طلب صديق وائل (٢٢عاماً) منه أن يصوره وهو يحمل السلاح (بارودة روسية)، وأثناء التقاطه للصورة سقط السلاح من يد الصديق فجأة وانطلقت منه طلقة لتستقر في صدر وائل مودية بحياته.

“كان حادثا مؤلماً، لا يغيب عن مخيلتي” يقول عُمر الذي لم يكن ليتوقع يوماً أن يقتل صديقه المقرب والذي كان على موعد من زفافه بعد أيام، ومنذ ذلك اليوم الذي صادف ٨ نيسان/ابريل ٢٠١٦ وعُمر مصاب باكتئاب شديد، كما اضطر أهله لدفع مبلغ وقدره ثلاثة ملايين ليرة سورية دية لأهل وائل الذي قضى على يد ابنهم.

واتجه العديد من مدنيي إدلب نحو اقتناء الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في منازلهم، ضمن سياق أمني واحترازي، إذ تسبب الوضع الأمني المتردي منذ عدة سنوات في مناطقهم لبقائهم في حالة من التأهب الدائم، إلا أن شراء السلاح لغرض الدفاع عن النفس تحول لأغراض أخرى وتسبب بالعديد من الحوادث المؤلمة بعد أن أصبح بإمكان أي كان شراء أي نوع منه.

حياة فاطمة القاسم (٢٣عاماً) دُمرّت أيضاً إثر إصابتها بطلق ناري أطلقه زوجها أثناء شجاره مع أقربائه، إلا أن طلقة مسدسه التي انطلقت بالخطأ استقرّت في ظهر فاطمة متسببة لها بشلل تام.

تروي فاطمة ما حدث معها قائلة “اعتاد زوجي على إشهار سلاحه عند أي مشاجرة باتت تواجهه، ولطالما حذرته من أن يقتل أحدهم خطأً بتصرفاته تلك، ولكن مالم أكن أتوقعه أنني سأكون أولى ضحاياه”، وبعد أن تسبب الزوج بشلل فاطمة عمد إلى تطلقيها ليتخلص من الإنفاق على علاجها والعناية بها.

وتنتشر المحلات التجارية التي تبيع وتصلّح مختلف أنواع الأسلحة الفردية في مناطق سيطرة المعارضة في الشمال، وهي تؤمن لزبائنها كل ما يطلبونه من أسلحة أو عتاد أو لباس عسكري بسهولة بالغة ودون رقابة.

أحمد العبد (٤٠عاماً) تاجر سلاح ومالك لإحدى هذه المحلات، وهو يبرر انتشار هذه الظاهرة بالقول “نحن في وضع حرب، والأسلحة ضرورية إن لم تكن للمشاركة في دحض النظام الظالم، فمن أجل الحماية الشخصية ضد الخطف والسرقة”؛ مضيفاً “لقد فتحت محلي هذا نظراً لإلحاح الناس بطلب السلاح في وقتنا الراهن، وبالوقت ذاته فهي تجارة تعود عليّ بربحٍ جيد”. أما عن حوادث القتل والإصابات التي تسبب فيها انتشار السلاح، فهو يرى أن هذا يحدث عن طريق الخطأ و ليس من مسؤوليته، وإنما من مسؤولية من يقوم بحيازة السلاح دون دراية باستخدامه ومعرفة مدى خطورته على أولاده والناس من حوله.

في معرة النعمان وحدها يوجد أربع محلات لبيع االأسلحة، امتهن أغلب أصحابها هذه المهنة لكسب رزقهم ولخبرتهم في مجال الأسلحة، وتختلف أسعار السلاح بحسب نوعه، فمثلاً البندقية الروسية “الكلاشنكوف” تترواح أسعارها ما بين 250 دولاراً أمريكياً وحتى 1000 دولار أمريكي، وتختلف أسعار رصاص هذه البندقية بحسب سعر الدولار، ويبلغ سعره حالياً حوالي 75 ليرة سورية للرصاصة الواحدة. ويتراوح سعر رصاص المسدس ما بين 200 ليرة سورية وحتى 1200 ليرة سورية، فيما تترواح أسعار المسدسات ما بين 500 دولار وحتى 2000 دولار.

الشاب بلال (18 عاماً) من اليافعين الذين يتباهون بحملهم السلاح بحجة أنهم منتمون لإحدى الفصائل، في حين أنهم يحملونه فقط بقصد إظهار قوتهم أمام أصدقائهم والعامة، وقد تعرض بلال مؤخراً للاعتقال من قبل الجهات الأمنية نتيجة إطلاقه النار على أحدهم متسبباً له بإصابة بالغة.

