لم يكن ليخطر ببالي يوما أن أعيد قراءة قرار مجلس الأمن 1325 الخاص بالمرأة والقرارات اللاحقة به بعين امرأة تحيا في ظل الحرب، ولم أره بعد إعادة قراءته في نهاية ٢٠١١ كما رأيته من قبل. فأن تكون بلدك تحت ظل الحرب، يعني أن تصبح كل اهتماماتك البحثية متعلقة بما يخدم قضية البلد وعما يمكن أن يتم توظيفه والاستفادة منه بما يناسب الوضع الخاص للحرب.

كانت شؤون المرأة كلها تعنيني كامرأة تعيش في دول العالم الثالث حيث توجد أردأ القوانين بحق النساء على مستوى المجتمع الذكوري سلطةً وشعباً، بقوانينه وممارساته وأعرافه وتقاليده. ورغم حساسية تلك القضايا وأهميتها، لكن يبقى العمل عليها ممكناً، والوصول لنتائج متاحاً، ولو كان بطيئاً وبطيئاً جداً. أما تحت ظل الحرب فتتغير الأولويات لتتصدرها شؤون طارئة نتيجة تضاعف سوء وضع النساء في ظل الحرب، والإمعان في تهميشهن، وتعرضهن المضاعف للعنف.

تصبح تساؤلات عديدة هاجساً يومياً، كيف يمكن حمايتهن؟ كيف يمكن توفير احتياجاتهن الخاصة؟ ثم كيف يمكن إشراكهن في عمليات الحفاظ على الأمن وبناء السلام، ومن ثم ضمان تمثيلهن لإسماع صوتهن في عملية تسوية الصراع. كيف يمكن ضمان تواجدهن في جميع مستويات صنع القرار كشريك متساوي لمنع الصراعات وحلها وتحقيق السلام المستدام.

ليس هناك أفضل من القرار 1325 وما لحقه من قرارات للنظر في كل تلك الأولويات والبحث عن مخارج لها، والمطالبة بتطبيقها، وحسب معرفتي الخاصة فقد بدأت المنظمات الدولية والعالمية بإلقاء الضوء على القرار وضرورة إشراك النساء السوريات منذ نهاية عام ٢٠١٢. وتتالت الدعوات لتفعيله والحديث حوله من كل الاتجاهات، وترافقت بمؤتمرات ودورات تدريبية تدعو لضرورة تضمين النساء في العمل السياسي الآني والمستقبلي.

كانت كل تلك الدعوات، الحكومية تارة وغير الحكومية تارة أخرى، تطرح الموضوع وتتناوله بشكل نظري لا تخرج نتائجه عن إطار الورق المكتوب، ولا يتم تفعيل تلك النتائج على أرض الواقع بطريقة منظمة تمكن من الوصول لنتائج حقيقية وليس نظرية. وإن تم القيام بأي مشاريع مبنية عليها فلا يتجاوز تأثيرها العشرات، بتأثير آني سرعان ما يزول دون أن يبني نتائج أو ينجز خطوات باتجاه الهدف المنشود. وفي أحيان كثيرة تكون بعض النساء عاملاً معطلاً، فمنهن من كن يشاركن وهن لا يؤمن بمدى أهمية مشاركة النساء في العمل السياسي ومراكز صنع القرار، ولا في بناء السلام، ولا أهمية أن يكن شريكات متساويات ومتكافئات في جميع المراحل، بل ربما يعتبرن الرجال قوامين على النساء. ومنهن من لم تكن تطرح نسبة مشاركة في مراكز صناعة القرار بأكثر مما وهبت سلطة الديكتاتور لهن (١٢%).

كثيرات قابلتهن لم يكن يعين خطورة الوضع الذي كان يتم أحياناً إلقاء الضوء عليه؛ فيُقللن من حجم أثر الحرب الكبير على النساء والفتيات والأطفال، ويطرحن القضايا وكأن الحرب ستنتهي بين ليلة وضحاها، ويؤكدن أننا لن نحتاج للتفكير في كل القضايا التي طرحتها القرارات المتعلقة بوضع النساء في ظل الحروب بدءاً من القرار 1325 وما لحقه.

