* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

تنهض السخرية من سباتها، تحرك الدم في عروقها، هذا أوانها، والساحة مكشوفة ومتاحة.

السخرية ليست نظرية ولا علماً إجرائياً بقواعد ناظمة، هي حياة موازية، نسق عيش يناور ويداور ويحتكر اللغة ويتحكم بالمشهد، مدعياً أنه الأقوى والأكثر حضوراً ومعرفة ونفاذاً.

جارتي تربي الدجاج على سطح البناية؛ بالأمس وهبتني سبع بيضات بلدية صغيرة الحجم؛ قالت لي: الدجاجات تحب طبخك الذي ترسلينه لهم. أضحك وأتساءل فقط عن الطريقة التي عبرت بها الدجاجات عن إعجابها بطبخي! على باب بيتها تقف جارتنا وتستمع لحديثنا، توجه الكلام لي وليس للجارة مربية الدجاج وتقول: لدي القليل من المجدرة المحمضة، هل يمكن تبديلها بكم بيضة بلدية لأطفالي؟ أُجيبها سنسأل الدجاجات عن رأيهن بطبخك وبعدها نتخذ القرار!

تصرخ سيدة “حرامي حرامي”. يندفع شابان متواجدان في المكان، يمسكان بفتى سرق محفظة صغيرة من حقيبة السيدة، يضربانه بشدة. فجأة، تبدأ السيدة بالصراخ وهي ترجوهم التوقف عن ضربه قائلة: “لقد سرق محفظة الأدوية اليومية ومحفظة النقود مازالت في أمان في زاوية الحقيبة”. يتركانه موجوعاً ومقهوراً، حتى سرقته التي دفع ثمنها ضرباً وركلاً كانت سرقة فاشلة وبلا جدوى.

تغيرت اليوم لغة باعة الخضار، لانت وتلونت بالسخرية المرة أيضاً، يقول البائع للسيدة: “خدي راحتك واختاري أصغر وأطرى خسة”. بات من الصعوبة بمكان شراء كل ما نريده. نصحها قائلاً: “اشتري الضروري فقط!” ضحكت وقالت له: “كله ضروري ويولد الغصات”، فأجابها: “غصة عن غصة تفرق”. اشترت خسة صغيرة وعندما رفضت أن يمنحها البائع كيساً خاصاً للخسة الضئيلة، قال لها: “قلبي أعلمني أن قلبك أطرى من الخس”. يضحكان وفي الوجدان تسري دفقة ساخرة.

توقف الناس عن السؤال عن سعر البضائع اليوم، حمى الأسئلة أفقدتهم وعيهم، لا داعي للسؤال طالما أننا لن نشتري. سألت سيدة البائع عن سعر مسحوق الغسيل، فأجابها: “واوا يا ماما”. قالت له “اتركه في مكانه يتلوى من العزلة.”

دمشق اليوم خالية من وسائل المواصلات، يوم الجمعة يوم عطلة الباصات العامة الكبيرة، لكن على مواقف الحافلات، يبدو الناس مشغولين بمونولوج داخلي، تدير الحوار وهي تكلم نفسها علناً، هل تواصل السير مشيا على الأقدام، هل تعود إلى بيوتها، هل تمشي بعكس مسارها وتعود إلى الخلف أملاً بمقعد فارغ،. يختلف أب وابنته عن أفضل طريقة لتأمين النقل، تصرخ به قائلة: “سأشتري ورقة يانصيب لأتمكن من شراء دراجة هوائية ولن أرافقك أبداً في مشاويرك المفلسة.”

على الزاوية رجال الشرطة يدفعون سيارتهم بأيديهم، يبدو أن البنزين قد نفذ منها أيضاً وعليهم تأمين ركنها على الزاوية تماماً حفاظاً على دورها المطلوب وكحماية ومستقر لهم.

