عندما كنت أغادر إحدى الخمارات في منطقة باب شرقي بدمشق القديمة، قبل الرحيل عن سورية أواخر العام 2015، كنت قد وصلت قرب الباب العتيق الفاصل بين الشارع المستقيم في المدينة القديمة والبيوت الدمشقية الجميلة وطريق السيارات العام، كنت أشاهد بحزن سحب الدخان الأسود والحرائق المتصاعدة من أطراف مدينة جوبر، ثم أعبر باب شرقي باتجاه موقع ميكروباص جرمانا عند مفترق طريق المليحة، عند الزاوية أمر بجانب جامع له مئذنة طويلة جداً، تطل على كل المدينة، تحت المئذنة تماماً ثمة باب للجامع وآخر لمقر يدعى “معهد الفتح الإسلامي”، وفيما بعد علمت أنه معهد “شرعي إسلامي” وتحت عين السلطات السورية ويساهم في تقديم حوافز دراسية مع تعزيز قدرات الطالب في الجانب “الإسلامي” وبقي السؤال يراودني: معهد للعلوم الدينية؟ ومعاهد الأسد لتحفيظ القرآن؟

والكثير من الجمعيات الخيرية والتنموية والدينية النشطة قبل الثورة، ترى ماذا قدمت للمجتمع السوري من تطور وتغيير؟ ما شأن الدين بالفتوحات الفكريّة التي ندعيها كبلد يعتبر مدنياً؟ لماذا لا يوجد معاهد للفتوحات الشعريّة والمسرحيّة والروائيّة والفنيّة؟ معاهد لتحفيظ الشّعر والقصص الأدبيّة؟ جمعية لنشر الكتب وتوزيع علوم الأدب من مختلف أنحاء العالم؟ لماذا كان للدين كلّ تلك الحفاوة؟ وكيف أصبح “إمام” الجّامع، قائداً لسمعة شباب الحارة؟! من وضع الوصاية وصكوك الأخلاق والتربية بيد عمّال الدّين؟ ولماذا ثِقل المدن السوريّة سكانياً هو أحياء عشوائيّة ومخالفات وينشط فيها الدّين على حساب الثقافة والفكر المتنوّر المتعدّد؟

الجّامع مفتاح الغضب ومقتله!

مع غياب أيّ دور سياسي فكري للمبادرات الأهليّة والشعبيّة في سورية منذ عقود، ظهر إلى السطح منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، شكل واحد للخصومة السياسة ضد السلطة، ألا وهو المرجع الدّيني، فتشكل الوعي الشعبي على ما يجتهد به الشيوخ والدّعاة من أفكار وتفاسير تخدم “الإسلام السّياسي” وتجعل تجريبه فرصة بعد وصول العسكر إلى الحكم عام 1963، والمقصود هنا عسكر حزب البعث، وفي الضفة المقابلة الشعبيّة نشطت الحركات الإسلاميّة في سورية وخصوصاً تلك القادمة من فكر جماعة الإخوان المسلمين، ولو نظرنا إلى المشهد السّياسي منذ تسلم العسكر الحكم تحت رعاية وزير الدفاع في حينها حافظ الأسد، سوف نكتشف أن كل أشكال الحياة السياسيّة رسم لها كيان ومبدأ واحد هو المرجعية العسكريّة، والتي برغم عنفها وقربها إلى سدّة الحكم، إلا أنها لم تكن توازي النّشاط الديني الذي راح ينمو بقوة في الأوساط الاجتماعيّة معتمداً على دعم الفقراء والطبقات المتوسطة، وبات للجامع تأثيره الأقوى في الشارع السوريّ، الأمر الذي دفع “البعث” لبناء منظومة دينيّة موازية تسبّح بَحمدِ القائد والجيش وتنشر الدّين الذي يليق باستقرار النّظام وتجذره، وهذا ما نلاحظه في مباهاة البعث المستمرة أنه يبني الجوامع ودور العبادة على اختلاف أطيافها ومذاهبها، ولكنه يغلق أي نادٍ ثقافيّ أو سياسيّ ما لم يكن قد حصل على الموافقة “الأمنيّة”، وبالتالي وجد لدينا ما يعرف بقانون الطوارئ الذي أنهى الحياة السياسية تماماً في سورية حتى انتقلت أي مبادرة معارضة وسلميّة إلى موضع الاتهام والخيانة لأنها تستحضر التاريخ الأسود الذي سطّرته أحداث الإخوان في الثمانينات إلى أذهان الناس، إبان عسكرة “الطليعة المقاتلة” للمعارضة في حماة، وحسب توجيه السّلطة وتصنيع “بعبع” العنف الإسلامي، وتلك الشماعة كانت أقوى أسلحة النظام لصبغ الهويّة السياسيّة بالدّين “غير المغضوب عليه” من القائد.

