حوار مع الفنان التشكيلي والخطاط السوري خالد الساعي

أسامة إسبر: كيف بدأ دخولك إلى عالم الفن وما الذي قادك إلى الحرف الذي قدته إلى اللوحة؟

خالد الساعي: قادني إلى عالم الفن محيطي العائلي وبشكل طوعي، حيث كان الجو الثقافي في العائلة دائم الحوارات والدرس المعرفي بغرض التمتع بالفن وفهمه،  كان انجذابي الأول للرسم، وقمت بأعمال بالألوان المائية والفحم، لكن الحرف أغراني لأنه تجريديا أعلى من الصورة وفيه إغراء جمالي غامض وبشكل غير تقليدي صرت أقلد حروف أخي لكن لا أعلم ماهيتها  وكنت وقتذاك في الخامسة من العمر، وتعاملي مع الحرف كان كتعاملي مع الصورة والشكل لا المعنى والدلالة، وهذا جعل منظاري للحرف مختلفاً منذ البداية على أنه كائن  وأنا من أحاوره وأضفي عليه اقتراحاتي  حيث كنت لا أرتضي بالقوالب الجاهزة، بل أحورها وفق ما أراه، في مرحلة ما كنت أمسك الريشة وأرسم الحرف ثم أمسك قصبة الخط وأرسم بها فاختلطت عليَّ الحدود بل انفتحت ما بين فني الرسم والخط ، وذلك قادني مباشرة لأن أرى الحرف في لوحة التشكيل لا في قالبها  التقليدي.

أسامة إسبر: الحرف لديك يخرج من البعد الزخرفي  التزييني ويتجسد في أفق بصري إبداعي مختلف، ما الذي قادك إلى هذه الرحلة، من الجمالية الزخرفية إلى الجمالية الإيحائية ذات الطبقات المتعددة؟ أعني هنا أن الحرف تم إنقاذه من الجمالية الباردة، ودخل في أفق تأويلي تساؤلي؟

خالد الساعي: وهذا ينطبق على الفنون جميعا، أعني قد يقع الفنان أو الكاتب أو الشاعر  إلخ في مطب التزيينية،  هي ما بين استعراض القدرات والتقنية، ومابين إيصال الرسالة بأقل وأبسط طريقة. هناك مستوى للشاعرية القصوى كبعض أشعار البحتري هي ذروة في الإبداع الخالص والتي وصلت إلى عمق اللغة والإيقاع، لكن هناك عتبة قد ينحرف بها المبدع إما عن قصد أو أن التيار يجرفهبالنسبة لي، في مرحلة ما انقدت إلى ذلك ولكن بهدف الإشباع الفني لكني شُفيت لأني صحوت وأدركت أن كثرة الكلام وكثرة العناصر قد تفضي إلى انقلاب القصد إلى ضده، صرت أميل إلى التكثيف الذي يُغني عن حشد العناصر الاستعراضي  وذلك التكثيف يأتي على عدة صعد، في التكوين أو اللون أو في غنى سطح اللوحة وكله قيم تُضاف إلى العنصر الأساسي الحرف وتقويه، ربما ولعي بفكر الفنانين التعبيريين الألمان قوّى تلك الفكرة لدي كتجربة سوتين  وغيره، وحتى المعاصرون منهم كأنسليم كيفر يتميزون بالحلول القوية التي تميل إلى التخلص من الزوائد وموازنته بتكثيف وإغناء السطح واللون، لكن الحرف يملك فضيلة أخرى وهي تعالقه مع اللغة واستحالة فكاكه عن القرائية والتأويل وبالتالي المهمة ربما تكون أصعب، فينبغي التحايل على بنية الحرف ليتطوع في التشكيل الكلي للوحة، وتحييد اللغة، أو فض التعالق بين الحرف كعنصر جمالي بصري واللغة، هنا أدخل بصلب عملية التحول الإبداعي، وهي تحويل الحرف للغة تعبيرية بصرية منفصلة عن دلالتها الأولى اللغوية لكنها مطواعة للتعبير البصري باللعب على جسد الحرف كراقص أو عنصر حي يعبر عن نفسه بالحركة.

من ناحية خصائص الحرف، هناك خطوط تزيينية بحتة  كخط الديواني الجلي وغيره لكن خط الثلث فيه قوة وجزالة  جعلتني أميل إليه أكثر، علاوة على قوته التعبيرية والإمكانيات اللامتناهية في توليد أشكال الحروف وتنوعهافي منطقة ما يلتقي العمل الإبداعي مع جوهره ومهمة الفنان إدراك ذلك بلا زيادة ولا نقصان.