في ظل السنوات السبع الماضية، ونتيجة لآثار الحرب الواضحة على النساء السوريات جميعهن، بات من الضروري والمستعجل طرح وضع خطة عمل واضحة لتفعيل القرارات الأممية المتعلقة بالنساء، فلا يمكن الاعتماد على العمل العشوائي والمتناثر وغير المثمر. باتت الحاجة ماسة للعمل المنظم، بعدما تعرّضت النساء السوريات في كامل المجتمع لآثار النزاع بشكل مباشر، إن كان على صعيد كونهن أمهات أو أخوات أو بنات أو زوجات أو حبيبات، أو على صعيد كونهن مواطنات سوريات يحملن قضايا رئيسية يدافعن عنها وأهدافاً مهمة يسعين لها. ودون خطة عمل منظمة لن تتمكن النساء من الوصول لنتائج مرضية، إن كان فيما يخص تحسين وضعهن، أو الوصول لحقوقهن أو في إحلال السلام وحل النزاع .

تتطلب خطة العمل مشاركة كل السوريات بعيداً عن الخلافات السياسية والانتماءات الضيقة، فمن الصعب بل من المستحيل إحلال السلام دون مشاركة حقيقية لكل السوريات على امتداد مناطق سوريا للوصول إلى سلام شامل ومستدام. دونهن جميعاً ستبقى النار تحت الرماد ومن الممكن أن تشتعل من جديد مرة أخرى، إنهن الأقدر على الوصول للأسرة والتأثير في آلية تفكير أفرادها ودفعهم باتجاه العمل الجدي لإحلال الأمن والسلام في كافة المجتمع.

ورغم أن القرار 1325 لم يقدم خدمة مباشرة للسوريات، لا في خدمة النساء والفتيات في أوقات النزاع، ولا في حمايتهن من تبعات النزاع المسلح، لكنه يبقى قراراً مهماً يؤكد على الدور الهام للمرأة في بناء السلام وحفظ وتعزيز السلام والأمن، وعلى ضرورة مشاركة النساء في كل مراحل عملية السلام .

رغم سوء العمل على القرار 1325 في الوضع السوري، حتى من “الأمم المتحدة” التي حولت دور النساء من فاعلات حقيقيات، لمشاركات نخبويات غير فاعلات في شؤون السياسة، كما فشلت في فرض تبني قضايا النساء في الدستور والقانون من قبل كل أطراف النزاع. وفرغت “الأمم المتحدة للمرأة” المبادرات النسوية من مضمونها بالمطالبة بالعدالة والديمقراطية والسلام العادل، وحولت دور السوريات من حاملات قضايا رئيسية وهامة وشاملة، لحمامات سلام ولو كان هذا السلام هشاً وسطحياً ومجرد فقاعة.

عند النظر لشمولية القرار نرى بوضوح قدرته على التغيير وأهميته، وكيف يمكن استثماره لخدمة النساء آنياً ومستقبلياً، وكيف نستطيع عبره تنظيم تحالفات وشبكات نسوية ضاغطة لتنفيذه ولدعم النساء حيثما تواجدن.

كيف ستتمكنّ السوريات من العمل عليه إن لم يوحّدن جهودهن ويحرصن على تنفيذه؟ وكيف سيحملن قضايا النساء إن لم يدركن حقوق الإنسان عامة وحقوقهن خاصة ويؤمن بها؟ والأهم كيف سيتمكن من إحلال سلام عادل وشامل ومستدام إن لم تكن دولتهن دولة ديمقراطية وقانون وعدالة ومواطنة متساوية؟ كل هذا يمكن ان تطرحه خطة العمل وتلم به وتعمل عليه، وبالتالي تستطيع أن تضع خططاً وآليات للتنفيذ، ومن هنا تأتي أهميتها وضرورتها.

