” الشعب السوري” العبارة الأكثر حضوراً في جميع الجلسات والمؤتمرات الدولية التي عُقدت لأجل سورية. جميع الأطراف السورية كانت ومازالت تفاوض وتتحدث باسم الشعب السوري وباسم الوطن السوري، ولكن كل طرفٍ يرى الشعب من منظوره فقط ووفقاً لسياسته الخاصة، ويختصر الوطن بمناطق نفوذه وبالأراضي التي تهمّه وتفيده.

هل فكر أحدهم بإيجاد تعريفٍ صادقٍ وموضوعيٍ للشعب السوري؟ هذا الشعب الذي صار اليوم بمعظمه منقسماً إلى عدة شعوبٍ وغاب عنه مفهوم الشعب الواحد، فهناك الشعب المؤيد والمعارض واللاجئ والنازح… وكل شعبٍ من هؤلاء بات ينتمي إلى وطنه الخاص، بعد أن تبدل مفهوم الوطن أيضاً. فبعض المؤيدين صاروا يرونه محصوراً بمناطق سيطرة الجيش، وبعض المعارضين يرونه بمناطق سيطرتهم أو ما يعرف بالمناطق المحررة، أما بعض اللاجئين فقد وجدوا وطنهم في بلدان لجوئهم في أوروبا وغيرها، حيث نالوا نصيباً من حقوق الإنسان والمواطنة، بينما ضاق الوطن عند كثيرٍ من ضحايا الحرب والنازحين ليقتصر على منزلٍ ورغيف خبزٍ وشيءٍ من الأمان، آخرون اختصروا وطنهم بعائلتهم أو ببضعة أصدقاءٍ أو بمجرد حبيب.

إن هذا الانقسام الشعبي الوطني، بات اليوم يشكل تهديداً واضحاً لموضوع الانتماء الوطني الجمعي ولمستقبل الهوية السورية الواحدة.

انقسام في التوجه الواحد والرأي الواحد

لم يعد الانقسام السياسي محصوراً بين تيارٍ مؤيدٍ وآخر معارض، بل تخطى ذلك ليدخل إلى قلب التيار الواحد والتوجه الواحد. فالخلافاتُ والسجالاتُ في جهة المعارضة باتت تندلع في كثيرٍ من الأحيان على أبسط الأشياء، ليتحوّل منشورٌ “فيسبوكيّ” لا يُغني ولا يُزيد إلى موضوع جدلٍ وشِجارٍ مرفقٍ بالتخوين والاتهامات. مثلاً، هناك من يجد الحلَّ الأمثل للقضية السورية في الخيار السياسي، بينما يجدهُ آخرُ في الخيار العسكري، وثمة من يرى في مناطق المعارضة مناطق محررة، بينما يراها مخالفٌ مناطقَ للموت والحصار.

الخلافات طالت مواضيع كثيرة أخرى… لنتذكر السجال الذي حصل بشأن منتخب كرة القدم، فالبعض نزعَ عنهُ هويّته السورية ووضعه تحتَ تصنيف (منتخب النظام) فهاجم مشجعيه واتهمهم بالخيانة وفي الجهةِ المقابلةِ تماماً اصطفَّ من نادى بفصل السياسة عن الرياضة ووهب المنتخب هويةً سورية ورأى فيه منتخباً يمثِّل كل السوريين.

لم تنج حقول الثقافة والفن من تلك الخلافات أيضاً، إذ كثيراً ما تحول حدثٌ فني أو ثقافي، إلى مناسبةٍ للجدل والاختلاف بين منتقدين ومخوَنين وبين مدافعين ومبررين، وذلك تبعاً للمكان والجهة المنفذة. فإقامة معرضٍ فني أو أمسيةٍ شعرية في مكانٍ ما من دمشق، قد تفتح البابَ لفئةٍ ما كي تنزع الصفة الوطنية عن صاحب المعرض أو الأمسية، بحجّة أنّه يدعم النّظام بتقديم أنشطةٍ وفعالياتٍ في مناطق محسوبة على الأخير، بينما تصرُّ فئةٌ أخرى على الهوية السورية للمكانِ والحدثِ وصاحبِه.

تلك الخلافات خوّنَت كتاباً وصحافيين واتهمتهم بمحاباة النظام والتخلي عن مبادئ الثورة، لأن كتاباتهم خالفت رأي البعض في مسائل وطنية قد تخضع للنقاش وتقبل التأويل.  