أسامة إسبر: كانت الحروفية أو فن الخط مندرجاً في سياق جمالي تقليدي، وها هو الآن في أعمالك، يتبدى في جمالية جديدة، متوحداً مع حداثة اللوحة، ما المؤثرات التي قادتك إلى هذا الاكتشاف؟ خاصة أنك خرجت من لعبة الأصالة والمعاصرة، وثقافة ترسيخ الثابت والتقليدي. هل تعتبر نفسك حروفياً أم فناناً يستخدم الحرف لمآربه الإبداعية؟

خالد الساعي: أصبحت نظريات الحروفية ودوافعها معروفة من الجميع وأيضا مرجعيات من يتعامل معها و ينتج أعمالاً في هذا الحقل وخضعت لتصنيفات على صعيد استلهام الحرف مابين استنهاض القيم التقليدية للحرف ومزجها مع عناصر اللوحة وما بين مزج فلسفة الخط (الخط العربي) والخط بمفهوم الحركة، والتي قد تلتقي مع خطوط آسيا الوسطى، أي تستمد صيغة شكلية ما لكن تجعل إنتاجها مرهوناً بنبض وحالة الفنان لا مع الالتزام بصرامة الشكل  وفي الحروفية العربية ذهبت إلى القيمة الكتابية كفعل وحركة تلقائية، أو حركة تحتمل إسقاط الفكر والفلسفة كشاكر حسن لكنني أرجعت الحرف إلى لبنته الأساسية، قيمته الجمالية الأولى وأخضعتها إلى نظام آخر من إنتاج الحرف كما فكك شعر التفعيلة الميزان الأساسي ووحدات الشعر ليعيد صياغة إيقاع آخر من علاقات الكلمات وايقاعها، لكنني أعتمد كثيراً على الحرف كقيمة تعبيرية شكلية، أظنني في مرحلة ما كنت حروفيا وهذا طبيعي، لكنني ومنذ عدة سنوات أقدم لغتي التشكيلية الخاصة التي عمادها الحرف والإشارة، والتي قد تقرأ جمالياً من متلق لايعرف العربية بشكلها الفني الخالص مع فض اشتباكها مع اللغة، وبالتالي الولوج إلى عتبة أخرى. أظنني أقوم بمهمة مزدوجة  وهي الرهان على أن الحرف هو عالمي ولغتي  وطريقة تعبيري، وهو فضاء رحب لامحدود على صعيد التأويل والإنجاز والاعتماد على الحرف من الناحية التفكيكية وإعادة بنائه وتحويره، والتي ما تزال تغريني  لكن وبشكل غريب (وبعيدا عن الشعر) أصبحت أرى ما حولي وكأنه صيغ من أشكال الحروف، أو أنني اعتمد آلية تلقائية لتحويره في ذهني وهذا ما يخلق الالتباس الحميد في الرؤية لديالتعريف مشكلة أحياناً، كأنك تقولب شيئا ما، في بعض أعمالي الأخيرة تذوب الحروف وتتلخص من هيآتها لصالح المشهد الكلي، فالحروفية صهرها ضوء وفراغ العمل أو تحولت باكتظاظاتها إلى حقول بصرية.

أسامة إسبر: ثمة علاقة حميمة بين النص الأدبي والشكل الفني البصري لديك، فأنت تستخدم القصائد والنصوص الصوفية وتلعب تشكيلياً بحروفها وكلماتها، كما لو أنها ألوان الرسام الممزوجة والجاهزة للاستخدام لتوليد احتمالات عوالم أخرى، ولكن ماذا عن روحها، كيف تتجلى روح النصوص وتحرضك على الكشف الفني؟