أصبح الجامع مكاناً للقاءات وتقارب الناس مع بعضها وفرصة للمخبرين لمعرفة توجهات الأهالي مع انتشار الأعداد الكبيرة من الجوامع في سورية بتوجيه مدروس من النظام، وعندما اشتعلت الثّورات العربية، لم نكن نرى مظاهرة تخرج من مسرح أو مقهى أو نادي سياسي، لم نكن نسمع شعارات ثورية بقدر ما هي ذات جذور دينيّة، وكذلك الأمر في سورية التي استيقظت فجأة على الغضب الشعبي، وراح الشارع ينادي “الله سورية حريّة وبس…!” شعار أنجبه الجامع وثقافته التي لا تقبل النقد، وتؤيد “الدعاة ممن يحفظون القرآن والسنن والأحاديث المحمدية!” وهي بطبيعة الحال ثقافة تنويم أصبحت فطريّة، يعتمد عليها الإسلام السّياسيّ لاستنهاض عواطف النّاس واستثمارها في أي انتفاضة شعبيّة ليكونوا في المقدمة، وتجربة إخوان مصر، خير دليل على ذلك الفشل السياسي! ولكن، هنا في سورية الأمر مختلف كلياً، فالنظام أسّس وساهم ببناء الجوامع والمعاهد الشرعية وجعل بذور “الجّهاد” حاضرة منذ غزو العراق، فتح باب التطوع تحت شعارات دينية، لكشف الجّهاديين في سورية من الإخوان وسواهم، وفيما بعد اعتقل كل من أفرزته تلك الثقافة من مقاتلين سياسيين، فور عودتهم من العمليات العسكرية ضد الجيش الأمريكي في العراق، وبقيت الثورة- المعارضة، رهن الدين والمرجعيات المزعومة التي توجهه.

لو افترضنا أن الثقافة كمفهوم ثوريّ تنويريّ، يطالب بالتغيير السلميّ ويحترم الخصومة السياسيّة، إذ لا يبحث هذا المفهوم عن ماهيّة الأديان، بل يعتبرها ثقافة اعتقادية روحانيّة خالصة وتخص الفرد وحده، لا تعمم على المجتمع، غير قابلة للتداول أو التّحشيد الشعبي، ولكن لطالما كان أصحاب الدين يعتقدون أنفسهم هم الصّواب والحلّ بالكتب المقدسة التي يؤمنون بها ويشرعون منها فقط! ولعل تجربة “تنظيم الدولة” و “جبهة النصرة” والفصائل الإسلاميّة “المعارضة” التي تقول بأنها سورية، قد أثبتت مساهمتها الكبيرة في تدمير الثورة وتشويه الهويّة السورية، هؤلاء كانوا يشترطون على الأتباع أن يؤمنوا غيبيّاً ومذهبيّاً، وأن تكون عقيدتهم تابعة لجملة من “مجالس الشورى” بينما نرى أن الثقافة لا تحتاج للدين كبوصلة لتقوم بالتّغيير، إنّما تحتاج للانفتاح على الجميع، بلا عنف جهاديّ عقائديّ، فقط بالحجة والدليل العقلي المادي الملموس، وبالمحصلة هي تعتمد على المعرفة وترحّب باختلاف الأديان، لأنها ترى الدين، كما أسلفنا، ثقافة روحانية منزلية لا يمكن المتاجرة بها وقيادة المجتمع عبرها.

حين تظاهر السوريون من الجوامع منذ اللّحظات الأولى، صبغوا الثورة بالشكل الديني، وأبعدوا المدنيّة عن طريقهم، فتنشّط الدعاة والشيوخ والجماعات الإسلامية للتدخل والبحث عن تمويل ودعم سياسي لاستثمار بيت أسرارها وصلتها مع الناس: الجامع! فكان ما كان، بدأت الثورة بالجامع ووصلت إلى فصائل متشدّدّة وأخرى تريد تحكيم شرع الله، وثالثة تعتقد أن هناك مدنية إسلامية معتدلة (…) فقط كي ترضي الآخرين، وحين تصل للحكم سوف تسحق كل من لا يؤمن بفكرها “الإخواني”.

