رغم كل ما طرح في تحليل وتفسير مجريات المجزرة التي ارتكبها تنظيم داعش في مدينة السويداء في ٢٥ تموز ٢٠١٨ والتي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن  ٢٠٠ شخص وجرح المئات من المدنيين، ورغم تعدد الروايات المتضاربة حول تفاصيل ما جرى والمتورطين تسهيلاً أو تنفيذاً، إلا أنه لا يمكن الاستناد اليوم بعد مرور ما يقارب الشهرين على المذبحة على أي رأيٍ حول ما ستؤول إليه الأيام القادمة. فبينما يرى كثيرون أنّ ما قبل مجزرة تموز ليس كما بعدها، وأنّ ضخامة الحدث بالنسبة لمدينة عاشت شبه هدوءٍ نسبيٍ خلال سنوات الحرب السورية سيكون مفصلياً بالنسبة لمجريات الأحداث القادمة؛ إلا أنّ آخرين يرون أنّ ما جرى ليس سوى مجرّد تفصيلٍ من يوميات الحرب السورية. الأهم من الاتهامات المتبادلة والاختلافات في وجهات النظر والمواقف بين مختلف الأطراف في السويداء حول حقيقة ما حدث ومن يتحمل المسؤولية هي حالة القلق والتوتر الشديد والخوف الحقيقي الذي طرأت على حياة الناس وأصابت حركتهم بشلل شبه مطلق.

درهم سلاح يحتاج الى قنطار عقل

في أعقاب الهجوم وما رافقه من حالة توتر واستنفار لدى أهالي مدينة السويداء وقراها تشكلت لجان حماية محلية من ابناء المدينة والبلدات ونُصبت حواجز في كافة الطرق والحارات وفي مداخل القرى تحسباً لأي تسللٍ أو أي حدث طارئ، أما في القرى الشرقية التي تعرضت للهجوم فقد تم تشكيل خط دفاع كبير من المتطوعين والأهالي واللجان الشعبية بالإضافة إلى التعزيزات العسكرية التي بدأت بالتجمع والتحشيد استعداداً لعملية عسكرية في بادية السويداء.

كان لهذه الحواجز دورٌ كبيرٌ في طمأنة الناس وتهدئة مخاوفهم خاصةً وأنّ القائمين بأعمال الحراسة والدوريات هم من أبناء المنطقة، ولكن على الرغم من ذلك حدثت مواقف وأخطاء كثيرة ناجمة عن حالة الشك والتوتر كادت أن تؤدي الى حالة من الفوضى لولا تداركها واحتواؤها في اللحظات الأخيرة . ومن هذه المواقف مقتل شابين بالخطأ على أحد الحواجز في المدينة بعد أيامٍ قليلة من المجزرة، حيث كانا يستقلان دراجة نارية في وقت ٍمتأخرٍ من الليل ليتفاجآ بمجموعةٍ من الشباب المسلحين كانت قد أقامت حاجزاً مؤقتاً في أحد الطرقات فهرب الشابان ظناً منهما أنّ عناصر الحاجز من الدواعش، الأمر الذي أثار ارتياب العناصر ففتحوا نيران بنادقهم باتجاه الشابين الأمر الذي أدى إلى مصرعهما.

وفي حادثةٍ مشابهة ونتيجةً لانعدام التنسيق بين اللجان الشعبية وحالة التوتر السائدة حدث اشتباكٌ مسلح في منطقة بساتين الجبل أدى الى سقوط قتلى وجرحى. وقعت الحادثة عندما كانت إحدى السيارات التابعة للجان في دورية حراسة اعتيادية، وأثناء مرورها في أحد الطرقات وجد السائق الطريق مقطوعاً بحجارة، الأمر الذي دفعه للالتفاف والعودة خوفاً من أن تكون السيارة قد وقعت في كمينٍ، وعندما رأى عناصر الحاجز القريب السيارة قادمة باتجاههم مسرعة ظنوا أنها محاولة تسلل من الدواعش فاشتبكوا مع عناصر السيارة بالأسلحة.

لم تقتصر الأخطاء على ذلك، فقد استغلت عصابات الخطف والسرقة الأوضاع الأمنية المتوترة وغياب المحاسبة لإقامة حواجز بحجة الحماية، ويقوم عناصر هذه الحواجز بتوقيف ضحاياهم وابتزازهم وسرقة أموالهم وجوالاتهم وحتى سياراتهم وتهديدهم بتصفيتهم بحجة التعاون مع داعش، أو يقومون بخطفهم وطلب فدية ٍماليةٍ من ذويهم لإطلاق سراحهم. وبالطبع فإن أغلب المستهدفين كانوا من النازحين إلى السويداء من خارجها أو من عشائر البدو المتواجدة في المنطقة.