خالد الساعي: اللغة تعرف لبوسات مختلفة  صوتها مثلاً، حركتها، أو شكلها الذي يجسده الحرف، المعنى روح والشكل جسد، و لكن التناص بينهما يتحقق إن شف الوعاء  أو إن فاض المعنى. إن اشتغالي على الشعر لايزال وإن تغيرت المعطيات والصيغ، فالحرف بوابة للمعاني، وهذه البوابة غير محددة الشكل، والمعاني التي كنت أنهل منها الشعر كمورد أساسي للاشتغال  أحيانا يغريني جرس اللغة لا المعنى وأحيانا الصور التي تولدها المعاني لكن الشغل الأساس هو على وحي شكل اللغة، أقصد صورة النص البصرية، أخذتني تلك الشعب إلى أبحاث ومسارات مختلفة، فالشعر التقليدي أخذني إلى مناح معينة لكن شعر التصوف أرجعني إلى روحانيات خالصة وراعني تأويل الحرف لدى المتصوفة وشق لي طرقاً أخرى فصارت الفضاءات أرحب وتخلصت اللغة من ثقلها وانعتقت  لكنها في الوقت ذاته أخذت حيزا كبيرا من التأويل، والأهم ما يقترحه علي النص، وعملت على شعر المتنبي ودرويش ومحمد صارم  فصارت اللوحات سجالا بين المعاني المنشودة وهيئة النص التي حاولت أن تكون صورته البصرية التي يمكن القبض على جوهره و روحه خارج اللغة  لا بل بلغة مغايرة ،هذا ما أغراني في البحث عن نصوص وتحديات أخرى كالشعر العالمي الآخر، مثلا عملت على أعلام الشعر الفرنسي كرامبو وأراغون وبودلير والكثير وأخضعت التجربة الناتجة لاختبار، وأخضعتها بأن عرضت اللوحات التي تجاوز عددها الخمسين على فرنسيين من ذواقة الشعر لكن ليست لهم علاقة بالعربية وسألتهم إن رأوا فيها  ما يماثلها من الشعر الفرنسي وكانت النتيجة مذهلة بأنه تم تحديد كل شاعر تماما حتى أنه تم الإجماع على قصائد بعينها كالمركب الثمل لرامبو، و أزهار الشر لبودلير، وحتى أنني وجدت الشاعرة الأسبانية خوليا كاستيليو  تقف أمام لوحاتي التي استلهمت من شعرها وهي عن الوقت وقالت إنك اخترقْتَ مخيلتي وقبضت على الصور التي كنت أنشد  ثم جلست على الأرض أمام اللوحات مندهشة.

في مكان ما عاليا يكون جوهر الأشياء ونحن ننظر من زوايا مختلفة ونلبسها فنا ما أو قراءة ما لكن المبدع قادر على تخطي ذلك، وهو قادر على التنقل بين هيئات المعنى المختلفة ولكنه يراها واحدة، والمتلقي المبدع يمكنه إدراك تلك المقاربات وتحسس الانتقال الجمالي، فكيف نقول موسيقا تصويرية أو صوراً شعرية، أليست تلك دعوة لفتح المستقبلات الحسية والفنون على بعضها البعض؟

أسامة إسبر:  أعرف أنك تأثرت بجوك العائلي، العائلة الكريمة التي كانت في الميادين، هي الآن مشردة في أصقاع الأرض، للأسف الشديد. كيف كان جو العائلة من منظور الطفل المتأثر، وكيف هو الآن؟ ما هو التأثير الجديد للعائلة، وخاصة نحن نتحدث هنا عن مآسي الحرب وتأثيراتها على الإنسان السوري؟

خالد الساعي: يمكن أنني عرجت قليلا على الجو العائلي  ودوره في تفتح مداركي على الفن باكرا جدا والنقاشات المشتعلة أبدا عن الشعر والرواية والفكر عموما وعن فني الرسم والخط والموسيقى أيضا وذلك أيضا كان له الدور المهم في إطلاق المدركات الحسية والتشويش على بعضها البعض، وكانت العلاقة بين الأخوة متميزة لا تنافس فيها وكان كل فرد له تمايزه الخاص لكن النقد كان أوفر من الإطراء مثلا لم أستطع أن انتزع إعجاب أخوتي الأكبر بأعمالي حتى ما بعد سن ال 26 ، كانت لنا جلسات  قراءة و طقوس للشعر واللغة، الآن أنظر الى ذلك بعين الدهشة لما كانت فيه الأجواء العامة من سكينة وهدوء، أقصد لم يكن لحديث السياسة والقومية من موضع، الآن أصبحت الأمور أكثر تعقيدا وتركيبا حيث تشتتنا في أصقاع العالم، ولم تعد تلك الأجواء إلا في ذكرياتنا وحل الواقع القاسي محلها، تبعات الحرب والخسارة والتشرد  فرضت نفسها، ذهنيا وعمليا، حتى تجربتي أخذت منحى مختلفاً في العمل الفني كمنظور ورؤية وصيغ فنية مغايرة. لا نريد الاستسلام لأنه لم تعد لنا بيوت بل لم تعد مدينة الميادين أصلا  فهي أنقاض فحسب، الوطن لم يعد ينتمي إلى جغرافية ولا حتى كفكرة وإيمان وهذا زعزع تركيباتنا الداخلية.