الانقسام ذاته يتكرر على ضفة المؤيدين، فهناك من يرحب بقصف مناطق المعارضة وقتل وتهجير من فيها، في حين يرفض آخرٌ تلك السياسة ويدافع عن فكرة الحوار والتفاوض السياسي. أخٌ يخوِّن أخاه الذي رفض الالتحاق بالخدمة العسكرية والأخير يرفض أن ينخرط في تلك الحرب. صديقٌ يتهم صديقه بالعمالة لأنه يتواصل مع سوريين معارضين في الخارج وآخرُ يرى أنَّ السّوريّ سوريّ مهما اختلف رأيه وموقفه… وبين هنا وهناك هويّةٌ تُنتَزع وهويّةٌ تُعطى وهويّاتٌ تُبتَكر على مقاسِ صانعيها.  

السؤال المطروح في ظل هذا: إذا كان أصحاب التيار الواحد لا يستطيعون الإجماع على رأيٍ موحدٍ لخطابهم الوطني أو رؤية مشتركة لنهجهم السياسي أو تعريف واضح للهوية الوطنية ومن يمثِّلها فعلاً، فهل سيمكنهم الإجماع على شكل هوية سورية واحدة؟

صراع الهوية بين الداخل والخارج

لعل التهديد الأبرز لمستقبل الهوية والانتماء في سورية يتمثل بانسلاخ مكوناتٍ كبيرةٍ من أبنائها عن وطنهم الأم لصالح أوطانٍ أخرى، فكثيرٌ من السوريين الذين رحلوا عن البلاد محوا فكرة العودة إليها أو فقدوا شعورهم بالانتماء إليها، وحسب تصورهم الهوية الإنسانية التي يحملونها قد رأت في الهجرة طوق نجاةٍ لهم، لثقافتهم وإنسانيتهم، بينما قد يحولهم البقاء في البلاد إلى قتلةٍ ومجرمين أو أرقاماً بانتظارِ رصاصةٍ أو قذيفة، فمن بقي في سوريا قد اختار الانتحار أو الموت البطيء. فيما يرى آخرون أن هذه البلاد لم تعد لهم، وأن وجودهم فيها لن يغير شيئاً، فليس بإمكانهم إنقاذها أو إيجاد حلٍ قد ينهي الحرب.

إن واقع الانسلاخ هذا سيؤثر حتماً على شكل الهوية السورية ونسيجها المتنوع، خاصة إذا ما تم تجنيس السوريين في الخارج، فربما حينها سيضيّع الكثير منهم بوصلة انتمائه وماهية هويته.    

من جهةٍ أخرى، فئاتٌ ممن مازالوا في الداخل، باتت تشعر بالخذلان واليأس وبالعجز عن القيام بدور وطني فاعل، بعد أن أُخمد صوتها وشلَّ حراكها وخارت قواها، لذا أصبح السفر خارج جحيم البلاد حلماً لمعظمها، والرّضوخُ والتّماهي في اللامعنى هما الفعلان الوحيدان لها، ولعل هذا خطرٌ آخر سيحدق في موضوع الهوية، لاسيما وأن بعض تلك الفئات صار يشعر بالكره نحو بلده وبالحقد عليها بعد أن دمرت  برأيه- كل ما يحبه وينتمي إليه ونبذته حتى وهو لايزال في أحضانها.

بالمقابل يصرُّ كثيرٌ من السوريين، الذين كان لهم دور وطني فاعل، على البقاء في سوريا ويجدون في الأمر صموداً ومقاومةً؛ بل وموقفاً نضالياً وبطولياً، ويرون أن بعض من رحلوا غير وطنين وإنهزاميين، ولم يقوموا بالدور المنوط بهم تجاه بلدهم حتى وهم خارجها؛ بل دمروها ورحلوا مفضلين مصالحهم ومشاريعهم الفردية على مصالح الثورة والبلاد وخذلوا السوريين الذين دفعوا فاتورة الحرب والدم لوحدهم.

إن هذا الصراع بين سوريي الداخل والخارج قد يشكل عائقاً مستقبلياً كبيراً أمام الإجماع على تشكيل هويةٍ سوريةٍ واحدة، بالنظر إلى حجم الخلاف والإختلاف الحالي بين الطرفين على مفاهيم وقضايا شائكة ومعقدة، كمفهوم الصمود والوطنية أو التخوين والإنسلاخ عن الوطن.