حول المرأة السورية والأمن والسلام:

قدمت المرأة السورية ولا تزال الكثير من التضحيات وعانت من الاضطهاد والعنف بمختلف أنواعه وأشكاله من جميع الأطراف، ولا زالت تتعرض للانتهاكات والمخاطر وتعيش تحت هيمنة الفكر الذكوري على المجتمع. وتعتبر النساء هن الضحية الأولى لانتهاكات حقوق الإنسان في الأسرة والمجتمع والدولة وأطراف الصراع المسلحة بمختلف توجهاتها الدينية والسياسية. واليوم يواجهن تحدياً مضافاً لاضطراب وضعهن الأمني والجهل بالزمن اللازم لاستقرار سورية. إنه الخوف فيما إذا استقر الوضع ولم تكن النساء قادرات بعد على الانخراط في العمل على تغيير نظرة المجتمع للنساء، ولم تشاركن على صعيد متساوي ومتكافئ في مراحل التغيير والعبور نحو الاستقرار والحفاظ على بنية المجتمع.

لهذا على السوريات أن يحظين بكل الدعم للعب دور رئيسي ومركزي في العديد من المستويات، وتبني قرار 1325 حد فاصل للوصول الى حقوق النساء وقضايا الأمن والسلام؛ فهو يفتح المجال أمامهن للإدلاء برأيهن والمشاركة بأفكارهن للضغط على صانعي القرار لتغيير سياسات العنف الدموية القائمة والقوانين التمييزية بما يحقق لهن المساواة الحقيقية والمواطنة الكاملة المتساوية. ويطالب القرار 1325 أطراف النزاع باحترام حقوق النساء ودعم مشاركتهن في مفاوضات السلام وفي مرحلة ما بعد النزاع. ويعد وثيقة قانونية بالغة الأهمية تدعو إلى زيادة نسبة تمثيل النساء في كل مستويات صنع القرار لتتمكن من المشاركة الفاعلة في آليات منع الصراعات وإدارتها وحلها.  

لكن يُعتبر تطبيق القرار 1325 ودعمه التحدي الأكبر الذي تواجهه النساء السوريات في المرحلة الحالية؛ وذلك لغياب دور النساء في صنع القرار السياسي الوطني، وإقصائهن عن العمل السياسي الحقيقي. رغم أن الواقع يتطلب ضرورة وجود النساء في الساحة السياسية بشدة ليشاركن في صناعة القرار الحالي والمستقبلي، وليتمكن من المشاركة في صناعة مستقبل سوريا بما يخدم المجتمع بشكل عام، وقضاياهن بشكل خاص.

نحن اليوم بأشد الحاجة لتفعيل دور النساء الذي طالما شل حركته عوامل كوضعها في الدين ونظرته لها، وتبني المجتمع لأعراف بالية، وتسلط المجتمع الذكوري، والخوف والضعف الناتج عن عدم وجود مجموعة قوية من النساء قادرة على خلق القرار والبيئة المناسبة لإنهاء حالة التفرد والتسلط وإقصاء النساء في المجتمع.

الفرصة المناسبة مُتاحة للعمل على تنفيذ قرار مجلس الأمن 1325 ووضع خطة عمل وفقه، والدفع باتجاه تنفيذه، وتضمينه في خطة عمل للمناصرة والدعم والمطالبة بتطبيق بنوده وتنفيذها. للبدء يلزم أولاً تكييف القرار 1325 وتطويعه للخصوصية السورية، فالقرارات الدولية عادةً تواجه بالرفض من قبل التيارات المتشددة والمجتمعات المحلية، وتُتهم بأنها مستوردة، وأنها لا تناسب الطابع الثقافي للمجتمع. وهذا الوضع قد ينتج عن الجهل بالقرار، لهذا تبدأ الخطوة الأولى بحملة توعوية بإنسانية القرار 1325، وتعامله مع النساء كشريكات في صنع السلام والأمن في بلدهن. ثم يتم الانتقال للإجراءات الجذرية والشاملة الممتدة إلى أعماق المجتمع، والتي تستوعب جميع مكوناته. ومن هنا تأتي أهمية دور المنظمات المدنية خاصة النسوية، ودور الأحزاب السياسية، والقيادات المجتمعية، بالقيام بحملات حشد ومناصرة موجهه نحو تبني سياسات عامة وبرامج خاصة لتفعيل القرار، والطلب من السلطة والمعارضة إعطاء دور حقيقي أكبر للنساء في الأوساط السياسية والاجتماعية.

