“(إيم) تفهمني أكثر من بعض البشر، ترد لي المعاملة الحسنة بمثلها وتقدم لي حباً واخلاصاً غير مشروطين، لا تحقد ولا تكذب، تتواصل وتتفاعل معي دون أن تثرثر بأي كلام “، يقول سامي مداعباً شعر كلبته، التي يجد في علاقته معها السلام والعفوية فيما تحولت العلاقات الاجتماعية خلال سنوات الحرب لمعقدة مليئة بالتوتر والضغط النفسي.

يروي سامي “تعبت من الكلام والسجالات اليومية مع الآخرين، فالحرب جعلت معظم الأصدقاء متشابهين في سلوكهم وأحاديثهم، متعصبين لآرائهم ومملّين، عدا عن أن بعضهم تشوه نفسياً وبات يبثّ طاقاتٍ سلبية فيسلبني طاقتي، لذا بحثت عن صديقٍ مختلف في حياتي لم يصب بلوثة الحرب، لا يغضبني ولا يرهقني بثرثرته، فوجدته في كلبتي.”

وبينما أصبحت أيم جزءاً  من حياة سامي وصديقةً لكثير من معارفه، تمكن كلب صغير اسمه سمسم من علاج سناء من اكتئاب حاد أصابها قبل ثلاث سنوات إثر وفاة عدد من أصدقائها المقربين وهجرة آخرين خارج سوريا إضافة للخوف والقلق.

تقول سناء “لم يتذمر (سمسم) من حالتي النفسية ومزاجي السيئ، كان يجثو قربي طوال الوقت وكأنه يواسيني ويمدني بالعاطفة والحب، كما أن صحبته تشعرني بشيء من الأمان والنقاء فأشيح بوجهي عن صورة الحرب وترتاح ذاكرتي من آلامها، فقد منحني ما عجز عنه بعض الأشخاص وبقي قربي طيلة السنوات الماضية بينما ودعني أغلب الأصدقاء.” تمارس سناء المشي مع كلبها وتمضي بصحبته أغلب وقتها الآن فهو “صديقُ مريح ومسل، يفهم طباعي وأمزجتي” بحسب تعبيرها.

أما أبو عمران، فوجد في قطته لوسي فرصةً لكسر قيود العزلة بعد أشهر من العيش وحيداً بصحبة زوجته المريضة التي لا تقوى على مغادرة فراشها. يقول أبو عمران “اجتاح الملل منزلنا منذ أبعدت الحرب أبنائنا الثلاثة عنا وشتّتت أقربائنا وأصدقائنا فخسرنا معظم علاقاتنا الاجتماعية، لكن لوسي خففت من وطأة الأمر إذ أدخلتنا في علاقات إنسانية جديدة ما كنا لنحظى بها لولا وجودها.” ويسرد أبو عمران ما جرى حينما زوج قطته لقط إحدى العائلات فأصبح بينهما علاقة وزيارات متبادلة، كما أهدى بعد ولادتها ثلاثة من صغارها لبعض الأشخاص الشغوفين بتربية القطط ليكسب أصدقاء جدد أيضاً. “وجودها أنقذنا من الصمت والروتين وأضفى الحركة والمرح والألفة على منزلنا الموحش” يؤكد أبو عمران.

حالة مختلفة يعيشها العم أبو أحمد، الذي استعان بالعصافير ليستحضر أجواء الطبيعة في منزله الجديد بمناطق العشوائيات في ضواحي دمشق، يقول أبو أحمد  “منذ نزوحي من قريتي والمدينة تخنقني، فالسماء محجوبة خلف الكتل الاسمنتية، لا وجود للأشجار والمساحات الخضراء ولا يوجد في منزلي أية فسحة للزراعة، فلم أجد حلاً للتأقلم سوى بتربية الطيور، فمعها تمكنت من نسيان واقعي الجديد وعشت شيئاً من حياتي الريفية بروحها وألوانها.”

تعويض عن الأطفال

بالإضافة للوحدة والاكتئاب دفع عزوف العديد من العائلات السورية عن إنجاب الأطفال -خوفاً على مستقبلهم الغامض في الحرب والأوضاع الاقتصادية السيئة- لاقتناء الحيوانات الأليفة للتعويض، مثل شادي وزوجته اللذين وجدا في كلبهما (بيل) تعويضاً ما عن طفلهما الذي لم يأت بعد.

