أعادت الحادثة الأخيرة التي حصلت مع الشيخ حكمت الهجري في السويداء طرح العديد من الأسئلة عن دور الزعامات الدينية (متمثلة بمشيخة العقل) في السويداء ومدى تأثيرهم في المجتمع، وكذلك عن طبيعة علاقتهم بالسلطة الحاكمة وفروعها الأمنية. وكان الشيخ حكمت الهجري قد تعرض لإساءة وكلام بذيء من رئيس فرع الأمن العسكري في المنطقة الجنوبية عندما اتصل به الشيخ للتوسط والإفراج عن معتقل لدى الأجهزة الأمنية في محاولة لاحتواء الخلاف وحل المشكلة وخصوصاً بعد أن قام أقارب الموقوف بقطع الطريق واحتجاز بعض العساكر والضباط  للضغط على الأجهزة الأمنية والإفراج عن قريبهم. لم تكن حادثة التوقيف التعسفي بالجديدة وكذلك الأمر بالنسبة لرد فعل أقارب الموقوف، فكثيراً ما تكررت هذه الحادثة في السنوات الماضية نتيجة لحالة الفوضى والانفلات الأمني التي تشهدها المحافظة، لكن الجديد في القصة هو الإساءة المباشرة التي وجهها رئيس فرع الأمن العسكري للشيخ الهجري ضارباً بعرض الحائط مكانة الشيخ الاجتماعية والدينية وما يمكن أن ينتج عن ذلك من ردود فعل لدى مجتمع السويداء، في مشهد يذكرنا بما حصل في درعا ببداية 2011 عندما أهان “عاطف نجيب” وجهاء درعا في حادثة تُعد سبباً مباشراً لاندلاع الاحتجاجات يومها.

انتشر الخبر بسرعة في المدينة، وبدأت ردود الفعل الغاضبة تظهر علناً من خلال تجمع بعض الحشود في قرية قنوات أمام منزل الشيخ الهجري والمطالبة برد الاعتبار له، بالإضافة لحالة الاستنكار الكبيرة التي شهدتها المدينة رافضة ما حدث ومطالبة بمحاسبة رئيس الفرع وإقالته من منصبه والاعتذار الرسمي من الشيخ مهددين بتصعيد الموقف. بالإضافة لقيام بعض الأشخاص بتمزيق صور الرئيس في بعض الشوارع والساحات كرد فعل أولي على ما حدث.

بدورها أدركت السلطة في دمشق خطورة الموقف وخصوصاً بعد أن اجتمع في مضافة الشيخ الكثير من وجهاء المدينة وقادة الفصائل المحلية مطالبين بعدم السكوت عن الإهانة، بالإضافة لاستغلالهم الفرصة للحديث عن مسؤولية السلطة عن تردي الأوضاع المعيشية والخدمية في المدينة وحالة الانفلات الأمني الكبيرة التي تشهدها السويداء. وكانت واضحة حالة الاحتقان والاستياء الكبيرة التي وصل إليها المجتمع، فما كان من السلطة إلا أن بعثت بوفود رسمية لمنزل الشيخ الهجري كان على رأسها المحافظ وقائد الشرطة وأمين فرع حزب البعث في المدينة لامتصاص غضب الشارع وحل المشكلة والاعتذار له.

ولاحتواء المشكلة قامت الأجهزة الأمنية بالإفراج عن المعتقل الذي حدثت المشكلة بسببه. وسرت أنباء غير مؤكدة عن اتصال رئيس الجمهورية بالشيخ للاطمئنان عليه والتأكيد على اللحمة الوطنية في موقف اعتبره البعض اعتذاراً رسمياً من أعلى هرم السلطة. كما انتشرت إشاعات عن إقالة العميد لؤي العلي من منصبه لكنها لم تؤكد أو تنفى حتى الآن، ونتيجة لذلك أصدر الشيخ الهجري بياناً أكد فيه على انتهاء المشكلة وحلها وشكر فيه من وقف بجانبه من أبناء المدينة.

فعلت الحادثة فعلها في مجتمع السويداء، وأثارت موجة ردود متباينة حولها سواء من خلال المواقف الصريحة أو حتى على مواقع التواصل الاجتماعي. وأدت إلى طرح الكثير من الأسئلة عن دور رجال الدين والزعامات التقليدية وعلاقتهم بالسلطة الحاكمة.

