زرت السوق المسقوف (المقبي بالعامية) في حمص، لأول مرة بعد سنين، دخلتُه عبر محيط يسكنه الدمار والخراب، مدفوعة بالحنين لأيام كنا فيها لا نستطيع أن نتجول فيه إلا أرتالاً من شدة الازدحام. للأسف ونحن في الأسبوع السابق لعيد الفطر، لم نكن نتجاوز مئتي شخص في السوق في ساعة الذروة، وبضع محلات مفتوحة لزبائن قد يأتون!

قبل الحرب، كان السوق، كغيره في المدن السورية الكبرى والصغرى منها، مركزاً للنشاط التجاري في المدينة، وتبادل البضائع والسلع بمختلف أنواعها، وتجمّعاً لأصحاب المهن اليدوية والباعة والزبائن الآتين من القرى والأرياف المحيطة بمدينة حمص. كان يضج بأصوات الباعة وهم يعلنون عن بضاعتهم وجودتها وأسعارها التي تناسب مختلف الشرائح الاجتماعية، من الملابس الجاهزة والأقمشة على اختلاف أنواعها ومواد النوفوتيه ولوازم الخياطة والبسط القديمة والفرو والخيوط المختلفة والحبال، والأحذية والقباقيب والجوارب والحقائب والمواد المكتبية ومواد الزينة والمكياج والذهب والفضة إلى الشرقيات والنحاسيات، والمواد الغذائية والحلويات والسكاكر والأسماك واللحوم، وفي سوق العطارين يضم المحل الواحد أكثر من خمسة آلاف صنف بين أعشاب ونباتات وتوابل وزيوت وعطور، إضافة إلى ورشات الصياغة والحدادة وتبييض النحاس وصباغة الأقمشة والتنجيد والخياطة العربية.

انقرضت الكثير من الصناعات اليدوية التي كانت تشغلها تلك الأسواق، كعصر الدبس ودباغة الجلود، واستبدلت بأخرى جديدة؛ وبلغ عدد المحلات، وفقا لتوثيق دائرة الآثار والمتاحف بحمص، قبل 2011، 890 محلاً، شرقياً ومحلياً وتراثياً، موزعة في 13سوقاً، هي سوق النوري، والحسبة، والبازرباشي*، والمنسوجات، والصاغة، والقيصرية المجاور لخان القيصرية**، والعبي، والمعصرة***، والمعرض (العطارين)، والعرب، الذي كان الوساطة بين البدو والحضر، والفرو، والنحاسين، والخياطين والنجارين. ومازالت تلك الأسواق محافظة على صفات بنائها المعماري الأثري، إذ يعود تاريخ تشييد جزء كبير منها إلى العهدين الأيوبي والمملوكي، وأجزاء أخرى تعود إلى زمن الاحتلال العثماني.

تمتاز هذه الأسواق، كمثيلاتها في دمشق وحلب، بنمط العمارة الإسلامية، إذ يغطي مجملها سقوف أسطوانية، وعقود حجرية مقببة ضخمة، والمحلات مبنية من الحجارة بواجهات حجرية على شكل أقواس نصف دائرية وأعمدة تاجية، تتوضع عليها أشكال هندسية ذات زخارف قديمة، ومن الأعلى نوافذ ضخمة بأقواس للتهوية والإنارة؛ وعند تلاقي سوقين أو أكثر تبرز قبة كبيرة تتوج مفرق الطرق، فيما تكتسي الأرضية بالحجارة البازلتية.

استخدمت الحجارة البازلتية، التي تميز البناء الحمصي القديم، لتوفرها في مناطق الوعر، غربي حمص، لكنك تجد في بعض الأسواق سقوفاً من حجارة كلسية وقنب، بعضها على شكل قباب بفتحات تهوية. ويتميز مدخل سوق القيصرية بمصراع خشبي مصفح يتوسطه باب صغير يعود إلى عام 1300م، يليه دهليز مسقوف يؤدي إلى درج حجري يصل بدوره إلى الطابق العلوي ذي الـ27 محلاً، محاطة بـ20 عموداً من الحجر الأبيض تحمل سقوفاً خشبية، وتظهر داخل أحد المحلات في سوق المعصرة آثار المعصرة الحجرية.

