“في بلادنا، يخسر الشباب حيواتهم دفاعاً عن حدود رسمها الغرباء عبر قرن من الزمن بعد أن رحلوا، فلم لا ندافع عن الحب الذي نصنع مملكته وقوانينه بأيدينا؟” تسأل سمر أثناء جلستنا في مطعم الربيع في منطقة ساروجة بدمشق، تحتسي قهوتها مع ابتسامة على خدين ورديين وغمازتين عميقتين قبل أن تتابع “زوجي من درعا وأنا من مصياف، هو بحبني وأنا بحبه، فما أهمية الطائفة والمذهب إذا كنا شركاء في القلب والحياة”.

العديد من الشبان والشابات تجاوزوا العقبات الاجتماعية والتقليدية والدينية وحتى القانونية ليسيروا معاً في درب الحب، غير آبهين بالوصمة والعزلة الاجتماعية من قبل أبناء ملتهم وطائفتهم، نحو ارتباط رسمي بمن يحبون.

فيما لايزال آخرون أسرى للعادات والمعتقدات، مستسلمين لما يرسم لهم دون رضاهم. ورغم ذلك تدفع مجموعات شبابية ومنظمات مدنية نحو مناقشة قضايا حساسة كالزواج المدني والزواج بين الطوائف كتجربة (نادي القراء).

تدافع لين، وهي مهندسة مدنية عازبة من صافتيا، عن فكرة الزواج بين الطوائف، وتقول “طالما أن الشخصين يحبان بعضهما حتى لو كانا من طائفتين مختلفتين، يفترض أن الزواج سيمر بسلاسة، فشعارات الحب والأخوة التي تدرس في المدارس يجب أن تطبق عن طريق تشجيع الزواج بين الطوائف، فلماذا نضع عقبة غير موجودة أصلاً؟”.

وتضيف لين “أنا أؤمن بالله فقط و الله شجع على الحب، ولذلك سأقبل بالزواج من رجل من أية طائفة”، مستدركة بأنها رغم ذلك لن تسمح للزوج بفرض معتقداته عليها.

أما هيا، وهي خريجة علوم سياسية من الرقة وعازبة، فتروي أن عمها من الطائفة السنية ومتزوج من امرأة من الطائفة العلوية “لكن للأسف أهل زوجة عمي لم يكلموها منذ تزوجت منذ أربعين عاماً، رغم أنها أنجبت ولدين وأصبحت جدة الآن، كل ذلك فقط لأنها اختارت زوجاً من غير طائفتها” تقول هيا مشيرة إلى أن عمها وزوجته ورغم هذا حظيا بحياة زوجية ناجحة لم يؤثر عليها اختلاف طوائفهما.

 أما عن نفسها فتقول هيا ” من حيث الفكرة، أؤيد الزواج من طائفة أخرى ولا أمانعها، وفي ذات الوقت إذا فكرت بها من حيث المستقبل وتأثيره على أطفالي، فأنا أتردد قليلاً وربما أعارض الفكرة مع ذاتي”.

وتشرح هيا السبب بقولها “مهما ادعينا أننا مدنيون ولا نعترف بالبعد الطائفي في حياتنا وعلاقاتنا العاطفية، إلا أنه سيؤثر على أرض الواقع، هو خوف من التجربة أكثر منه معارضة للفكرة، إذ أن التفاهم بين شريكين يفترض أن يزيل كل العقبات أياً كان نوعها”.

سامر عانى شخصياً من الحب العابر للطوائف، وهو خريج كلية اقتصاد وعازب من دمشق، حيث اضطر إلى فسخ خطوبته أخيراً. وعما جرى يروي سامر بأنه خطب عام ٢٠١٥ صبية من الطائفة العلوية من دوير المشايخ في وادي العيون التابعة لمحافظة حماة، وكان والد الفتاة منفتح الفكر لكن والدتها عارضت الخطوبة، وأخبرته بأنها “لا تريد أن يكون أحفادها سنة”، أما خطيبته فكانت متقبلة للفكرة رغم وجود “عرق طائفي” في شخصيتها كان يظهر إلى العلن قليلاً كما يصف سامر. إلا أن أهل الضيعة قاطعوا والد الفتاة وخاصة عندما كان سامر يزور أهل خطيبته، فأبلغه والدها بأن الأمر سينجح لو كنا نعيش في المدينة إلا أن جو الريف لا يتقبل الفكرة بسهولة، ولم تكمل قصتهما السنة والنصف حتى انفصلا. “الكل يدعي بأن لا مشكلة في الزواج بين الطوائف، ولكن على المحك قد يتبدل الرأي فعلياً” يختم سامر قصته بتشاؤم.

سلمى من جهتها وهي أرملة من إدلب تقول بأنها لم تعلم عندما تزوجت بأن زوجها من الطائفة الشيعية “ولم يختلف الحال بعد معرفتي بذلك، كنت أمارس طقوسي الدينية كما يفعل هو، يحترم آرائي وأحترم آرائه، أحببته بحيث كان كالأب والأخ بالنسبة لي، و خلف رحيله مأساة مؤلمة في حياتي” تقول سلمى.

تركت الحرب السورية شروخاً على المجتمع بكافة طوائفه وأديانه وأعراقه وقومياته، خاصة مع حصول اقتتال طائفي في بعض المناطق والمدن السورية، إلا أن استمرار انتشار الزواج العابر للطوائف والقوميات خلال سنوات الأزمة، وإن كان على نطاق ضيق، يبرهن أن المكونات السورية لم تصل إلى مرحلة القطيعة رغم حدة الألم ومرارة التجربة.