يقع على المجتمع الدولي ضمان مشاركة الأمم المتحدة في البدء بتأسيس خطة عمل وطنية تمهيدية لتفعيل دور النساء والدفع باتجاه تبنيها من جميع الأطراف، تعتني بتأهيل وتمكين السوريات وتزويدهن بمهارات حل النزاع ودمجهن في صنع القرار السياسي لمواجهة التحديات الحالية والمستقبلية.

يتبع هذه الخطوة الأممية، تمكين النساء على امتداد سوريا من وضع خطط عمل وبرامج مشتركة تراعي خصوصية كل منطقة، على أن تحظى الناشطات في هذا الشأن أولاً ببرنامج حماية تتبناه جميع الأطراف وتلتزم بتنفيذه، تحت رعاية أممية متوفرة للدعم والتنفيذ. لا تستطيع خطة العمل تجاهل ضرورة مراعاة رفع الوعي لدى العاملين في المؤسسات العسكرية، ورجال الشرطة، حول العنف القائم ضد النساء وضرورة حمايتهن. ولا يجب أن ننسى أهمية دور السياسات الإعلامية في تكريس مفاهيم المشاركة والمساواة بين المرأة والرجل ورفع سوية ثقافة المجتمع نحو تلك القضايا والعمل على تغيير المفاهيم والأعراف الدارجة.

ومن الأهمية بمكان العناية بتطوير أداء السياسيين وأصحاب صنع القرار حول المساواة بين الجنسين، وضرورة مشاركة المرأة في الحكم على صعيد الأحزاب السياسية، ومجالس الشعب، والوزارات، ومؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني. وهذا يدفع للنظر لأهمية العناية في خطة العمل برفع وعي السياسيين ورجال القضاء بحقوق المرأة، وتغيير النظرة النمطية لها، وإدماج المرأة والرجل في رسم سياسات واستراتيجيات تضمن تنفيذ خطة العمل، وضمان تعامل النظام القضائي مع قضايا النساء من منظور العدالة والمساواة ما بين الجنسين بما يتناسب مع القرارات الأممية المتعلقة بحقوق النساء. كما على خطة العمل ادراج ضرورة مراجعة المناهج التعليمية لضمان تدريس مفهوم المساواة بين الجنسين وتطبيقه في كافة المؤسسات التعليمية.

لعل هذا مجرد إضاءة على بعض ما يمكن استثماره من القرار 1325 لخدمة السوريات وقضاياهن في ظل الحرب وما بعدها، ربما تدفع الإضاءة سوريات وسوريين لمحاولة فهم أهمية هذا القرار الدولي وضرورة العمل على تنفيذه والمطالبة بتطبيقه، لنتمكن من البدء برسم الطريق نحو سلام عادل في ظل دولة عدالة ومساواة وحقوق إنسان.

نحن وحدنا قد نتمكن بالعمل والمثابرة من وضع خطة عمل للنساء السوريات وفقاً للقرار 1325 وما لحقه من قرارات، ولكننا لن نتمكن من تطبيقها دون حشد دول العالم لنيل دعمها والضغط على الأمم المتحدة للعمل معنا. هذا فيما لو كانت دول العالم والمنظمات الدولية والنسوية يملكون النية لتطبيق ودعم القرار 1325 في الوضع السوري، وإحلال الديمقراطية والسلام في سوريا، وهذا ما أشك به.