دارت طاحونة الحرب، منذ 2012، على هذه الأسواق العريقة، ولحقها الدمار والحرائق. ومنذ ثلاثة أعوام بدأت أعمال الترميم والتأهيل بالتنسيق بين محافظة حمص ومنظمة الأمم المتحدة، الفرع الإنمائي UNDP، وبإشراف المديرية العامة للآثار والمتاحف، وعلى مساحة 42000 متر مربع. حيث يتم استبدال التغطية المعدنية المتضررة بأخرى حديثة مشابهة وذات طابع تراثي يقارب مرحلة الثلاثينات؛ ويشمل الترميم إصلاح الأضرار الإنشائية، وتعويض الحجارة الناقصة، وإعادة بناء بعض المحال المدمرة حسب المواصفات الموضوعة من قبل دائرة الآثار والمتاحف، والمخططات المختصة بها. وتتم إعادة البناء بنفس الحجارة القديمة، بعد فرزها، وترحيل الأنقاض، وتركيب غلاقات جديدة و”آرمات” وشبك معدني موحد للنوافذ والمحال، وإصلاح البنية التحتية، وترميم الأرضيات الحجرية.

يتم الترميم على أربعة مراحل؛ انتهت أعمال المرحلتين الأولى والثانية في 2017، وبدأت أعمال المرحلة الثالثة في2018. بلغ عدد المحلات المرممة ضمن أعمال المرحلة الثالثة، حتى بداية شهر آذار من العام الجاري، 750 محلاً، حسب تصريح لطارق سفر، ممثل UNDP  في محافظة حمص، لصحيفة تشرين الرسمية. لكن السيد سفر يشتكي من أن “عدم عودة أصحاب المحلات بعد ترميمها يسبب لنا إحراجاً أمام الوفود الزائرة وبعض المانحين” طالباً من أصحاب المحلات ترحيل الأنقاض المتبقية في محلاتهم، لنقلها بعيداً عن أنظار وفود المنظمة، الذين يسألون عن سبب عدم فتح المحلات، الأمر الذي يستدعي أن تعيد الدول المانحة النظر في منح المساعدات في المستقبل.

معوقات وكلف مالية:

تجاوزت نسبة الإنجاز في مشروع التأهيل حالياً 90 بالمئة، حسب التصريحات الرسمية، لكن عودة انتعاش الأسواق لا تتجاوز الـ20 بالمئة، قياساً بما كانت عليه قبل 2011 ، وما حصل من تقسيم طائفي لأحياء حمص بالحواجز، والمعارك التي كانت دائرة، وانغلاق كل حي على أهله، واستحداث أسواق جزئية، انتعشت في كل حي، وتوسعت بعد انتهاء الحرب فيها، وانتفاء أسباب الخوف من التنقل بينها، وأصبح لها رصيد لا يقل عن خمس سنوات؛ لكنها تفتقد إلى الحرف، وتبييض النحاس والشرقيات والحبال والعبي وزي الفلاحين، التي كان يوفرها السوق القديم، ولم تعد موجودة الآن.

يعاني تجار السوق المسقوف من الإيجارات المرتفعة، وعلى صاحب المتجر، أن يعيد رفع أعمدة وسقف المحل ليشمله الترميم، كون البرنامج يقتصر على الواجهات فقط، هذا عدا ما فُرِض عليهم من كسوة داخلية موحدة، ما يكلفه أموالاً كثيرة، والضرائب المتراكمة عن السنوات الماضية.