ربّما قتل السوريين حلمهم حين كانت فرصة الانتفاضة تنادي بالحرية والعدالة والمساواة والمدنيّة، لأنهم طيلة العقود الماضية كانوا قد أصيبوا بالتدّجين الفكري، لا تجربة سياسية حقيقية وأحزاب تقود الحراك.

الجامع، معبد إسلاميّ لا يمكن أن يقود حراكاً سياسيّاً، لقد سَخِرت المعارضة والكثير من الشخصيات السياسية “الطارئة” من تعليق الشاعر السوري أدونيس حين قال: “لا أخرج في مظاهرة سياسية تخرج من الجامع” هو المقتل الواضح الذي نستنتج منه أن الدولة السورية حتى اليوم هي دولة قائمة على تشريعات الإسلام من دستورها إلى قوانين الأحوال الشخصية والنفوس والتربية والميراث ونظرة الدين للمرأة…إلخ، فكيف لا يكون الجامع هو بوصلة السّلطة لتنويم الشعب، لكن ذاك الجامع احتقن وألهب الشوارع السورية بالمظاهرات، لتصبح الثورة بعد أشهر تنادي “يا الله ما إلنا غيرك يا الله” أين السّياسية في ذلك يا سادة، أين الثورة في قاموس ينتظر من السماء أن تحل همومه؟ مع خالص احترامنا للإسلام والمسلمين، إلا أن ذلك لا علاقة له إلا بالقضاء على هوية المجتمع المدني، هوية المجتمع السوري، وذلك ما تم منذ العام 1963 ولا زال، والنتائج المدمرة الآن هي حاصل طبيعي لكل ذاك الاحتقان الديني وتراكم الجهل السياسي لكن بإضافة بسيطة هي خطاب “البعث الإسلامي”.

العنف وملعب الدين والمواجهة

أستغرب ممن يقول إنّ النظام السوري واجه المظاهرات بعنف شديد! هل كان النظام لطيفاً وحضاريّاً ومنفتحاً ويقبل الآخر- السلمي، قبل ذلك مثلاً، بالتأكيد: لا! وهذا لا يعني السكوت عن المواجهات الإجرامية بحق العزل أيام المظاهرات السلمية، إلاّ أنّ العسكرة التي تم جرّ الثورة السورية إليها، كانت غاية النّظام الأولى حتى يصبح لديه مبررات لسحق الاحتجاجات والمناطق الخارجة منها أمام الرأي العام وحلفائه الدوليين، معللاً ذلك بأنّ لديه “عصابات مسلّحة” غير قانونية وتثير الفوضى، يقتل باسمها ويعتقل وينشر التلفيقات والمفخخات التي يراها مناسبة لخدمة مصالح بقائه، ومع تلك التلفيقات نشط الدّين في جانبه الإسلاميّ، وخصوصاً بعد الإفراج من قبل النظام السوري عن مجموعة كبيرة من أخطر الشخصيات المتهمة بقضايا “سياسية” ولها مرجعية دينية متطرفة من جماعة الإخوان المسلمين والتيارات الجهادية والسلفية، وهي التي أسست الفصائل الإسلامية، وكان مقرها الجغرافي والأيديولوجي “سجن صيدنايا”.

هل لاحظتم أن المعتقلين السياسيين الذين ليس لهم انتماءات دينية تؤثر على نضالهم الفكري، قد بقوا في أقبية المخابرات؟ لأنهم يفكرون بلا عنف، ويعرفون معنى النضال الثوري السّلمي الذي حُرمت منه الثورة السورية بعد أشهر قليلة من انطلاقها، وذهبت إلى أيدي الجهاديين وأصحاب الأحزمة الانتحارية والعمليات “الانغماسية” إحدى أبرز هويات الإجرام لدى “النصرة” و “داعش”.

لم يكن يعلم الشارع السوري، ربّما أنّ رفع لافتة في الطريق والتظاهر دون سلاح هو أقوى ضربة يمكن أن توجه لنظام الحكم العسكري، لأن الذهنية السائدة هي مواجهة العنف بالعنف المفرط، وهذا ملعب العسكر الذين منذ تسلمهم البلاد وهم حريصون على لحظة تسلّح الخصوم بعد بناء جيش عقائدي حزبي، والتجذر الشديد بالدول المحورية في المنطقة، مع حلف الأنظمة التي تدعي “الاشتراكية” مثل روسيا الاتحادية! التي لاتزال تلعب ذات الدور في تسليح النظام ودعمه دولياً لأنه حليفها الأخير في الشرق الأوسط.