كما تجلت الخلافات الشخصية والحساسيات العائلية الموجودة في بعض المناطق بشكلٍ واضح بعد المجزرة، فكل طرفٍ يريد أن ينسب البطولات له ويتهم الطرف الآخر بالتخاذل والتقصير، ووصلت المزاودات إلى حدٍّ هزلي تجلى في تفاصيل سطحية، فعلى سبيل المثال تنافست بعض العائلات حول عدد أفرادها الذين يقفون على الحواجز، فيما قام بعض الأشخاص بتوزيع حلويات على السيارات المارة على الحاجز بحجة إعطاء صورةٍ حضارية عن المكان، بينما كان القصد من ورائها إغاظة الجهة المنافسة والمزاودة عليها في مشاهد تذكرنا بمسلسل الخربة الذي تدور أحداثه في المنطقة. وفي سياق ذلك كان أبناء إحدى القرى قد أقاموا دوريات حراسة على الحواجز في أوقات النهار والليل في حركةٍ تعد الوحيدة بين كافة قرى السويداء، وتكمن المفارقة أنّ موقع القرية يتوسط المحافظة والخطر عليها شبه معدوم، كما أن غالبية من كانوا يقفون في النهار هم تجار المازوت المهرب سابقاً والفاسدون المعروفون للجميع .ومن التفاصيل اليومية على الحواجز أيضاً، قيام بعض الشباب باستعراضاتٍ ذكورية برفقة أسلحتهم على الملأ وتصوير أنفسهم في “سلفيات” ونشر صورهم  أثناء دوريات الحراسة على صفحاتهم على الفيس بوك.

وكان الكثير من الشباب قد رفضوا الوقوف على الحواجز والقيام بالحراسة معتبرين أنّ الموضوع مجرّد تزلف واستعراض مظاهر، وقد يكونوا محقين في ذلك، إلا أنّ بعض من رفضوا المشاركة هم بالأساس من الحزبيين وممن كانوا يوزعون شعارات الوطنية والبطولة من بيوتهم ومكاتبهم.

ارتياب من الحياة الطبيعية

أدت المجزرة إلى تغير الحياة اليومية للناس حيث يسود جوٌ من الخوف والترقب والتوتر في المنطقة، الأمر الذي جعل الناس تُمضي أوقاتها في تصفح صفحات الأخبار المحلية كـ”السويداء 24” ومتابعة أي حدثٍ مستفسرين عن مصدر أصوات الرصاص التي تخرج هنا وهناك بين الحين والآخر. كما شكلت القطط والكلاب في جولاتها الليلية مصدر هلعٍ بالنسبة للكثير من الناس الذين باتوا متوجسين من أية حركة أو صوت غير مألوف، فمثلاً في إحدى الليالي اشتبه حارس إحدى المنشآت بحركةٍ وأصواتٍ بالقرب من المكان، فما كان منه إلا أن اتصل بصاحب المنشأة ليأتي الأخير مع مجموعة من أقاربه ليفتحوا نيران أسلحتهم بشكلٍ هستيريٍ وعشوائي باتجاه المنطقة المحيط بالمنشأة. ونتيجة لسماع أصوات الرصاص هبّ شباب القرية والقرى المجاورة لمؤازرة المجموعة في ظاهرة تسمى في السويداء بالـ “الفزعة” وقاموا بتمشيط المكان ليتبين أنّ مصدر الحركة المريبة كان كلباً حاول مهاجمة دجاجات الناطور الأمر الذي تسبب في كل تلك الاستنفارات وإطلاق الرصاص.

وفي حادثةٍ أخرى، انقطع التيار الكهربائي نتيجةً لعطلٍ فنيٍ في منتصف الليل تقريباً، ليلتها لم ينم أهالي السويداء، فليلة هجوم داعش انقطع التيار الكهرباء أيضاً، الأمر الذي جعل الناس تمضي ليلتها في الشوارع وعلى أسطح  البيوت والحواجز.

وفي تفصيلٍ لا يخلو من الطرافة أيضاً احتار الشبان في أمر ذقونهم التي كان إطلاقها بكثافة أمراً عادياً قبل الأحداث الأخيرة، ولكن بعد المجزرة بات منظر الذقون الطويلة يثير الشك والخوف والريبة، الأمر الذي دفع العديد من الشبان الى حلاقة ذقونهم احترازياً. ولكن مع سريان إشاعات جديدة تقول إنّ عناصر الجيش السوري وخلال مداهمتهم لبعض المغائر التي كان يختبئ فيها عناصر التنظيم وجدوا معدات حلاقة وآثاراً لشعرٍ محلوقٍ لإخفاء هويتهم، هنا انقلبت الآية رأساً على عقب وبخاصة لدى الأشخاص الذين لهم ملامح قد يخالها المرتاب أنها مغايرة لسحنة أهل المنطقة، الأمر الذي دفع الكثيرين لتخفيف ذقونهن وتحديدها وإضفاء موديلات عليها، أو ارتداء رموز وقلادات دينية في أعناقهم، أو التحدث بلكنة المنطقة المميزة وبصوت ٍعالٍ مستبقين سؤال العناصر على الحواجز فتسمع عبارات مثل: (الله محي الشباب، أنا فلان ابن فلان، درزي ابن درزي،)، وأحياناً يعقب الشخص مازحاً ولكسر التوتر: حقكم والله تدققوا شكلي طالع مثل الدواعش!

وعلى الرغم من الأخطاء والتفاصيل اليومية المقيتة التي تحدث على الحواجز التي يحرسها المتطوعون من أبناء المدينة، يبقى الرضى عنها محط إجماع معظم الناس وبخاصة عند مقارنتها بالحواجز الأمنية ذات السمعة السيئة، فالجميع بات يدرك أنّ من واجبه ومسؤوليته حماية منطقته وأهله في وقت لاتزال المعارك على أشدها في البادية، ومازال خطر التنظيم الذي أسر العشرات من المدنيين أثناء ارتكابه للمجزرة قائماً في كل لحظة ويقوم بين الحين والآخر بإرسال رسائل مرعبة عبر إعدام الأسرى تدريجياً للضغط وإجبار الحكومة السورية والأهالي للتفاوض مع التنظيم.