هل يمكن توحيد شكل الهوية السورية والانتماء إلى وطنٍ واحد؟

حتى اليوم، حاول أغلب المصطفين إلى جانب النظام حصر شكل الانتماء الوطني بالولاء لرموز هذا النظام وأدوات سلطته وفصّلوا سوريا على مقاسهم، ونزعوا عن كل من لم يتبع نهجهم سوريَّته وحاولوا تقزيمه ومعاقبته بشتى السبل، بالمقابل حوَّلت بعض قوى المعارضة المسلحة بوصلة الانتماء من الانتماء الوطني لسورية الثورة إلى الانتماء الديني والمناطقي، فراحت تشكل فصائل ذات ايديولوجيات دينية بحتة، وصارت تسعى لتحقيق مكاسب فردية وسلطوية بدلاً من المكاسب الوطنية.

ومع ارتفاع وتيرة الصراع في سورية وتقطع أوصال البلاد، تشرذمت معظم القوى الوطنية المؤثرة في المجتمع إلى كيانات سياسية ودينية وطائفية وعسكرية وقبلية، فبات من الصعب في المدى القريب توحيد شكل الانتماء والهوية والشعور الوطني الجمعي؛ خاصة بعد فشل جميع الأطراف السورية بإنتاج خطاب وطني موحد يؤسس لهوية سورية جامعة، كما إن إفراغ سورية من أهم رموزها الوطنية وأبرز عقولها ونخبها الفكرية والعلمية والثقافية، قد ترك الساحة السورية للعسكرة وتجار الحروب، فقد تحتاج البلاد لتلك الرموز والنخب للنهوض بها وبهويتها، لكنها ربما لن تجد من يقف إلى جانبها. وما زاد الأمر تعقيداً وضبابيةً، هو أن الصراع في سوريا قد استقطب إليها قوىً خارجية صارت فاعلة على الأرض بقوة، وهذه القوى لها أجنداتها ومصالحها الاستراتيجية وربما الاستعمارية التي ستتحكم في مصير ومستقبل البلاد، كما أن القوى الإقليمية والعالمية التي أصبحت معنيةً بالشأن السوري سيكون لها دور فاعل في مآلات الحرب، وبالتالي ستؤثر تلك القوى جميعها في موضوع الهوية والانتماء، فقد تجر البلاد إلى التقسيم أو الحكم الفيدرالي أو غيرهما من السيناريوهات المؤلمة المتوقعة، فقذارة التاريخ أقرت بأن العالم بأكمله يمكنه التحكم بمصير سورية وهويتها أكثر من السوريين أنفسهم.

بارقة أمل

لو استطاع الشعب في الداخل والخارج أن يقرر مصيره بنفسه بعيداً عن سلطة الأوصياء عليه، لو أقيم استفتاءٌ نزيهٌ برعايةٍ نزيهة لمعرفة رأيه ورغباته، فربما حينها سيستطيع إنقاذ الهوية السورية من الضياع، تلك أمنية، ولكن ثمة واقعٌ يزهر منه الأمل، فرغم مأساة هذا الشعب وتشتته وانقساماته وتمزُّق شعوره الوطني، هناك فئات كبيرة منه بقيت مخلصة للمبادئ الوطنية الجوهرية ومتمسكة بانتمائها الثقافي والفكري والحضاري لسورية كوطن وهوية. فئاتٌ قدمت نماذج رائعة في المواطنة وقبول الآخر ونبذ الطائفية والتصدي لأفكار الحرب ومفرزاتها، كما حافظت على مفهوم التعايش والتآخي بمساعدة النازحين وإيوائهم ومد يد العون لكل ما هو سوري، وأخرى حافظت على هويتها، رغم خروجها من سورية، فحاولت نشر ثقافتها وأصالتها، وعرَّفت العالم بثقافة البلاد وفنونها وحضارتها وتاريخها.

إذن، يبقى الأمل الوحيد لمستقبل الهوية السورية بالرهان على وعي تلك الفئات الوطنية بضرورة بناء شخصية سورية متجانسة لأنها الضامن الوحيد لتلك الهوية، وبالرهان على عودة سوريي الخارج المؤمنين بوطنهم وبضرورة دعمه لينهض من جديد. قد يحتاج الشعب وقتاً حتى يرمم جراحه ويعود إلى فطرته الوطنية الأصيلة، وربما سيحتاج مستقبلاً إلى نضالات وثورات جديدة على السياسة والدين والسلطات التي أفرزتها الحرب، حتى يستطيع الإجماع مستقبلاً على شكل هويةٍ وطنيةٍ واحدة.