لم يكن الجنس يوماً من المواضيع التي يمكن تداولها بشكل صريح في المجتمع السوري، وقد ارتبط الجنس دائماً لدى الأسرة السورية بـ”العيب والحرام”، انطلاقاً من مفهومي الأخلاق والدين.

وبرغم تغييب الرقابة الفنية “للمشاهد الساخنة” من المسلسلات الدرامية السورية، إلا أن العديد من مواليد جيل الثمانينيات من الفتيات والشبان، يذكرون حالة الارتباك التي كانت تصيبهم أمام الوالدين، عندما كانت تمر صدفة، مشاهد قُبلات ناديا الجندي وفاروق الفيشاوي، وإغراء سهير رمزي لمحمود ياسين وحسن يوسف، في الأفلام المصرية القديمة.

وللآن ما زالت مواضيع التثقيف والتوعية الجنسية لكلّ من الوالدين والأبناء غائبة تماماً عن  مناهج التعليم السوري العلمية والتربوية، وبهذا بقي الجنس محصوراً بين ما ينتجه الخيال من “فنتازيا جنسية”، وممارسة العادة السرية، هذا طبعاً في حال عدم ممارسته بشكل فعلي، وهذا منتشر لأسباب تتعلق بالقيود الاجتماعية التي تحرّمه على المرأة أكثر مما تحرّمه على الرجل، وأخرى استندت إلى نصوص دينية جعلت منه “زنا” إن مورس خارج إطار العقد الزوجي.

وعلى الرغم من التعدد الديني والثقافي والطبقي في المجتمع السوري، إلا أنه لا يقل تعقيداً في بنيته عن حال المجتمعات العربية، كما تختلف درجة الانفتاح فيه والتعصب الديني والاجتماعي، بين الريف والمدينة، ومن مدينة إلى أخرى، تبعاً للمستوى الثقافي والتعليمي والتوزع الطائفي.

تعدى الانفتاح الظاهري في بعض المناطق السورية في الكثير من الأوقات مسألة الاختلاط بين الجنسين – ضمن أطر حددتها الأعراف الاجتماعية-، وارتداء آخر صيحات الموضة من فساتين مكشوفة وسراويل ممزقة، إلا أنه لم يصل إلى حد اعتبار الجنس ممارسة طبيعية تندرج ضمن مفهوم الحرية الشخصية، بل ظلت الأجساد الملتهبة تلتقي وتتأوه سراً.

منتجات الإثارة الجنسية وليالي السوريين الساخنة

تفخر محلات بيع “اللانجري” في أسواق دمشق، بصناعة واستيراد أحدث الموديلات ذات الألوان والنقوش العديدة، القطنية منها والدانتيل والشَبَك، و”التفريعة” كما تُعرف باللهجة الدارجة، ولا تكتفي ببيع الألبسة الداخلية فحسب، بل تبيع دون أي حرج منتجات الإثارة الجنسية، من زيوت ومزلقات مُعطَّرة، وكريمات جيلاتينية مُنكّهة، بالفريز والموز والتوت، والتي تُدهَن على كامل الجسم، أو الأجزاء الحساسة منه، كحلمتي الصدر والأعضاء التناسلية، “وتباع هذه البضاعة لشرائح مختلفة من النساء يستشرنني في كيفية استخدامها وأي منها أكثر إثارة لليلة ساخنة” كما يقول حسام صاحب أحد محلات اللانجري في سوق الحميدية.

لكن هذه الحالة ليست عامة، فالعديد ممن بلغوا الثلاثينات من عمرهم لم يحظوا بعد بليلة “ساخنة”،  ومازال إحساس النشوة الجنسية لديهم مرتبطاً “بطرق تفريغ ذاتية”، كما يسميها سامر خريج قسم اللغة العربية من جامعة دمشق، والبالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، ويضيف سامر “يرافق إحساس النشوة هذا ترقب ممزوج بالخوف، ورغبة لاقتطاف اللذة بصعوبة”. فبعد تعرض سامر للرفض مرات عديدة من قبل فتيات شعر نحوهن بالانجذاب، فقد ثقته بنفسه ولجأ لممارسة العادة السرية للخروج من حالة الكبت والتشتت العقلي بفعل ضغط غريزته الجنسية، ويقوم سامر بهذا موظفاً مخيلته في استدعاء ممثلة معجب بها، أو أي فتاة يثير جسدها غريزته الجنسية، لبلوغ لحظة الذروة.

ووجد البعض حلولاً إضافية غير العادة السرية التي يمارسها الشبان والفتيات على حد سواء لتفريغ طاقتهم الجنسية في حال عدم توفر شريك عاطفي، أو تأخر سن الزواج.

