الجميع يتحدث عن الحلّ السياسي، جارتي وابنة خالي وبائع الشاورما والصيدلانية، المحلّل والمغنّية ولاعب كرة القدم. عندما كانت البيوت تنهار على رؤوس قاطنيها والقذائف المتفجّرة تمزج الاسمنت البارد باللحم الحي، قالوا: الحلّ سياسي. عندما دخلت المجاميع الطائفية من كل مرتفعٍ ومنحدرٍ لتتناحر على سنتمترات مقدسةٍ أو مراقد غامضة لموتى غامضين، قالوا: الحلّ سياسي. عندما انتقل الصديق الإيراني بفيض أعلامه وشعاراته، عندما أرسل الحليف الروسي الرصين طائرات السوخوي، عندما اقتطع حصّة لجنده يقيمون فيها ملاعبهم وباراتهم، قالوا: الحل سياسيّ. عندما أطلقت أميركا صواريخها المعدودة جيداً، عندما تدخّلت إسرائيل، عندما ارتعدت، عندما دخل الذئب التركي باتفاق سرّي، عندما تأمل الكرد، عندما هُزموا، عندما اتفقت ضباع الخليج، عندما اختلفت، عندما نمنا على حرير الــ (خلصت) واستيقظنا على صوف المؤامرة، عندما أصبحنا نشتري بالدولار خضارنا المزروعة على الشرفات وعلى أسطح عارية ونبيع أطفالنا وأخوتنا بالفرنك، عندما متنا خفافاً على مذبح الحرب الأهلية قالوا: لا حلّ إلا بالسياسة.

حسناً ما هي هذه السياسة التي صدعوا رأسنا فيها؟ وما هو هذا الحلّ السياسي الذي يقتنع الجميع بجدوى تناوله ساخناً ولا يفعل شيئاً لوضعه على الطاولة؟

بل ما هو العمل السياسي لشعبٍ يخاف من التلفظ بكلمات مثل رأي وحرية تعبير؟

في مُنْتَزَعٍ من صفحات التاريخ السوري، صفحة أو صفحة ونصف تدعى الوحدة السورية المصرية، ويطيب لمؤرخي العنجهية والتعنّت القومي وضع ما قاله الرئيس السوري شكري القوتلي آنذاك للزعيم المصري عبد الناصر، موضع الفخر والتبجّح: “أنت لا تعرف ماذا أخذت ياسيادة الرئيس؟ أنت أخذت شعبا يعتقد كلّ من فيه أنه سياسي، ويعتقد خمسون في المائة من ناسه أنهم زعماء. ويعتقد 25 في المائة منهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عشرة في المائة على الأقل أنهم آلهة.”

وفي مُنْتَزَعٍ آخر، غير بعيدٍ عن التاريخ الحالي، راجت تلك المقولة التي دوّخت الطيور في السماء والأسماك في البحر، المقنوصة من فيض الإيمان والمرفوعة على أنقاض الثقة بالنفس: “سوريا الله حاميها”.

إذن، لقد عرفنا ماذا تعني السياسة للحكّام، لكن لم نعرف بعد ماذا تعني للسوريين؟

اعتزل السوريون السياسة منذ أن قرّر النظام الوليد في 1963 أنها من أهم أسباب وجع الرأس وأن ممارستها تُورث أمراضا مستعصية أقلّها ألم المفاصل والسل وباقي الأمراض المرتبطة بالأقبية المعتمة والكرسي الألماني والدولاب وأنّ من الأفضل والحال كذلك أن يبتعد عنها السوريون إنقاذا لأعمارهم، ودخلت عندها القفص المحرّم وأصبحت ثالثة الأثافي.

السياسة في سوريا تعني ببساطة معاداة إسرائيل وأميركا والإيمان بأن الوحدة العربية حلّ مثالي لكوارث مثالية؛ وترديد الشعار كل صباح، الشعار الذي يعني أن لا أحد في المنزل وعلى الحبيب الإسراع لاقتناص الفرصة؛ ومعاداة الإمبريالية على المنابر والتحالف مع معطياتها سرّا، والتلويح بالاشتراكية في الأغاني وتوزيع الحصص على الشركاء المخلصين.