إذاً تعتمد السلطة في سورية منذ سنوات على مقابلة المشكلات السياسيّة، بافتعال تداعيات خطيرة في الشّارع، وجرّبت ذلك أثناء الثورة السورية، حتى أصبح الافتعال، واقعاً! والمقصود هنا الجماعات الإسلاميّة المرتهنة للدول الداعمة للإسلام السياسي تارة، وللبحث عن موطئ قدم لها في الحصة الجغرافية لبلاد الشام مثل الولايات المتحدة- إيران- تركيا- إسرائيل- وروسيا، هي دول فاعلة بقوة عبر المليشيات المتقاتلة على الأرض. ولكن المثير في الأمر أن تتماهى السلطة في سورية منذ بداية الثورة لكشف هوية المجتمع السوري الذي عملت على تعديل مخيلته ودفعه نحو التديّن، فوجدت الحلّ مثلاً بإطلاق قناة إسلامية من التلفزيون السوري الرسمي من وسط ساحة الأمويين وهي قناة “نور الشام” التي تبث أفكاراً دينية تخدم مصلحة النظام، على اعتبار أن الصراع بوجهة نظر الشارع والمجتمع هو صراع ديني، حسب رأي النظام! الأمر الذي يبرر الفتاوى المستمرة بقتال أبناء الديانة الواحدة الذين اختلفوا قليلاً بأمراض تدعى “المذاهب الدينية” وبالتالي أصبح المجتمع الذي اشتغل عليه حزب البعث مكشوفاً للهشاشة الفكرية ويتدخل في تسييره من يريد، ذلك أن النّواة الأساسية التي اعتمد عليها هذا الحزب هي الدين بالمرتبة الأولى وكسب الشخصيات الدينية في وزارة مخصّصّة لهم ضمن حكومته، هي “وزارة الأوقاف” وهنا نتذكر: أليست هي ذاتها الوزارة التي كانت تسمح لأئمة كانوا فيما مضى يقيمون “الدروس الإسلامية” والجلسات “الدعوية” عبر الراديو والتلفزيون الرسمي والجوامع والمراكز الدينية إياها التي تحدثنا عنها بداية، بينما الآن نراهم في تركيا يقفزون في المجالس “الشرعية” حيث تقود ما بقي من فصائل إسلامية في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة السورية؟

الثورة فضيحة الهوية

لا بد من فِكر… نظرة للتجارب الثوريّة القائمة على أفكار يساريّة مثلاً، وتنظير ثوري جديد لقراءة الثورات؛ لا بد من مراجعة جديّة للثورة السورية من أجل الوقوف إلى جانب هذا الشعب العظيم الذي أنجب حضارات منذ آلاف السنوات ومع تقدم الزمن بدأ يعود -بفضل السياسيين والطغاة- إلى التخلف.

إن “الفتوحات الدينيّة” ليست فكراً، بقدر ما هي مرجعيّة لغيبيات روحيّة قد تجعل معظم الناس في راحة من أسئلة الوجود والهوية، وهي لا تحل مشكلات سياسية مرهونة بالحاضر وتبدلاته المستمرة؛ وفي سورية، السلطة الحاكمة اخترعت ديناً خاصاً بها، والشارع تمرّد عليه، فيما بعد، صنع ديناً خاصاً به، وسجون المتطرفين الذين كانوا تحت عين السلطة وجدوا من الشارع فرصة لتطرفهم وتسليحهم فسحقوا الحياة السورية في الداخل وشتتوا الشعب إلى جانب نظام لا يرى سوى البندقية والقائد قاموساً للحوار ولا هوية له إلا القتل والأنانية، القتل الذي أورثه لخصومه حتى أصبحنا في غابة وحوش كاسرة من معارضة ومولاة وحلفاء من دول العالم يمدونهم بالسلاح والمرتزقة.

بالمحصلة الدين يفشل أمام السياسة، لأن كل مفهوم قائم هو على طرف مغاير للآخر في الحياة، لا يمكن أن يلتقيا، وتوحيدهما في جسم اجتماعي واحد أوصلنا للذي نحن به الآن في سورية، الدين أصبح شُبهة وتشدد وتطرّف، لقد لوّثته الغايات السلطوية، والسياسة أصبحت عسكرة وتحالفات دولية ونسيت أن تطور المجتمع، والشعب أضاع هويته المشوهة، دفعها إلى الجحيم في ثورة لازالت تبحث عن قادتها السياسيين بعيداً عن الكتب المقدسة ومن يلحقها من تجار الدين.