* تُنشر هذه المادة ضمن ملف “الحرب على كورونا: معركة جديدة مصيرية للسوريين\ات

شكّل الانتشار الكبير لفيروس كورونا على مستوى العالم وتصّدر أخباره وسائل  الإعلام لحظة بلحظة هاجساً للجميع، وبالرغم من خطورة الموضوع والتقارير المقدمة عن عدد الإصابات والوفيات حول العالم إلا أن المشهد في سوريا اتخذ صبغة خاصة حول ذلك. تم تسجيل إصابات مؤكدة في كل دول الجوار إلا أن سوريا لم تُسجل أي إصابة حتى اليوم حسب الرواية الرسمية، الأمر الذي أثار موجة من الأسئلة في الشارع السوري حول مصداقية التقارير المقدمة وخصوصاً أن هناك الكثير من الأخبار التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تؤكد وجود حالات إصابة بالمرض في أغلب المدن، إلا أن الحكومة تتكتم على الموضوع لأسباب أمنية واقتصادية في ظل واقع الحرب الذي مازال قائماً في البلاد.

وفي خطوة وصفتها بالاحترازية قررت الحكومة السورية فرض مجموعة من التدابير لمنع انتشار المرض مستقبلاً والوقاية منه، ومن هذه التدابير إغلاق المدارس حتى مطلع نسيان وتخفيض نسبة الدوام الرسمي للموظفين واعتماد مبدأ المناوبات وتجهيز المستشفيات وفرق الطوارئ ومقرات الحجر الصحي. كما منعت التجمع في المطاعم والنوادي والأسواق والأماكن الدينية، وقامت بحملات تعقيم للمرافق العامة بالإضافة لحملات التوعية بالمرض وضرورة الالتزام الطوعي بالبقاء في المنزل وتقليل الاختلاط والازدحام ما أمكن.

قوبلت الإجراءات الحكومية المفاجئة من الشارع السوري بردود أفعال متباينة، ففي السويداء على سبيل المثال نرى اختلافاً واضحاً في التعامل مع التحذيرات والقرارات الجديدة بين من يعتبرها ضرورية ولازمة لمواجهة المرض، وبين من يعتبرها إجراءات مبالغاً فيها كثيراً ولا داعي لها أبداً طالما لا توجد حالات إصابة على حد قولهم.

يعتبر بيان (47 عاماً، طبيب) ما تقوم به الحكومة من إجراءات في غاية الأهمية، لكن يبقى التعويل الأهم على وعي الناس في التعامل الجدي مع الوباء. يقول .بيان: “الجميع يدرك مدى محدودية الخدمات والرعاية الصحية الموجودة نتيجة الحرب، ففي حال انتشر الوباء في سوريا سيكون كارثياً بكل معنى الكلمة، المستشفيات والمراكز الصحية لا تستطيع التعامل مع جائحة بهذا الحجم فيما لو حدثت، ولذا يجب على الجميع عدم الاستهتار بالموضوع والالتزام بخطوات الوقاية والتي للأسف لحد اليوم لازالت محدودة وغير جدية.” ويعلق مازحاً: “على غير العادة هذه المرة لم تعقد حلقات الدبكة في الساحات العامة لمواجهة فيروس كورونا، هي فترة محدودة وستمر فإما أن ندخل التاريخ أو نخرج من الجغرافيا”.

ويضيف بيان: “المفارقات التي نراها في الشارع تدعو للقلق، فرغم قرار إغلاق المدارس إلا أن الأطفال يتجمعون في الحارات وكأنها فرصة أو عطلة للعب والتسلية، كذلك الأمر في المناسبات الاجتماعية والزيارات العائلية حتى أن البعض أسماها بعيد الكورونا، حيث وجدوها فرصة للتواصل أشبه بأيام الأعياد. فما نفع الكمامات والمعقمات طالما بقي التواصل الاجتماعي على ما هو، الأمر يحتاج جدية في التعامل حتى لو اضطرت الحكومة لفرضه على الناس فرضاً.”

الحياة الاجتماعية في مدينة كالسويداء لا تزال تحكمها كثير من العادات التي تعتبر تهديداً حقيقياً في حال انتشر المرض فعلاً، الزيارات بين الناس، والتجمعات في المناسبات، وعادات شرب القهوة المرة من نفس الفنجان، و شرب المتة بكأس مشتركة، أو حتى المصافحة والتقبيل، كلها عادات تشكل خطراً حقيقياً ويمكن أن تؤدي لانتشار المرض. ورغم تعليمات الصحة والهيئات الدينية والاجتماعية في المدينة لإلغاء هذه العادات في الوقت الراهن إلا أن الكثيرين يقللون من أهمية تلك الإجراءات واعتبارها خارج سياق الوقاية الفعلية.