كان الحزبي بمرتبة عضو عامل يعتبر سياسياً، فما بالك بمن يصبح أمين شعبة حزبية. كانت قراءة الصحف الوطنية اليتيمة ومتابعة الأخبار اليومية تحيط المرء بشبهة (المعرفة) وهي تهمة جاهزة لوطن يتجهّز. كنت أعْتبر شيوعياً لأن لدي صديقات إناث، ومعارضاً لأني أخرج مع أختي إلى السوق ولا أركل قطط الشارع. هذه هي السياسة في سوريا، سياسة خلف السياسة بمئات الأميال، سياسة منتزعة من السياسة، معقمة منها، سياسة تحيي إنجازات الحكومة وتلعن أعداءها المختلفين حسب الظرف. كانت القرارات تصنع بعيداً، في كوكب آخر، في دمشق التي هي أبعد من المشتري؛ فشكّلت لنا التلفزيونات اللبنانية صدمة لغوية ثم اجتماعية فسياسية: كيف يتحدثون بملء الفم عن الحرية والطائفة والجنس، عن المظاهرات والإضرابات، كيف يعارضون الرؤساء بل ويشتمونهم والشتائم الوحيدة التي نستطيع تحمّل كلفتها هي الموجهة ضد الأهل والرب. وحتى اليوم ما زلنا بمنأى عن السياسة، متطهرين من دنسها، بالرغم من اندفاع مئات الآلاف من السوريين في حرب طاحنة وتشكيل تحالفات سياسية المخبر نفعية الجوهر، محلية وإقليمية، وانغماس الجميع حتى قحف رؤوسهم في الشأن العام إلا أنهم بعيدون عن السياسة بعد السلاحف عن سباقات (الفورمولا وان)، وأكثرهم بعداً عن السياسة هو أكثرهم تعاطياً واستخداماً لها في لهاثه اليومي.

الدين والسياسة، الثورة والسياسة، الدين والثورة

في الأحداث التي رافقت الحراك الشعبي السوري بداية 2011 بدا وكأن السوريين قد اهتدوا إلى اللعبة التي غابت عنهم قرابة أربعة عقود، وبدأوا بتحسّس مواطئ أقدامهم إيذاناً بدخولهم معتركاً كان ممنوعاً عليهم الدنوّ منه. بدا وأنهم قد فطنوا إلى طريق المصنع الذي تخرج منه مصائرهم مغلفة وتحوي مدة الصلاحية الممنوحة، لكنها أيام فحسب فصلتهم عن إعادة تسليم ما ظنّوا أنه حيواتهم ومستقبلهم، مستقبل الأولاد والأحفاد ربما، إلى الخطاب الإسلامي المتشنّج والخارج أصلاً للمفارقة-من رحم السلطة، أعادوا بيمين الزهد ما أخذوه بيمين الاعتراض، ووجدوا أنفسهم في معضلة صعبة التحليل والتركيب. كان النظام لعقود خلت يتحكّم بأرواحهم، يضع الكلام، جاهزاً على ألسنتهم، والمشاعر منجزة في أفئدتهم، فآثروا تسليم مصائرهم إلى الشيوخ وارتاحوا من عبء السياسة المقيت. فاجأتهم الحرية واحتاروا ماذا يفعلون بكلماتٍ مثل حكم محلي، حرية رأي، حقوق، مواطنة، فقاموا برميها في كثافة اللحى العفنة وارتاحوا. وكان النظام يدرك المآل الذي سيصلون إليه سريعاً، ربما كان يضحك في سرّه، إذ أنه يعرف ما الذي أنتجته معاهده لتحفيظ القرآن وتسميع الموت، يعرف ما وراء الأكمة وتحتها؛ فانتصر فوراً على مستوى الحجّة النظرية والرأي العام قبل أن يسحقهم على المستوى العسكري؛ فالمتمردون أصلاً حفروا قبورهم بآيات شيطانية وبقي على النظام أن يردمها فحسب.

وعندما بحث النظام عمن يشرح موقفه، عن سياسيين محترفين يتكلمون باسمه لم يجد؛ فاستعان بمتحذلقي الأخوة الأشقاء في لبنان ثم ببعض بقايا يساريي السبعينيات والثمانينيات ليكونوا ناطقين باسمه، لكن أولئك باللغة المتخشّبة الخارجة من مناشر الأخ الأكبر لم يستطيعوا شرح المشروح أصلاً؛ فاسْتُكمل الوقت المتبقي للعروض التلفزيونية بمطربين شعبيين وممثلين درجة عاشرة ولاعبي كرة قدم، وبقي فقط أن يأتي براقصات الملاهي الليلية ليتحدثن عن نظرية المؤامرة بشفاه البوتوكس وعلكة الشيكلتس.

سيمضي وقت قبل أن يفطن جمهور الموالاة للمأزق العميق الذي وضعوا أنفسهم فيه؛ فهم بدورهم سلّموا مصائرهم للعسكر، كان الخوف أكبر من أن ينكروه والتهديد بالذبح أعظم من أن يتغاضوا عنه؛ فسلّموا مستقبلهم ومستقبل أطفالهم للنجوم المرفوعة على الأكتاف. وأيضا ضيّعوا الفرصة التي جاءتهم لارتكاب فعل السياسة المكروه، ما أن شعروا بأنهم موضوعون في “الحسابات” حتى ارتعبوا وذهبوا إلى أقصى الاعتزال، اعتزال المستقبل وليس اعتزال مهنة الموالاة.

ربما سيتعلّم السوريون في نهاية المطاف أن لا أحد يبقى للأبد مشغولاً عن مصيره، لا أحد ينخطف إلى هذا الحد وينأى بروحه عن ترتيباتها، ربما سيقدّرون معنى الحوار والاختلاف، معنى الحقوق والواجبات. رغم أن لا شيء يوحي بذلك حتى الآن، إلا أنهم وإن تعلموها فسيكون بالثمن الأغلى في التاريخ.