أنهت الحرب السورية عامها العاشر بصمت عسكري شبه مطبق، لتحل مكانه مشاكل الاقتصاد التي طفت على السطح كنوع من الأوضاع الصعبة والتي يبدو أنها ستكون طويلة الأمد، فقرار الصباح الاقتصادي ينسفه قرار الليل الأشد وطأة، حتى صارت حياة السوريين من سيء لأسوأ مع مضي كل يوم واقتراب كل غد، وسط غياب تام للحلول وافتقار الداخل لسبل معالجة ما يمكن الاصطلاح عليه بأنّه كوراث بات من المستحيل حلها، فالمشكلة لا تكمن في عدم توافر البنزين وغلاء سعره وانتظار الأيام على “طوابير” محطات التعبئة، بل تجاوزتها الأزمة لتشمل كل مستلزمات الحياة. الغلاء وحده هو المشهد المسيطر في البلاد التي لا يتخطى راتب موظفها في أفضل الأحوال 20$، في حين يتطلب توفير أبسط مستلزمات الحياة ضعف هذا الرقم بعشر مرات على الأقل.

الانهيار الاقتصادي

نشرت الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر عام 2020 تقريراً حول الواقع السوري يتناول الثماني سنوات الأولى من عمر الحرب السورية وخلصت فيه إلى أنّ خسائر الاقتصاد السوري بلغت حتى ذاك الوقت نحو 442  مليار دولار.

كذلك فإنّ قطاع النفط تكبد خسارات هائلة تقدر بنحو 92 مليار دولار بحسب تصريحات لوزير النفط والثروة المعدنية “بسام طعمة” أدلى بها تحت قبة البرلمان في شباط/فبراير من العام الفائت. وبحسب تصريح الوزير فإنّ ما يقارب 80 برميلاً من أصل 89 برميلاً يتم إنتاجها يومياً كانت تستخرج من المناطق خارج سيطرة الحكومة السورية، ليطرح الوزير مقارنةً مع ما كانت تنتجه سوريا في عام 2010 والذي قارب نحو 400 برميل نفط يومياً.

وأيضاً انخفض راتب الموظف الحكومي أكثر من مئة بالمئة وتدهورت قيمة الليرة السورية حوالي مئة ضعف أمام الدولار الأمريكي في السوق السوداء والذي وصل عتبة 4700 ليرة سورية قبيل منتصف آذار/مارس الفائت مقابل كل دولار أمريكي واحد، لتتحسن الليرة في نهايات الشهر المنصرم وتسجل 3700 مقابل الدولار. بينما حافظ المصرف المركزي على سعر الصرف بمعدل 1250 ليرة سورية مقابل الدولار الواحد، وهو رقم لا شك يعتبر رفاهية اقتصادية مواربة، فكل شيء يتم تسعيره في سوريا على قياس السوق السوداء، بدءاً من الإبرة والخيط وصولاً للعقارات، مروراً بكل ما يلزم للمعيشة من أساسيات ورفاهيات، الأساسيات التي ارتفع سعرها قياساً بالليرة السورية بصورة متفاوتة ما بين خمسين ومئة بالمئة.

الكارثة بالأرقام

قالت نقابة عمال المصارف في دمشق في الشهر الأول من العام الحالي عبر بيان تلاه رئيس النقابة “أحمد حامد” خلال المؤتمر السنوي للنقابة إن “خسائر الاقتصاد السوري بلغت حتى الآن أكثر من 530 مليار دولار، أي ما يعادل 9.7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد عام 2010”.

وأشار التقرير أنه “في ظل الحرب قد انعدمت التنمية التي أوصلت أكثر من 80 بالمئة من شعبنا إلى خط الفقر وما دونه، وباتت المجاعة تلوح في الأفق بالرغم من الجهود المبذولة على مستوى الحكومة”.

وأضاف التقرير أنه “حتى هذه اللحظة لم تقدم أي مبادرات حقيقية لتجاوز الأزمات التي نعيشها اليوم بل ازداد احتكار الثروة في أيدي قلة قليلة من المستفيدين على حساب الشريحة الكبرى من المجتمع وأخلّت الحكومة بمسؤوليتها عن واجباتها في إمكانية النهوض بالقطاع العام وإصدار القرارات لتشجيع القطاع الخاص على استثمارات حقيقية ما أدى إلى توقف نشاط المستثمرين الاقتصادي وإغلاق منشآتهم والهجرة خارج البلاد مع أموالهم التي سببت خسائر للاقتصاد الوطني.”
فيما قدرّ التقرير نسبة الدمار في البنية التحتية بنسبة تخطت 40 بالمئة.
وبحسب الأمم المتحدة فهناك أكثر من 13 مليون سوري بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة، وبحسب برنامج الغذاء العالمي فهناك نحو 12.5 مليون سوري في الداخل يكافحون بشتى السبل للحصول على طعام يكفيهم ليومهم، وكذلك أشارت منظمة “أنقذوا الأطفال” عن وجود ما يقارب 60 بالمئة من الأطفال الذين يعانون من الجوع.