كان يفترض أن يتم ترميم الأسواق المحيطة، في شارع أبي العلاء المعري وسوق الناعورة، وشارع “أبو العوف”، وباب هود، وسوق الخضار، وسوق الجندي، بالتوازي مع الأسواق القديمة، لربطها به****؛ كما أن خلو أحياء حمص بمعظمها، جعل منطقة السوق في عزلة، رغم عودة عمل المؤسسات الحكومية، فأحياء البياضة والخالدية ووادي السايح وباب هود والقصور والقرابيص وجورة الشياح (الكتلة الشمالية) شبه خالية، وعاد حوالى ثلث المهجرين لأحياء الورشة وباب هود والحميدية وبستان الديوان.

يرى الكثير من أصحاب المحلات أن العودة إلى بيوتهم ومحلاتهم مرهقة ومكلفة جداً، إضافة إلى انعدام الأمن داخل السوق ليلاً، وتأخر تركيب عدادات الكهرباء؛ بينما يفضل البعض الآخر فتح “ولو بسطة” على باب المحل، ريثما تعود الحركة إلى السوق، من أجل فرض وجوده داخله.

يقترح أنطوان الأخرس (صائغ) إغلاق المحلات المخالفة في الأحياء السكنية ليضطر التجار للعودة. وأبو عبدو، تاجر جملة لبيع الصابون وزيت الزيتون، كان يعمل في محل العائلة الذي ورثه عن أبيه، في السوق منذ أكثر من 40عاماً، ثم تحول، بعد احتراق محله وخسارة بضاعته، إلى بائع زيت زيتون على رصيف أحد الشوارع، فهو أقل تكلفة وأكثر منفعة، كونه لا يملك مالاً كافياً للترميم والإكساء وتعويض البضاعة.

أما عبد الباقي الطرشة (صاحب محل ألبسة) فيرى ضرورة ترميم سوق الناعورة لأنه صلة الوصل بين الدبلان والسوق المسقوف، ويقول “نحن بحاجة للدعم المادي والمعنوي لعودتنا بشكل أفضل”. فيما يعاني مرهف صليبي (صاحب محل مجوهرات) من عدم القدرة على شراء أجهزة جديدة. أما طلحة السلقيني فيقول: لم نتلق أية مساعدة مالية، وتم ترميم المحال على حسابنا الشخصي.

سيدة خمسينية اعتادت زيارة الأسواق بشكل متكرر ترى أن عودة كامل المحلات، كالأقمشة والصاغة ومستلزمات الخياطين، ضروري، “فمن يقصد السوق يرغب بكل حاجياته، والتنوع مطلوب”. وسيدة أخرى تعمل في الخياطة، تعاني من صعوبة التنقل بين أسواق الأحياء المتباعدة بحثاً عن مستلزماتها، بعد أن كانت تجدها في شارع واحد من السوق المسقوف.

كل محاولات الحكومة لإظهار عودة الحياة الطبيعية إلى حمص، غرضها إعلامي، فلا يكفي إعادة المؤسسات الحكومية في مركزها وأحيائها، حيث يحيط بها الدمار. ولا يبدو أن البيروقراطية الفاسدة وحدها ما يمنع تقديم التسهيلات الحقيقية لعودة السكان والأسواق؛ إذ يتبين أن لا نية للحكومة في ذلك، وهو ليس ضمن اهتماماتها.

ويبقى للسوق المسقوف ركنُه الخاص في الذاكرة الجمعية لأهالي مدينة حمص وريفها؛ فلطالما كان ومازال قادراً على احتضان كل أطيافها. وعودته كما كان مؤشر حقيقي على عودة الحياة الطبيعية للمدينة، فهل يتحقق الحلم!

الهوامش

*معروف بسوق النسوان أو البالة.

**يلفظه أهل حمص “القيساوية”.

*** نسبة لمهنة عصر الدبس قديما.

****يتم حالياً تأهيل البنية التحتية والأرصفة في سوق الناعورة وشارع “أبو العوف” وباب هود.