في السوق الطويل وعلى عربات الملابس البالية، تقف النساء وتساوم الباعة على تخفيض الأسعار. يشكو البائع من وجع ظهره ومن السرقات التي تتزايد كل يوم. تشتري سيدة كنزة لوالدة زوجها، ترفض الابنة الفكرة من أساسها، تنصح أمها بأن تمنح الجدة قيمة الكنزة ويكفي. تعلق الأم قائلة: “سبحان الله، ثمة ما يمنعني عن إعطاء جدتك ليرة واحدة”. كانت تسخر من موقفها الدائم على ما يبدو، وأردفت: “عيب على الكنة أن تمنح عيدية نقدية لحماتها”. وتكمل: “على أبيك فك حزامه ودفع عيدية لي ولأمه”. كان رد الفتاة لاذعاً وساخراً حين أعلنت بأن أباها مستعد الآن لنسيان اسم أمه واسم زوجته ليهرب من عيدية عيد الأم لضيق ذات اليد وضآلة قيمة موارده.

على مقعد حجري في إحدى الحدائق الجرداء، يلعب بعض الرجال المتقدمون في العمر دق طاولة زهر، يقترح أحدهم أن يلعبوا على أساس شرط مادي يقتضي أن من يخسر عليه شراء النمورة للمجموع. يرد أحدهم نمورة ودفع مصاري ، معنى ذلك الإسعاف إلى المشفى فوراً جراء ارتفاع نسبة السكر في الدم بسبب النمورة وبسبب خسارة المال. يواصلون اللعب وأحدهم يؤكد لجاره بأن ابن جيرانهم يفكر بدعوة أصدقائه للعب القمار في بيته ليلاً مقابل المال. أحد الرجال  المتحلقين حول طاولة الزهر، يقسم بأنه سيخرب لهم البيت على رؤوسهم. أما الجار الآخر فيقول: “الجار أولى بالمعروف، إذا سمح لنا بالمشاركة أو المتابعة مجاناً، سنكون له من الشاكرين.”

يقص شادي أوراقاً من دفتر مدرسي مرمي في الشارع يوزع على أقرانه الأوراق قائلاً: هي مصاري! يتبادلون لعبة الشراء وكأنها عملية حقيقية، الكل يطلب بسكويتاً وكولا، إلا شادي يصر على شراء ظرف ثلاثة بواحد وهو مكون من نسكافيه وسكر ومبيض قهوة وهو مشروب غير صالح للأطفال أصلاً، يبرر رغبته قائلاً: “الثلاثة بواحد دواء لوجع الرأس”. يسأله رامي: “وجع رأس؟” يؤكد شادي كلامه قائلاً: “نعم رأسي يؤلمني من شدة التفكير بقلة النقود.”

على الدكة الحجرية في الزقاق الشعبي، تجلس مرح وآية، فتاتان في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر، تعلن آية لمرح ودون مقدمات بأنها رفضت عريساً يحاول أبوها فرضه عليها للزواج، تضحك مرح بخجل وتقول مازلنا أطفالاً، ترد آية: “ناقصنا هموم!”

تنادي أم آية ابنتها طالبة منها الصعود إلى الغرفة التي تعيش فيها عائلة آية المكونة من خمسة أشخاص ضمن منزل متداع تسكنه ست عائلات، ترفض آية دعوة أمها وتصرخ: “ما بدي أتزوج”. يضحك الصبية الصغار ويصرخون: “آية عروس، آية عروس.”

تحاول إحدى الجارات إقناع أم آية بأن تزويجها خطأ كبير وغير مبرر. وتجيب أم آية: “الغرفة تحتاج فراشاً ناقصاً لتتسع لنا والحياة تحتاج فماً مغلقاً وغائباً ليتقلص جوعنا؛ لكن الجارة تؤكد رأيها الرافض لتزويج الطفلة وتقول لجارتها: “غداً ستعود آية وعلى حضنها طفل سيكون لزاماً عليكم تأمين فراش أوسع لهما، وربما سيتوجب عليكم استدانة ثمن الحليب لطفل لا خيار له حتى في التكون والحياة.”

تنهض السخرية من سباتها، تتراشق السباب والشتائم مع الصامتين والمنكرين لحضورها، لم تعد السخرية لغة ولا مجرد طريقة استعراض كلامية، تحولت لنموذج حياة، كفتيل الشمع، يذوب ليمنح بعضاً من ضوء باهت وخادع ويوحي بالقوة، حيث لا قوة تبقت لأحد، تتآكل الوقائع ويفتك الضعيف بالأضعف.