مؤخرا قال لي أخي الأكبر إنه رجع إلى الخط وربما أجواء استانبول  لها إملاءاتها أيضا، أخي الآخر (ذواقة العائلة) وهو أكثر من عانى في هذه الحرب سنوات بلا ماء ولا كهرباء، عاش كإنسان بدائي، الآن بعد أربع سنوات تكلمت معه في منفاه بالشمال قال لي إنه رجع يكتب  قصاصات خطية أدعية وأمنيات ويوزعها لبث الأمل في النفوس وقتذاك كنت أنا أكتب على الثلج و أدس القصاصات الحروفية التجريدية في شقوق لحاءات الشجر العملاقة في ضواحي بوسطن.

لعلها الأصالة جاءت من التربية الدقيقة، ومن الهاجس الكبير الذي لازمني منذ الصغر فكنت أقرأ قصص المبدعين وفرادتهم وذلك كان محرضاً كبيراً، فصرت أذهب إلى شاطىء الفرات كثيرا وأتأمل إلى أن تحولت المشاهد حولي إلى أحرف، فصارت حقول القمح الحصيدة كرزم من أحرف الخط السنبلي وهي تتمايل بعنادصار لدي نوع من توأمة الخط مع الرسم وبحثت في التقاءاتهما التشريحية ووافق كل منهما   وربما أعدت للحرف وجوده المادي وأطلقته في الطبيعة.

أسامة إسبر: ما هي المواد التي تستخدمها والتي تساعدك أكثر على التحكم الإبداعي بالحرف؟

خالد الساعي:المواد التي تليق بالحرف هي الحبر والورق وكان اشتغالي الأولي عليهما لكنني رويدا رويدا دخلت قماش الرسم وبقيت أكتب بالقصب عليه لكنني طورت أدواتي كثيرا وخضت تجارب في تحضير الألوان من الطبيعة وفق وصفات متفق عليها تقليدية وتجارب أخرى استخلصتها بنفسي، في ولاية ميشيغان كانت لي تجربة مع السناجب، تجربة شراكة فكانت تأتي حديقة بيتي تأكل الجوز وتترك لي قشرته التي كنت أستخلص منها اللون البني. القماش بحر من التجريب وأيضا الألوان وحواملها من أصماغ لها دور كبير في بحثي لكن بالتجربة والخبرة صرت أرى ما يلائم كل سطح و تقنية لكن التقنية نفسها تقود إلى آفاق قد لا تقع في بال الفنان لذا التجريب والعبث  مهمان بنفس المستوى لاجتراح أماكن و ملامح جديدة للتقنية.الأحبار والألوان المائية والإكرليك هم الأكثر استخداما عندي إن كان على الورق أم القماش وحتى في الاعمال الجدارية

أسامة إسبر: قلت مرة إن الفنان يجب أن يمر في مرحلة طويلة من التدريب حتى ينفتح له الخط، وكأنه يُشرق من داخله، هندسة روحانية، وقد يفشل ولا يُوفَّق أحياناً، لعدم جلاء أفق الخط له، وهذا له علاقة بحالة الصفاء الداخلية، كما لو أن رحلتك مع الخط رحلة متصوف، هل يمكن أن تحدثنا عن مرحلة التدريب التي مررت فيها، عن حالات فشل معينة ساعدت على إعادة النظر والنجاح، ثم كيف تحققت لحظة الإشراق في التجلي الحروفي؟