بعض الآراء كانت حادةً جداً وغاضبة من رد فعل الشيخ على الموضوع، فبحسب رأي مجدي (موسيقي وفنان تشكيلي، 53 عاماً) فقد اعتبر أنها “لا ترقى أولاً إلى موقف الناس الداعم له وثانياً أظهرت الشيخ بموقف الضعيف الذي يبحث عن رد اعتبار له من ضابط في الجيش متناسياً حجم مركزه ومكانته الاجتماعية”. ويضيف مجدي موضحاً بأن الموقف برمته عار على الشيخ وعلى كافة الهيئة الدينية في المدينة: “فالكرامة لا تتجزأ أبداً ولا يمكن اختصارها بإهانة لفظية من ضابط أحمق، وكأن ما يجري في عموم المدينة من فلتان أمني وفقر وانتشار الجريمة والجوع وغيرها من المشاكل لا تعنيهم ولا تعني كراماتهم بشيء، الأجدى أن يكون الموقف لحفظ كرامة الناس التي هُدرت في طوابير الذل والجوع لا أن تختزل بموقف شخصي كهذا”. ويتابع قائلاً: “لذا يبدو من الواضح جدا أن موقف الشيخ الهجري ليس إلا محاولة لرد الاعتبار وأن تضخيم الحدث كان مقصوداً لتأديب الضابط المسيء، وهذا ما يفسر تراجعه السريع عن موقفه ودعوة الناس للملمة الموضوع بعد أن حصل على حقه على حسب قوله”.

 إلا أن هناك من يرى الأمر من زاوية مختلفة تماماً، ويعتقد هؤلاء أن الموقف برمته كان مدبراً ومقصوداً من قبل الجهات الأمنية التي افتعلت كل القصة كبالون اختبار لمعرفة ردود أفعال الناس في السويداء ومدى تماسكهم. يخبرنا (عامر36 عاماً) وهو أحد الشيوخ الشباب المقربين من الهيئة الدينية العليا: “الشيخ الهجري هو أكثر الشخصيات الدينية قرباً من السلطة، وما حدث كان لتسليط الضوء عليه أكثر وكسب تعاطف الناس معه لتقوية مكانته ودوره في السويداء، وأن الموقف ليس إلا استعراضاً مقصوداً لقوة ونفوذ الشيخ الهجري الذي يعتبر نفسه شيخ العقل الأول  للطائفة الدرزية، وتكريسه كواجهة أساسية على حساب باقي الزعامات الدينية والتقليدية ولا سيما بعد أن تكشفت العديد من الخلافات داخل المؤسسة الدينية ذاتها في أكثر من ملف وقضية كالموقف من حركة رجال الكرامة مثلاً وقضية توزيع المساعدات الخارجية التي جاءت من دروز لبنان وفلسطين وغيرها من القضايا التي عمقت الخلاف والتنافس بين الزعامات الدينية.” ويضيف أن السلطة قد: “تقصدت أن تظهر ضعيفة وخاضعة على غير العادة في محاولة لتخفيف الاحتقان المتزايد في شارع السويداء اتجاهها وتفريغه في قضية الشيخ الهجري، وهذا ما دفع الحكومة أيضاً لطرح تسوية للمتخلفين والفارين من الخدمة العسكرية في المحافظة، والتي كان من أهم شروطها التعهد بعدم التظاهر ضد الدولة في ذات الوقت التي تحاول فيه تهدئة الأوضاع قبل الانتخابات الرئاسية في الصيف القادم”.

يحكم العلاقة بين الزعامات الدينية التقليدية وبين السلطة الحاكمة العديد من البروتوكولات المحددة والواضحة، ولطالما عبر الناس عن ذلك بوصفهم الشيخ بأنه قوي وذو حضور مميز أو إنه ضعيف لا قيمة له ولا موقف. وغالباً ما كانت تبنى هذه التقييمات على مدى قرب الشيخ من السلطة أو من الناس فالشيخ القوي هو من يقف مع أهله ومجتمعه بوجه استبداد السلطة الحاكمة والعكس صحيح، لذا لا يزال المجتمع يحتفظ بذاكرته الجمعية لقصص ومواقف الزعامات الدينية والتقليدية فيما مضى ويتغنى ببطولاتها وشجاعتها. وهو بالضبط ما يفسر حالة النكوص الكبيرة التي تحدث للمجتمع في الأزمات التي تلم به مطالبة شيوخ العقل بأخذ دورهم في المجتمع وخاصة عندما لا يوجد بديل لهم من الشخصيات المدنية أو السياسية.

حاول شيوخ العقل في السويداء بناء موقف محايد ووسطي مابين المجتمع من جهة والسلطة من جهة أخرى وخصوصاً خلال سنوات الحرب الماضية وما رافقها من تعقيدات كثيرة في موقف السويداء ابتداءً من مشكلة المتخلفين عن الخدمة العسكرية وانتهاءً بالمشكلات الأمنية والاقتصادية الحادة التي تعيشها المدينة اليوم. فلطالما عرف عن المؤسسة الدينية سياسة مسك العصا من الوسط ومحاولة الحفاظ على استقرار الأوضاع في المدينة ما أمكن وتجنب الصدام المباشر مع السلطة، ولكن يبقى السؤال الأهم إلى أي مدى نجحوا بتحقيق ذلك فعلاً!

 أخيراً لا بد من القول أن كثيراً من الناس في السويداء قد أصيبت بالإحباط جراء ما أفضى إليه الحل النهائي للمشكلة في الوقت الذي كان الجميع يعول على الموقف ويلتف حول الزعامات الدينية كمحاولة ولو يائسة لتغيير الحالة المزرية التي وصلت لها المدينة لكن على ما يبدو إن للشيخ حكمت حسابات أخرى شخصية وضيقة وبعيدة عن هموم الناس.