وتتحدث المفوضية العليا لشؤون اللاجئين عن ملايين السوريين الذين هاجروا خارج بلادهم، والنسبة الأكبر باتجاه دول الجوار، ثلثهم من الأطفال، وهو ما يشي بحجم الكارثة الاقتصادية والتخلخل المجتمعي الذي أدى لتشظي الناس، بعد الأخذ بعين الاعتبار أنّ المعارك هي الفصل في ملف الهجرة، إلّا أنّ ذلك لا يعني أن العامل الاقتصادي لم يلعب دوراً مؤثراً وأساسياً في الإطار.

وبحسب دراسة أعدها المركز السوري لبحوث الدراسات فإنّ نسبة الفقر ارتفعت في سوريا من 1% في عام 2010 إلى نحو 86% من السوريين مع نهاية 2019.

وأضافت الدراسة أنّ سوق العمل فقد ما يعادل 3.7 ملايين فرصة عمل، وبالتالي رفعت الخسارة الضخمة لفرص العمل نسبة الإعالة الاقتصادية من 4.13 أشخاص لكل مشتغل في عام 2010 إلى 6.4 أشخاص في عام 2019.

أرقام صادمة

أصدرت منظمة world vision، وشركة frontier economics، تقريراً مشتركاً حول الواقع الاقتصادي السوري، وقالت فيه إنّ الخسائر حتى اليوم بلغت 1200 مليار دولار أمريكي، وفي حال توقفت الحرب اليوم فستستمر الخسائر الاقتصادية حتى عام 2035 بواقع 1400 مليار دولار إضافي، أي تصبح الخسارة المجملة 2600 مليار دولار أمريكي، وبإضافة ملف الحرمان من التعليم والنظام التعليم فقد يصل الرقم إلى 3100 مليار دولار أمريكي.

في الشارع

ليس من الصعب، بل يكاد من المستحيل عدم ملاحظة الأوجه المكفهرة في الطرقات، الناس يعيشون تحت وطأة غضب عارم سببه الفقر والحاجة، فتذبذب أرقام البيع والشراء في المتاجر للأساسيات يختلف ما بين الصباح والمساء. يتعامل التجار (الصغار منهم والكبار) بالدولار ويضعون الأسعار على أساسه، في عملية مداورة لحظية يدفع المواطن ثمنها في فرق ارتفاع الأسعار نحو الأعلى. أما في حال تحسن سعر الصرف، فإنّ الأسعار تبقى على نفسها، ما شكل عبئاً وضغطاً إضافياً بات لا يطاق لذوي الدخل المحدود، وبالمجمل فإنّ كل السوريين تقريباً هم من ذوي الدخل المحدود، أو معدمي الدخل.

في البقالية ارتفع صوت المهندس رامي .د في خلاف مع البائع الذي طلب منه ثمن “صفد” البيض 7 آلاف ليرة، لينتهي الخلاف إلى عدم شراء المهندس للبيض، ليكمل سيره متأففاً من الغلاء، وفي حديث خاص عن تجربته يقول: “يحدث هذا كل يوم، بل وكلّما أردت شراء شيء من الأساسيات لأسرتي، الغلاء لا يصدق، أعمل موظفاً بشهادتي لثماني ساعات يومياً لأتقاضى راتباً بحدود 50 ألفاً، هو لا يكفي لأول ثلاثة أيام بالشهر، هو حرفياً لا يكفي هذه الأيام”. يتساءل رامي عن المصير المقبل، وما الذي ينتظر السوريين: “أنا يائس، لا شيء ينبئ أنّ حلاً اقترب أو يقترب، نحن في كل يوم يستجد نصبح فقراءً أكثر”.