خالد الساعي: الحرف هو شكل وممارسة، هذه الممارسة تتجلى في التمرينات وهذه التمارين بمثابة رياضة روحية، الخط هندسة روحانية، نعم كنت كثيرا ما أفشل في الدخول لحضرة الحرف، وكانت لحظات كبيرة من الإحباط الذي يشرف بي على الشك، وهذه مرحلة معقدة لها علاقة بالشخصية والإيمان والقدرة على الرؤية بمنظار مختلف، وجود المعلم ضروري لالتماس مواضع الخلل لكنه سيضع يده على الخلل التقني ولكن انفتاح أفق الحرف له علاقة بضبط الإيقاع الداخلي وجعله يتساير مع إيقاع الحرف، بهكذا سلوك يمكن كتابة الحرف بعيون مغمضة لأن الإيقاع صار في دم الخطاط، إن لم نشعر بالموسيقى لايمكننا محاكاة الحركات فحسب لأننا سنكون مقلدين. الإيقاع ينبع من الداخل، كما يقال الحرف حافة  والحرف حجاب   لكنه حجاب لعالم رحب ومهيب، ويجب أن نعبر الحرف لأن أصحاب الحضور يعبرون ولايقفون بالحرف بل يلجون لإيقاعه الداخلي، جوهره. لسنوات كنت أستمتع بالتمرين أكثر من إنجاز العمل لأن متعته دون حسابات بل متعة خالصة، التمرين رياضة روحية، نوع من العلاج والطقس الذي به تزول الشحنات السالبة والغضب تجاه السلام الداخلي.

أسامة إسبر: المتأمل لأعمالك يلاحظ بأن الخط تحرر من سياقه وخلفيته، صار واسع الدلالة، حداثياً وقابلاً للتلقي والتذوق في كل الثقافات، بمعنى أنك تحاوزت المحلية بالخط، هل لأنك حولته من شكل لغوي عادي إلى شكل بصري إيحائي في عالم فني صار فيه إشارة ورمزاً أو دلالة سياقية؟ كيف تصف إضافتك في هذا المجال؟ ما الإضافة التي هي خالد الساعي وليست غيره؟

خالد الساعي: دعمني كثيرا اشتغالي على الأصول واشتغالي الطويل على النص والنص الشعري بشكل أكبر، وبالتالي محاورة المعنى، ولا شك أن هناك عنصرين كان لهما كلمة السر في توجه بحثي تجاه فتح الخط على التعبير أكثر من اعتماده على اللغة القاموسية، أولهما  الإمكانية اللانهائية في صيغ وأشكال الحروف وإعادة التركيب والبناء، هذه المطواعية الشكلية هي الركيزة الأهم، والثانية هي الأفق التأويلي للفن والحرف على وجه الخصوص، فالقراءات العرفانية فتحت آفاق واسعة لي كتأويلات النفري وابن عربي وغيرهم لدلالات الحروف، إن كان على صعيد شكل الحرف أو على مستوى التأويل، والأهم إملاءات شكل كل حرف على حدة  فحرف الجيم  جنة أو جهنم  تبعا لشكل ونوع الخط، جيم الديواني الجلي  جنة وموسيقى وليونة، جيم الكوفي القيرواني كالغضب والعدوانية، جيم خط الثلث تمثل القوة والجمال معا ولونه أسود أو أحمر. هناك إملاءات لأشكال الحروف التي تراكمت عبر تجارب الفنانين الخطاطين لأكثر من ألف سنة. إذا الحروف هي منظاري لرؤية العالم ووسيلة تعبيري الرحبة والتي ما خذلتني.

المحاورة مع المعاني تتجاوز اللغة، وهذا ما دفعني لإيجاد لغة داخل اللغة، لغة بصرية داخل لغة المعجم، لغة يشتغل فيها الخيال ولا تشغلنا الصورة بل ما وراءهاأظن لم يشتغل حروفي من قبل على هذه المعطيات ولا على صعيد الحرف الذي ينبع من قيمته الجمالية الكلاسيكية لكنه يتجاوزها بتوليد صيغ متجددة.

أسامة إسبر: قالت الباحثة الألمانية كارين أدريان فون روكس في كتابها عنك، والذي يحمل عنوان خالد الساعي، إن الفنان الساعي لا يكتب حروفه وكلماته بخط مستقيم، وهو لا يجمّعها في خط أفقي، كما هو سائد، بل يخطها كما لو أنه في فضاء تخيلي، هذا الفضاء التخيلي، ألا يمكننا اعتباره تجاوزاً للحروفية السائدة، أي أن نقلة نوعية حدثت هنا، وأعتقد أن أهمية كثير من أعمالك تنبع من هذا التحويل للفن الحروفي بأكمله. هل كان هناك نقد لتجربتك في هذا السياق، أعني من أشخاص اعتبروا ما فعلته خروجاً على المقدس الحروفي؟

