومنزله يدمر فوق رأسه حمل في قلبه حقداً لا يزول ليتربى على ثقافة الثأر والإنتقام والتطرف. هناك أطفال تقمصوا شخصيات الجلادين والمسلحين والقتلة، اتبعوا فكر الجهاديين وعقائدهم الدموية التكفيرية، فحملوا السلاح قبل أن يحملوا كتاب المدرسة” تضيف ميساء.

وتتساءل “كيف يمكن للأطفال وهم أولاد مجتمعهم، والذي نشؤوا في حياة النزوح والفقر والتشرد، أو الذين تربوا على التسول في الشوارع حيث قانون الغاب، كيف سينسون ما حل بهم وإن أصبحوا كهولا؟” وتجيب ميساء بنفسها بأنهم سيكملون  بقية حياتهم “كشخصياتٍ مضطربة ومدمَّرة، محملة بالجراح وعقد النقص.”