بالنسبة لرانيا، البالغة ثمانية وثلاثين عاماً، والتي لم تمارس الجنس في حياتها أبداً وهي من سكان دمشق القديمة، شراء قطعة “لانجري” صارخة، أو مشاهدة فيلم رومانسي، قد يساعدها على تهدئة طاقتها الجنسية. ورغم أن رانيا كانت على علاقة عاطفية، إلا أنها لم تستجب لرغبة حبيبها بالمجامعة الجسدية، “لأنه لم يقدم لها ضمانات بالبقاء معها إلى الأبد، فقررت عدم المجازفة” بحسب تعبيرها، مخافة أن ينبذها بعد انقضاء شهوته، وتخسر فرصتها المقبلة في الزواج.

ولا يرتبط الجنس بحالاته المختلفة -سواء نشأ عن حب، أو لقضاء ليلة من الليالي العابرة- بشروط حياتية صارمة كما في حالة رانيا. فبالنسبة لنشأت المنحدر من مدينة السويداء، والمقيم في الخارج، الممارسة الأولى للجنس تكون “لاكتشاف الجسد وآلية عمل أعضائه، في حين أن الجنس من أجل الحب، يجعلك تقوم بكل ما يُمتِع الشريك دون تردد، بما في ذلك الجنس الفموي بالشفاه أو اللسان، فهو يداهمك في أي وقت ودون تنظيم مسبق” بحسب قوله.

أما جوليا البالغة سبعة وعشرين عاماً، فالجنس بالنسبة لها “ليس مسألة ذوق شخصي، فقد أصبح أمراً بالغ التعقيد، يخضع فيه الشريك أو الصاحب لعدة اختبارات، للتأكد من صدق مشاعره ونبل أخلاقه، قبل الجماع في سرير واحد” كما تقول، وتعود هذه الاختبارات لكون جوليا عاشت تجربة زواج فاشلة، لم تكن فيها حياتها الجنسية مع زوجها السابق في أفضل حالاتها، ورغم مضي عام ونصف على آخر ممارسة جنسية لها، و شعورها الحالي بالوحدة والإهمال، إلا أنها باتت أكثر تروياً، خاصة وأن لديها بنتين، ” ألسنة الناس وأحكام المجتمع” بحسب قولها.

ولا تقتصر حكايا الجنس وخباياه في المجتمع السوري على العازبين والوحيدين، فبعض الأزواج من الرجال والنساء لا يكتفون بالجنس مع الشريك “الشرعي”، إذ تتحول العملية الحميمية أحياناً مع مرور الوقت لفعل روتيني، يشوبه إحساس بالبرود والتوتر، والبُعد.

كما حدث مع شذى من سكان جرمانا في ريف دمشق، المتزوجة منذ خمس سنوات، ودفعها هذا لممارسة الجنس مع غير زوجها، دون أن تطلق على ما تفعله صفة “الخيانة”. فحبيبها السري كما تصف ضاحكة “يقبّل كل سنتمتر في جسدي، و في كل مرة يلمسني فيها أئن وأرتجف وكأنها المرة الأولى”. أما فؤاد البالغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، فيصف علاقته بزوجته بالممتازة، ومع ذلك لا يمتنع عن ممارسة الجنس مع نساء أخريات، فالنساء بتعبيره “أحلى شيء في الوجود.”

فحولة كبار السن

ولا تقتصر الرغبة الجنسية على فئة عمرية محددة، فإن كان المجتمع السوري يدين الجنس غير الشرعي، فنظرته أكثر تشدداً لعلاقات المتقدمين بالسن، لدرجة أن لقب “المتصابي أو المتصابية العجوز” شائع الاستخدام بين المعارضين لهذا النوع من العلاقات، فهم يرون به استغلالاً بين طرفي العلاقة، وقد ارتفعت نسبته نتيجة الحرب إثر الخلل الكبير في التركيبة الجنسية للسكان، حيث تَفَوقَ عدد الإناث على عدد الذكور بشكل كبير، إثر نزوح ومقتل العديد منهم.

يروي عبد الله البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاماً، كيف هجرته خطيبته بعد مضي سنتين على التحاقه بالخدمة، “لترتمي في أحضان رجل ستيني يملك المال ولا يملك الفحولة الجنسية” كما يقول. من ناحية ثانية يروي خليل المعروف بـ”أبو صالح”، والذي تجاوز الخامسة والستين وهو من سكان حي العمارة في دمشق، حكايات عن تجاربه الجنسية مع فتيات يصغرنه بسنوات عديدة، ويقول “إن الأمر لا يتعلق بقوة الإيلاج، لأن السن ليس عائقاً أمامي، فاستثارة جسد المرأة بالمداعبة، قد يصل بها إلى النشوة أكثر من الإيلاج نفسه”.