يتساءل أبو أحمد (55 عاماً، موظف حكومي) عن فائدة هذه الإجراءات الحكومية في الوقت الذي لا تطبق بشكل جدي على باقي مناحي الحياة في المدينة، ويقول: “لا تكون الوقاية بالشكل فقط وتطبق على أشياء دون غيرها، فما نفع هذه القرارات طالما بقيت أزمة المحروقات قائمة والناس تتدافع على منافذ بيع الغاز والكازيات، وعلى الأفران والمؤسسات الاستهلاكية لشراء مخصصاتهم من المواد التموينية، ماذا عن وسائل النقل العامة والخاصة، كيف يمكن تعقيم أوراق العملة مثلاً والتي يقوم الجميع بتداولها، ماذا عن وحدات الجيش والقطع العسكرية والجنود في المعارك، من يريد تطبيق الوقاية يجب أن تكون شاملة وإلا فهي حبر على ورق.” ويتابع القول: “تطالبنا الحكومة بالبقاء في المنازل والالتزام بالتعليمات بينما لا تخبرنا ماذا ستفعل في حال انتشر المرض ونحن نعلم جميعاً مدى سوء الرعاية الصحية في البلد. هناك تقارير تؤكد أن في سوريا كلها لا يوجد أكثر من 30 منفسة وجهاز إنعاش. الحكومة التي تطالبنا بالنظافة وغسيل الأيدي والتعقيم هي نفسها المسؤولة عن أكوام القمامة المنتشرة في الحارات والشوارع. الأجدى بالحكومة أن تقوم بواجباتها أولاً وبعدها فلتطلب من الناس الالتزام. إن صور مركز الحجر الصحي التي انتشرت على مواقع التواصل في ريف دمشق تُثير الرعب وتبعث على التشاؤم والإحباط، هذا عدا عن أن غالبية الناس تضطر للخروج والعمل لتأمين قوت يومها في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة والمنهارة التي يعانيها الجميع ليأتي قرار المنع وإغلاق الكثير من المرافق فيزيد الطين بلّة، في حين لم تصرح الحكومة عن أي إجراءات لمساعدة الناس أو تعويض المتضررين إلى الآن.”

يبدو الخوف واضحاً في كل مفاصل الحياة في مدينة السويداء وإن بدا في بعض الأحيان عكس ذلك، خوف يخالطه الكثير من العبث واللامبالاة، الجميع يعلم في قرارة نفسه مدى خطورة وباء كورونا فعلاً، لكن إحساسهم بالعجز والخوف يتجاوز التعامل الجدي مع الموضوع لينقلب إلى شيء أشبه بالدعابة في بعض الأحيان أو التقليل من أهمية الموضوع والتسليم في أحيان أخرى. سيرى المتابع لصفحات التواصل الاجتماعي ذلك بوضوح، وسيلمس المتنقل في بعض شوارع مدينة السويداء ذلك حتماً، فحركة الأسواق بدأت تتأثر بالموضوع، وقل الطلب على أغلب السلع باستثناء المواد الغذائية والطبية والتي شهدت إقبالاً كبيراً وزيادة ملحوظة في أسعار بعض المواد وبالأخص مواد التعقيم والمنظفات والكمامات الطبية وغيرها، حتى أنني لم أوفق بالحصول على علبة فيتامين c  رغم سؤالي لأكثر من 10 صيدليات في المدينة.

اللافت في السويداء سرعة الاستجابة لقرارات الوقاية في الريف بشكل كبير، فقد قامت العديد من القرى بمبادرات محلية لتعقيم جميع المرافق والطرقات وحث الأهالي على الالتزام بالنظافة وارتداء القفازات والكمامات وبالأخص أصحاب المحلات التجارية أو سائقي المركبات العامة، بالإضافة لمنع كافة أشكال الاجتماعات والفعاليات وتخصيص صندوق لجمع التبرعات في حالة الطوارئ.

قد تتدبر الناس أمرها وتتحايل في التعامل مع الواقع اليوم سواء بالإنكار أو الامتثال أو حتى بالسخرية، لكن ما يثير القلق هو السؤال: ماذا لو بات المرض واقعاً فعلياً؟ كيف سيواجهه السوريون\ات وهم بهذه الحالة بعد كل ما حل بهم؟ سؤال يبقى مفتوحاً لاحتمالات المجهول المرعبة.