يقول أبو محمد (38 عاماً) وهو من أهالي المنطقة بأن هذا الأمر “خطير جداً، فهؤلاء الشباب الطائشون لا يتوانون عن إشهار السلاح بوجوه بعضهم حتى عند أتفه الأسباب”، ويوجه أبو محمد باللوم على قادة الفصائل والجهات الأمنية في المنطقة لعدم قدرتهم على ضبط السلاح ومنع الخروقات والتصرفات الرعناء التي تحدث.

ويتساءل أبو محمد “ألا يكفي بأن المواطن السوري أصبح عرضة للموت بأي لحظة بفعل طائرات النظام، ليأتي احتمال الموت أيضاًقصداً أو عن طريق الخطأ على يد حاملي السلاح المستهترين والكثر في المنطقة”.

من جهته يوضح أبو العباس (31 عاماً) وهو قيادي في فصيل معارض بأنهم غير قادرين على منع المدنيين من اقتناء السلاح لحماية أنفسهم، ويقول “كثيراً ما نجد جثثاً لضحايا السرقة والاغتيالات هنا وهناك، ولهذا فإن المواطن العادي هو المعني بحماية نفسه ضد أي خطرٍ ممكن أن يواجهه”. ويشير أبو العباس إلى وجود عناصر أمنية لضبط مثل هذه الجرائم،غير أن جرائم القتل والانتقامات تتم في الخفاء والمناطق الخالية من السكان، لذا فإن كل شخص بحاجة لحمل السلاح طالما “أننا في وضع حرب وفوضى” بحسب تعبيره.

وفي الوقت نفسه فهو يحذر من عواقب الاستخدام العشوائي وغير المسؤول والذي يؤذي مقتني السلاح ومن حوله.

 وقد أنقذ اقتناء السلاح حياة العديد من المدنيين ممن تعرضوا لمحاولات سرقة واغتيال، كمحمد البيوش (40عاماً) أحد أهم تجار العقارات في المنطقة، الذي باغت اللصوص بإطلاق النار عليهم مما أدى لهربهم واصابة أحدهم، وهو ما مكن الجهات الأمنية من إلقاء القبض على بقية أعضاء العصابة.

ويروي البيوش ما جرى معه قائلاً “لقد تعرضت لمحاولة اغتيال وسرقة من قبل بعض أصحاب النفوس الضعيفة، ولولا اقتنائي للسلاح في ذلك الوقت والدفاع عن نفسي، يعلم الله ماكان سيحل بي”.

ويطالب العديد من أهالي ريف إدلب بوضع حد لانتشار السلاح بين المدنيين بعد أن بات الخوف من إصابة طائشة أو مقصودة ملازماً لهم في المشاجرات العديدة التي تنشب في الأماكن العامة.

 ومن أجل مواجهة الظاهرة وأمام عدم تدخل الفصائل للحد منها أطلق ناشطون حملة “لا للسلاح بين المدنيين” للتأكيد على خطورة انتشار السلاح بين السكان، وشملت الحملة ملصقات وكتيبات توعوية تم توزيعها في المدارس والمراكز الطبية والجوامع والحدائق العامة والأسواق وأماكن التجمعات السكنية.

وتضمنت البوسترات التوعوية عبارات مثل: “مجرد رؤية السلاح في الشارع هو خطر!”، “لا تدخل بسلاحك الى المساجد فهي للعبادة وليست للقتال”، “المشافي والصيدليات والمراكز الطبية هي من أجل خدمة الأهالي، وزيارتها ممن يحمل السلاح ولو بنية طيبة تسبب خطراً شديداً على المدنيين”، “الحدائق العامة وملاعب الأطفال هي أماكن للراحة والشعور بالأمان، سلاحك يدعو للقلق أبعده عن الأطفال”، “المناطق السكنية يجب أن تكون خالية من السلاح” وغيرها.

ورغم الجهود المدنية للحد من انتشار السلاح، إلا أن اقتناءه مازال في ازدياد، متجاوزاً “الحاجة للدفاع عن النفس”، ليصبح أداة رئيسية للاستعراض خلال الأعراس والاحتفالات العامة وأثناء تشييع القتلى، إضافة للاغتيالات وتصفية الحسابات الشخصية.