لا يبدو الحال أفضل بالنسبة لميساء .ن (ربة الأسرة التي تعيش وزوجها وطفلها على راتبه الذي يتقاضاه من عمله الخاص)، وعن وضع أسرتها تقول: “صحيح أنّ راتب زوجي أفضل من رواتب الحكومة بقليل، ولكن ماذا سيكفي؟ سينتهي في بضعة أيام قليلة، نحن نعيش مستندين على أهلي، لولا أنهم يساعدوننا في المصروف لكنا الآن في الشارع نتسول ربما، أنا أقول الحقيقة، نحن ستصل بنا الحاجة إلى هناك”. وتؤكد ميساء أنّها لم تجد حلاً بعد بحث طويل بينها وبينَ زوجها سوى الهجرة خارج سوريا والبدء بحياة جديدة.

ومن جهته، يقول أبو سعيد صاحب بقالية في دمشق: “ما ذنبي أنا إذا كنت أشتري من التاجر الكبير بسعر الدولار في السوق السوداء، لستُ سعيداً أنني أبيع بهذه الأسعار، فأنا أولاً وأخيراً مجرد صاحب بقالية صغيرة، مثلي مثل هؤلاء الناس، لكنني أيضاً أريد أن أعيش، لست سعيداً ولكن كيف سأعيش إذا بعت بخسارة، كل الناس تشتمنا وتلومنا، ولكن ماذا نفعل، هذا قضاء على الجميع”. ويختتم حديثه بتمنيه أن يتحسن سعر الصرف لئلا يظل يتحمل نظرات الناس التي تشعره بأنّه يجني منهم أكثر مما يستحق بكثير.

ويشترك العديد من الأشخاص الذين التقيتهم بنظرتهم عن انعدام شرود توافر الحل الذي يمكن أن يحسن الوضع قريباً، ويجمع هؤلاء الأشخاص أن الأفق مبهم والأمور تسوء يوماً بعد يوم، ولا شك أن رأيهم صار يمثل السواد الأعظم. وهذا لا يعني بطبيعة الحال عدم وجود أشخاص متفائلين، وهم أشخاص يعتقدون أنّ الحل سيأتي عاجلاً أم آجلاً، وسيحمل معهم أياماً مريحة، إلّا أنّ هؤلاء الناس نفسهم يئنون تحت وجع الحاجة والفقر، ومثلهم كل البلاد تئن قبالة طبقة فاقت في ثرائها كل ما هو متوقع، الحرب برعت في خلق الأمراء الجدد، الأمراء المتباهين بثرواتهم فوق فقر السوريين وعوزهم.

قبل الحرب

بحسب الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي والمكتب المركزي السوري للإحصاء كانت سوريا صاحبة واحد من أعلى معدلات النمو العالمي بالنسبة للدول النامية عشية اندلاع الحرب في آذار/مارس 2011، إذ كانت تنتج حوالي 85 بالمئة من أغذيتها ودوائها واحتياجاتها وتصدر منتجاتها إلى أكثر من 60 دولة. وكانت سوريا تحتل مرتبة بين الدول الخمس الأولى في إنتاج القطن وتربية المواشي وتنتج من الحبوب ما يصل إلى 6 ملايين طن سنوياً ما كان يؤدي لفائض عن حاجة السوق المحلية والذي كان يتم تصديره. ووصل راتب الموظف الحكومي إلى قيمة تتراوح ما بين 300 إلى 600 دولار أمريكي في عام 2010، بحسب ما أورده تلفزيون dw مفصلاً.

إضافةً إلى النشاط السياحي الكبير الذي وصل حدّ استقبال نحو 8 ملايين سائح سنوياً حوالي عام 2010، مع توافر كل الاحتياجات الأساسية من نفط وغاز وبنزين وتعليم وطبابة وأدوية وخبز وأرز وسكر مقابل أسعار لا تشكل شيئاً قياساً بالدخل الجيد حينها.

 في ظل كل هذه المعطيات بين الأمس واليوم يمكن الاستنتاج بأنّ الواقع السوري بات مشوهاً اقتصادياً واجتماعياً ما يستدعي البحث في حلول ووضع خطتين واحدة قصيرة الأمد لانتشال ما يمكن انتشاله وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وأخرى طويلة الأمد لتستعيد سوريا القدرة على إنتاج احتياجاتها وتحقيق الاكتفاء المعيشي لسكانها، وهو ما يبدو أنّه بحاجة سنينٍ طويلة ليتحقق، ولتعود سوريا لتحظى بمكانتها الانتاجية السابقة كمصدِّر لا مستورد، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ عقوبات “قيصر” الأخيرة جعلت الكثير من الملفات الاقتصادية أكثر تشعباً وتعقيداً في ظل واقعٍ غير مستقرٍ ومدمّرٍ بالأساس.

Photo credit: Mohammad Alzain, Shutterstock*