يقول شادي “منذ زواجنا عام ٢٠١٢ لم نعرف الاستقرار النفسي أو المادي، منعتنا الظروف الحالية من تحقيق حلمنا بإنجاب طفل يكسر رتابة أيامنا، إلا أننا ومنذ أحضرنا بيل إلى المنزل ونحن نعامله ونرعاه كطفلنا، ونعتني بصحته وغذائه، كما خصصنا له مكاناً للنوم بالقرب منا وأحضرنا له عشرات الألعاب، ثم بدأنا بتعليمه بعض آليات التواصل حتى بات يفهمنا من الإشارة وبعض الكلمات.” ويضيف شادي “ملأ بيل حياتنا بالفرح والنشاط وبتنا نشعر نحوه بكثيرٍ من الحب والعاطفة، فهو طفلنا البديل حالياً.”

وقد اعتاد أهالي بعض الأحياء الدمشقية على رؤية “زوجان يسيران بصحبة كلبهما المدلل” المتزين ببعض الحلي والإكسسوارات في رقبته وذيله في السنوات الأخيرة.

وإن بقي خيار الإنجاب ممكناً عند بعض الأزواج، إلا أنه أصعب كثيراً بالنسبة لكثيرٍ من النساء، بعد أن أصبح زواجهن أمراً صعباً ومعقداً، نتيجة تقلص أعداد الشباب في البلاد وعزوف معظم من بقي منهم عن الزواج، لذا كان خيار تربية الحيوانات الأليفة “هو التعويض الوحيد عند بعض النساء لتلبية نداء عاطفة الأمومة.” بحسب ما تقول حنان التي تربي كلباً ووبراً فرنسياً. قتل خطيب حنان بقذيفة قبل أشهرٍ من موعد الزواج، وعلى إثر صدمتها تلاشت لديها فكرة الارتباط مجدداً لتخسر فرصتها وحلمها بالإنجاب.

نجوى أيضاً لم تتزوج لكنها حاولت التعويض عن مشاعر أمومتها باحتضان أولاد أخيها إلى أن هاجر مع عائلته خارج البلاد، تروي نجوى “كان أبناء أخي يملؤون حياتي حيث يقضون معظم أوقاتهم في منزلي، لكن الحرب حرمتني منهم بعد حرماني من الأمومة، ولكي أنسى وجع فراقهم أحضرت قططهم الأربع إلى منزلي، أسميتها بأسمائهم، ومنحتها ألعابهم وجعلتها تنام في سريرٍ من أسرتهم، فهي عزائي الوحيد في غيابهم.”

ظاهرة وعلاج

ازداد إقبال السوريين على اقتناء الحيوانات الأليفة في الحرب أضعافاً مضاعفة، خاصة من قبل بعض الأزواج والنساء وكبار السن، ولم يعد الأمر محصوراً بالحيوانات المعتادة كالكلاب والقطط، فهناك من يقتني السلاحف والوبر الفرنسي وبعض أنواع الأرانب، إضافة للطيور المتنوعة والقردة صغيرة الحجم وغيرها.

ويعزو الطبيب النفسي غسان ذلك لتغيير الحرب لسلوك وأمزجة الكثير من الناس الذين باتوا يميلون إلى قلة الكلام والابتعاد عن بعض العلاقات الاجتماعية التي تذكرهم بآلامهم وخسائرهم وبمصير البلاد المجهول،. ويقول الدكتور غسان “لا تسلي الحيوانات الأليفة فقط، وإنما تربيتها تساعد في علاج أمراض القلق والاكتئاب والعزلة، إذا يجد بعض حاملي تلك الأمراض صعوبة في التواصل مع الأطباء النفسيين، فيعالجون أنفسهم فطرياً عبر تربية الحيوانات، فهي تتقبلهم بكل حالاتهم النفسية، كما أن انشغالهم بالعناية والاهتمام بها قد ينسيهم شيئاً من ضغوطهم ومشاكلهم النفسية، التي قد يذكرهم بها بعض من حولهم.”

كما يلجأ البعض إلى تربية الحيوانات كونها تعزز الثقة بالنفس والرضا عن الذات وتمنح الشخص بعض التوازن والأمان بحسب الدكتور غسان، فهي “تخفف من التوتر والانفعال الزائد وتساعد في تحسين المزاج، وبما أن الحيوان المنزلي يحتاج إلى المشي يومياً، فهو يساعد صاحبه على الخروج والحركة وممارسة النشاط الجسدي، وهو ما يحتاجه بعض المرضى” كما يقول. ويرى بذلك أن “معظم السوريين ممن يقتنون الحيوانات الأليفة يفعل ذلك ليستعيض بها عن مضادات الاكتئاب.”