ويمهد للانجذاب الجنسي بين طرفي العلاقة عوامل تختلف من شخص لآخر، فالاهتمام بالنظافة الشخصية كالتخلص من الشعر الزائد في الجسم، ولون أظافر اليدين والقدمين، يُعتبر من الأساسيات بالنسبة لماهر البالغ أربعة وثلاثين عاماً، والمهتم باقتناء اللوحات الفنية. كما أن القبلة الفرنسية، أو كما يسميها “البوسة باستخدام اللسان”، تفصيل مهم لديه للبدء بالعملية الجنسية، “فلو وقفت أمامي أنجلينا جولي، ولم تكن تُفضل هذا النوع من القبلات، سيختفي لدي شعور الإثارة والقدرة على الانسجام” بحسب وصفه.

الجنس بين الدين وترقيع غشاء البكارة

يصر أصحاب الرأي الديني على عدم إباحة العلاقات الجنسية دون إطار شرعي، كما يؤكد الشيخ محمد خير الشعال في أحد دروسه، “أن من لا قدرة له على الزواج عليه بالعفة وغض البصر والصوم”، فيما ترتفع أصوات أخرى ترى في الطروحات الدينية إجحافاً بحق الطبيعة البشرية. “فنسبة كبيرة من رواد المواقع الإباحية هم من المجتمعات المتدينة” حسب قول إياد مهندس الاتصالات من مدينة جبلة، والمقيم في تشيك منذ عامين، والذي يرى “أنه لا يمكن للأديان أن تحدد شكل الممارسة الجنسية، إذ يجب أن تكون متوفرة ودون قيود، وأن تعتمد على المتعة المتبادلة، دون هيمنة أحد طرفي العلاقة.”

ولم تحرّم الأديان ممارسة الجنس دون زواج فقط، بل وضعت ضوابط أخرى، أدانت فيها ممارسته من الدبر. فبولس الرسول أوضح موقف المسيحية من الإتيان بالمرأة بما هو مخالف للطبيعة، في رسالته إلى أهل رومية، “لِذلِكَ أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى أَهْوَاءِ الْهَوَانِ، لأَنَّ إِنَاثَهُمُ اسْتَبْدَلْنَ الاسْتِعْمَالَ الطَّبِيعِيَّ بِالَّذِي عَلَى خِلاَفِ الطَّبِيعَةِ”، والأمر سيان في الإسلام، الذي نهى عنه في حديث النبي محمد “مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا.”

وقد تساعد ممارسة الجنس من الدبر بإنهاء زواج عاسر، كما حدث مع سلمى “اسم مستعار”، والتي تقدمت إلى البطرياركية الأرثوذكسية في دمشق بطلب فسخ زواج، لأن “زوجها مهمل وعنيف، إضافة إلى أنها ترفض المجامعة من الخلف.”

إلا أن هذه الممارسة أيضاً تعتبر سبباً لإمتاع الكثير من الإناث والذكور على حد سواء، وتلجأ إليها الكثير من الفتيات خوفاً من فض غشاء البكارة قبل الزواج. الصيدلانية سارة والبالغة من العمر تسعة وعشرين عاماً تقول “من غير المعقول أن أمتنع عن اختبار الرعشة الجنسية إلى أن أجد العريس المناسب، وهذا ما جعلني أوافق على ممارسة الجنس من الخلف، فهو على الأقل يبقيني عذراء بنظر الدين والمجتمع.”

ورغم أن عذرية الفتاة قبل الزواج، شرط يحظى بإجماع شبه كلي في المجتمع السوري، إلا أن بعضاً من الشبان لم يعودوا يقتنعون به، بعد انتشار عملية ترقيع غشاء البكارة، فباتوا أكثر تقبلاً لعدم عذرية الفتاة، لمعرفتهم الجيدة أن الكثيرات تمارسن الجنس، إما دون المساس بغشاء البكارة، أو أنهن يتدبرن الأمر داخل عيادة طبيب النسائية بتقريب حواف الغشاء، وتبلغ تكلفة هذه العملية بين المئة إلى مئتي دولار.

باسل الشاب الثلاثيني من مدينة درعا، والذي يعمل سائقاً على خط دمشق بيروت، يقول: “إن عذرية الفتاة لا تعنيني، بقدر ما تعنيني الطريقة التي خسرت فيها عذريتها، فلا ضير إن فعلت ذلك عن حب.”

تعد نظرة باسل استثناء عن نظرة الشرف العامة المتعلقة “بقطرات الدم”، فغالبية الأزواج لا زالوا يصرّون على رؤية المنديل الملون بالأحمر، كما تؤكد هدى الحداد وهي طبيبة نسائية في ريف دمشق. وترفق الدكتورة هدى إجراء عملية ترقيع الغشاء إلا في بعض الحالات الاستثنائية ذات الدوافع الإنسانية، كالاغتصاب، أو بناء على طلب الزوجين بإجراء شق جراحي في غشاء البكارة ذي النوع المطاطي، المعروف بتمدده ليناسب طول القضيب، فيطمئن الزوج لرؤية قطرات الدم بعينيه.