خالد الساعي: أظنه عتبة أخرى للحروفية، لأن الحروفية لايمكن أن تبقى دون تجديد دماء، تجربتي هي إعطاء دفع وفضاء مغاير لمدرسة الحروفية، قد لا أتفق مع التسمية، وقد تكون مجرد اصطلاح، لكن المهم هو القيام بتجديد المدرسة من الداخل، في مرحلة ما اعتبر السرياليون أن سلفادور دالي لم يعد سرياليا لكنه من ساهم بنقلها لمستوى أعلى، الخروج من عباءة الموضوعات الدينية ساهم في تحرر فن الرسم الأوربي من ذهنية معينة، إنه صيرورة في الزمن، ساهمت بالتحرر من الفكر الذي فرضته الموضوعات لكن الأفق الجديد ساهم بصياغة أسس مختلفة لفن الرسم، وبعد ذلك لم يعد الموضوع يهيمن على طبيعة الرسم وأصبحت مسألة إعادة الموضوعات الدينية تأخذ منحى مختلفاً، لكن الأهم هو حرية الفكر وتطوير نظريات الفنالخروج  يساعد في رؤية الأشياء أفضل أو على الأقل كسر الروتين، والقوالب وإتاحة المجال للنقد والتفكر.

أسامة إسبر: ما علاقة الحروف العربية بالأشياء برأيك؟ هل كونها معبرة عن أشياء، يخرجها حتى في شكلها العادي من تجريديتها ويقودها إلى تجسد بصري، هل تقرأ الأشياء في الحروف، ماضيها، أصلها الغامض، ومن ثم توحِّده مع اكتشاف غموض النفس البشرية؟

خالد الساعي: سؤال يتطلب الكثير للإجابة عنه، في قناعتي إن الحروف هي الكون الموازي أو العالم الموازي لعالمنا، فمقولة ( إن الحروف أمة من الأمم ) ليس بتعبير مجازي بقدر ما هو واقعي، يقول التوحيدي  كنا حروفاً عاليات لم تقرأ، يساهم في تكثيف هذه الجدلية وغموضها، أعني أن الكلام  أو الحروف هي الأصل  وهي المآل،  إذ كل شيء سيزول ويبقى الذكر.

اللغة : ألم تكن الهيروغليفية مزيجاً من الصورة والحركة  للتعبير، ثم إن نظام الإعجام بالعربية ألم يكن له بعد صوتي زمني  يراعي مخارج الأصوات وأماكنها وزمنها، أعني تحويل الصوت والحركة إلى شكل؟ لاشك أن هناك كثيراً من الأشكال والصور تسربت إلى أشكال الحروف هي ليست مقاربة جمالية لكنها حقيقة، فحرف العين وإشكالية انتمائه الشكلي إلى العين البشرية، وحرف السين بتعدد أشكاله وهو مأخوذ من السيف تارة أو من الأسنان تارة إلى آخر صيغه، الناظر إلى تسميات هيآت الحروف وتموضعاتها لن يساوره أي شك بأن الحروف كانت أشكالاً والخطاط الفنان حولها وحورها لتكون برزخا بين التشخيص والتجريد  وهذا ما أدعوه بالصورة المضمرة في فن الخط العربي. تحدث أبو عمر الداني في كتابه المحكم عن الحروف، وما حرك أول فضول لدي في الصورة المضمرة هو حديثه عن حرف الألف المدعم بالرسم  فقد حدد سبعة أعضاء لهذا الحرف،رأسها، و صدرها وبطنها وخصرها الخ كأنه يصف جسد إنسان بمنظر جانبي، وهذا من وجهة نظر علم الجمال التقليدي يقع بما يسمى بالنسبة الذهبية وهي القيمة المثالية والناظمة لعلم الجمال، فكل الحروف في خطي الثلث والنسخ تقع ضمن تلك الهندسة، لكن هناك سمات كثيرة ينفرد بها الحرف العربي عن باقي الأبجديات، غير أشكاله وأنواعه اللامحدودة، ألا وهو النظام البنائي لتجاورات الحروف والذي هو بنية تشكيلية غاية في الإدهاش فالحرف يتغير حسب ما قبله وما بعده، إضافة لنظام النقط  والنبرات وهذا ما يعطي مجالاً للمناورة التشكيلية الكبيرة.

لكل حرف سبعة أبعاد أولها البعد الشكلي ثم التشكيلي ثم الموسيقي ثم العددي ثم الرمزي ثم الدلالي ثم العرفاني أو الصوفيالوضوح والغموض أجمل تجليات الفن تقع بين نواسيهما، والغموض السحري للحرف العربي يجعله لغة ساحرة تصل إلى الإطراب الجمالي دون اللجوء لتفسيرات، كأن تذوّب العسل في الشراب.

لا توجد نظرية جازمة عن أصل الحروف العربية تماما، لكن تعالقها مع أخواتها ساهم في مقاربتها، هناك من يقول إن الأبجدية العربية لغة سماوية تحكي قصة أبي جاد (آدمونظرية أخرى بل أسطورة تقول إن نوح حمل الألواح التي كُتبت بها أبجديات العالم وألقاها في الماء إبان الطوفان ثم عادت كل أمة لتجد حروفها لديهاالتوحيدي والنفري ربطا الحروف بحركة الشمس والكواكب ومنازل القمر تلك التي تقارب الحروف الشمسية والقمرية فصارت الحروف شيفرات معبأة  بالمعاني، لكن الرومي يقول الحرف وعاء والمعنى ماء وبحر المعاني من عند الله.

أسامة إسبر: ما الذي يجذبك في الخط الثلث والديواني الجلي؟

خالد الساعي: لعله أبسط وأجمل سؤال. الأشكال إما لينة وإما قاسية  لكن في الليونة قساوة باطنة وفي القساوة ليونة خفية. الخط الثلث أقوى الخطوط وأكثرها توليداً لأشكال الحروف، والديواني الجلي أكثر الخطوط ليونة وانسيابية. إنهما طرفا النقيض،  بل التكامل وأشكال الخطوط الأخرى قد تكون تنويعات لهما.  خط الثلث يمثل الرجل والقوة و التحكم، خط الديواني الجلي يمثل المرأة والرقة والموسيقى. إنهما لغة الشدة واللين،  الشراسة واللطف، الحب والقوة. الثلث لغة السيافين والفرسان، والديواني لغة الطرب والغنج ، ربما لأن برجي  الجوزاء كبرج المتنبي سأبقى حبيسهما.

أسامة إسبر:  في الآونة الأخيرة كرّسْتَ وقتاً لا بأس به للعمل على الجداريات الكبيرة، مثل العملين اللذين نفذتهما في مدينة ولفسبرغ الألمانية، إحدى الجداريات مستوحاة من شعر الشنفرى (لامية العرب) واشتغلت على جداريات وأعمال كبيرة عن إيقاف القتل والتشريد وآلام الهجرة واللجوء كان آخرها بألمانيا في متحف الفن ببون.

سافرت إلى أكثر من 16 مدينة ألمانية وعشتَ و فهمت صعوبات اللجوء والاندماج في المجتمعات الجديدة، هل يمكن أن تحدثنا عن عملك على هذه الجداريات، ما الذي يميزها فنياً، وكيف تفاعل الجمهور معها، وكيف استطعت أن تنقل فيها الحروف من بعدها التجريدي المنفصل إلى لغة تعبر عن معاناة حقيقية على أرض الواقع وهي المأساة السورية بكل تفاصيلها؟

خالد الساعي: ذلك العمل الجداري في متحف الفن في نوينهاوس من أكثر أعمالي قوة  لكن ارتباطه بوطني  وجراحات السوريين والمأساة المستمرة جعله أكثرها تأثيرا. كان الهدف منه إلقاء الضوء على مآسي السوريين في الغربة وتحديات بلدان اللجوء على كل صعيد  لكنه ورطني بسفر طويل جلت فيه معظم بلدان اللجوء وخصوصا ألمانيا ووقفت على آلاف القصص المريعة، رافقتها إحباطات وهواجس على المستوى الشخصي أيضا. أردت أن أحول هذه المعاناة إلى عمل صادم جارح،  العمل بمثابة توثيق بصري لكل المدن التي طالها التدمير والتهجير وتوثيق لكل المجازر التي ارتُكبت. مفتاحا العمل هم القتل والدم القتل ممثلا بالبرميل المتفجر، والدم ذلك السهم الذي يفر للسماء من وسط اللوحة، العمل فيه تدوين بصري كتابي لكل ما جرى على مر ستة سنوات، وأيضا فيه إشارات سابقة للواقع  منها التغيير الديموغرافي  فترى الميادين قرب جسر الشغور وهذا ما حصل من أشهر، في العمل إشارة واضحة للأطفال  فهم أكثر من دفع من فاتورة الحرب الدموية وأيضا هم رمز للاستمرار والنصر لكن اللوحة أيضا هي ذات صبغة إنسانية أكثر من أي شيء. الألوان المهيمنة هي ألوان ما بعد الدمار الرمادي الثقيل والبني المغبر واختلاطهما. أهم شي في اللوحة هو إعادة صياغة شكل اسم كل مدينة حسب حجم تأثرها فمدينة البيضاء قطعت وأعيد توصيلها بشكل يخالف التشريح المعتاد للكلمة ورافق مع صور من المجازر التي تعرضت لها ومضايا أصبحت نحيلة كشبح حالها كحال أهلها الجوعى. الرمزية كانت طاغية على العمل واستعمال أحرف وكلمات غير عربية إنكليزية في الغالب والمانية  ك (من هم المسلمونو(قوة) و (لماذا) والكثير وأيضا إشارة لأن الغرب ليس بريئاً من استحداث الإرهاب فوضعت مقالة عن الإرهاب الغربي لروجيه غارودي. اللوحة فيها مستويات كثيرة ورسائل مختلفة  لكن بالنسبة لي تحقق شيء كبير في تجربتي  وهو أن الحرف صعد لمستوى التعبير عن الحدث ونزل إلى أرض الخراب والقتل وصرت ترى الأشلاء مع الحروف كأن الحروف تخلت عن رواسبها وصارت تشاطر الإنسان نصيبها من القتل والتفظيع فصرت ترى ميما دامية برأسين و دالاً مقلوبة وعيناً مدماة ، أوصال البشر والحروف.

ما نفع الفن إن بقي في الصالونات و بقي يعبر عن ترفنا وخيالاتنا؟ رجل يتمسك بقارب على شكل باء، الحرف قد يساهم بالإنقاذ  كما أن حرباً قد تقع على حرف، الحرف وسيلة تعبيري  ونبضي وأحد أشكال وجودي.

نعم عملت عدداً كبيراً من الجداريات وكانت جداريتيْ مدينة ولفسبرغ من أكثرها طرافة في الموضوع  حيث العملان متقابلان في فضاء عام يتيح لآلاف الأشخاص رؤيته يوميا وهو مكان يدعى محطة الفن وهو ضمن محطة القطار الرئيسية، اللوحة الأولى منه من وحي المدينة وهو قصر الذئب وما فيه من تداخل أسطوري عن الذئب  لكن القصر في غابة مخيفة  لذا عملت اللوحة كمتاهات لونية وتكوينية يتيه فيها الناظر  وتعكس الجمال والوحشة والخوف بألوانها الغنية المتداخلة على أن الذئب مصدر الخوف.

في اللوحة الجدارية المقابلة استلهمت فكرة قصيدة الشنفرى لامية العرب مع تضمينات كثيرة من النص والتي تحكي عن قيم الإنسان الحر المتوحد مع الطبيعة والحيوانات وأهمها استئناس الذئب ومصاحبته والنوم مع الوعول الخ، آخر الصور الوصفية المدهشة لمناخات الصحراء، وكانت اللوحة باللونين الأسود والأبيض المغبرين كاستعارة عن الصحراء وأيضا أصبحت اللوحة على النقيض من مقابلتها لكن اللوحتين نُفذتا بخط الثلث الذي أوصل رسالتين عكس بعضيهما.

إن فترة إنجاز الجداريتين كانت غنية بالحوارات العفوية وفهم عقلية الألمان المتحفظة والطموحة فقد جرت لي نقاشات هائلة معهم وكانت تجربة لاتنسى.

*خالد الساعي khaled Alsaai فنان وحروفي سوري مجدد في مجال فن الخط، وهو من مواليد مدينة الميادين السورية، 1970. تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1998 وحصل خلال مسيرته الفنية على عدد من الجوائز العربية والعالمية، أبرزها جائزة البركة الدولية للخطاطين المحترفين في الدورة الأولى لفن الخط العربي من اسطنبول وجائزة الحداثة في الخط في الدورة الثالثة من بينالي الشارقة والجائزة الأولى بالخط التقليدي في مهرجان الخط العالمي الأول بطهرانكما أن أعماله مقتناة من قبل العديد من المتاحف كالمتحف البريطاني ومتحف دنفر في كولورادو بالولايات المتحدة الأميركية ومتحف سان بيدرو بالمكسيك ومتحف الفن الحديث بالمغرب ومتحف الشارقة لفن الخط. شارك الساعي في كثير من المعارض العربية والدولية، وشارك مؤخراً في معرض في ألمانيا عرض فيه جدارياته عن الحرب السورية.