سمعت عنود للمرة الأولى تعليقات ولديها خلف وضرغام المعجبين بداعش، “زلم وشجعان مخلصين” قالا وهما يشاهدان مقطع فيديو لمسلحي التنظيم يرجمون سيدة حتى الموت في ريف حماة بتهمة الزنا.

ولكن نزلت عليها الصدمة “كالصاعقة” منتصف آب/أغسطس ٢٠١٥ بعد اختفائهما. تقول الأرملة الخمسينية المنحدرة من ريف مدينة “تل حميس” “بدايةً ظننتُ أنهما خُطفا، وبعد شهر علمتُ من ابن عمهما أنهما توجها إلى مدينة الرقة وانضما رسمياً لصفوف التنظيم الإرهابي.”

أسر بعد ذلك ابنها ضرغام على يد وحدات حماية الشعب، وفجر خلف نفسه في عملية إرهابية في دير الزور العام الفائت، لتتزوج أرملته من مقاتل آخر، مما اضطر عنود لتحمل مسؤولية إعالة أحفادها الأربعة، فعملت كبائعة ألبسة متجولة بين حارات المدينة.

أما سعاد (اسم مستعار لمعلمة من الشدادي في ريف الحسكة) فقد شاهدت جثتي ولديها اليافعين غيث وليث في هاتفها النقال، إثر مقتلهما بغارة جوية للتحالف الدولي على معاقل تنظيم داعش في الرقة قبل عامين.

وكانت سعاد فرّت مع عائلتها من الشدادي للعيش في الحسكة قبل أكثر من ثلاث سنوات، بعد سيطرة التنظيم عليها وانتابتها الشكوك قبلاً بانتماء ولديها للتنظيم، إثر تعنيفهما لشقيقتهما الوحيدة إسراء، وإجبارها على ارتداء العباءة والخمار الأسود “برقع”. وتقول سعاد “قام أيضاً غيث وليث بمنع إسراء من الذهاب إلى المدرسة ونعتاها بالمرتدة والخارجة عن الدين؛ في حين أمضيا معظم وقتهما على الإنترنت حتى ساعات متأخرة من الليل.”

دفعت هذه التغييرات السلوكية سعاد وزوجها إلى مراقبة الولدين، والبحث في هواتفهما النقالة كلما سنحت لهما الفرصة لقراءة رسائلهما الخاصة، وقد شاهدا فيهما العديد من مقاطع فيديو لذبح وقتل وحرق مارسها متطرفو داعش.

تروي سعاد أنها في إحدى المرات “قرأت رسالة شخص كنى نفسه بأبي همام على حسابه على  تويتر يعد غيث (١٦ عاماَ) بتأمين دخوله وشقيقه ليث (١٥ عاماً) إلى دولة الخلافة.” دفع خوف سعاد على ولديها من الانضمام للتنظيم إلى استدانة مبلغ ٢٥ ألف دولار من شقيقها لدفع تكاليف تسفيرهما لألمانيا وحمايتهما من دعاية التنظيم.

تقول سعاد “استدلينا أنا وزوجي على مهرب للبشر تكفل في إيصالهما من القامشلي إلى تركيا فروسيا وصولاً لألمانيا، فشقيقي المقيم هناك منذ عشر سنوات كان سيستقبلهما، وبالفعل وصلا من تركيا إلى روسيا لكنهما رجعا إلى تركيا مجدداً وعبرا إلى الرقة، حيث قتلا بعد تسعة أشهر من وصولهما للمدينة، لقد فات الأوان وفشلتُ في إبعاد شبح داعش عن طريق ولدي والنهاية كانت كارثية علينا.”

الأئمة المتشددون

ازدادت شكوك دانيال محمد بتوجهات صديق طفولته وابن عمه محمد المتطرفة، في كل مرة يرسل له فيها عبر تطبيق الواتس أب مقاطع يوتيوب لخطباء داعش، وهم يعدون بحياة وردية ما بعد الموت و”بحور عين تنتظر من يفجر نفسه في الكفار أعداء الخلافة.”

إلى أن أيقن دانيال أخيراً أن ابن عمه الذي فر من الخدمة الإلزامية منتصف آذار ٢٠١١ وسافر إلى مدينة غازي عنتاب التركية، قد تشرب من فكر داعش ويسعى إلى جره هو الآخر لمستنقع التطرف.

يقول دانيال “في كل مرة كنتُ أسأل محمد عن سبب تحدثه العربية الفصحى بدل لهجتنا العامية كان يبتسم ويقول لأنها لغة أهل الجنة.” وعن كيفية وصول داعش لابن عمه يضيف دانيال “لدى داعش منصات عملاقة على وسائل التواصل الاجتماعي لتجنيد ضحاياه. ونجح عبرها في استقطاب آلاف الشباب، ومنهم ابن عمي الذي انقطعت أخباره عني لفترة أشهر، ومن ثم تفاجأت بخبر مقتله منشوراً مع صورة له على إحدى الصفحات التي يديرها التنظيم.”

ويعتقد دانيال أن العديد من الشباب انساقوا خلف بعض الأئمة المتشددين الذين شوهوا أفكارهم “عندما يتواصلون معهم عبر الشبكة العنكبوتية، يُصبح من السهل إعطاؤهم جرعة كراهية واحدة عن مجتمعهم ومزيداً من التطرف، ليصبحوا جاهزين لتبرير عمليات قتل وذبح أفراد في مجتمع يرونه كَافراً بسبب خطاب الأئمة المتشددين. أعتقد لو أنه تمت مراقبتهم منذ البداية لما أفرز المجتمع كل تلك النماذج غير السوية في تفكيرها.”

ملايين المستخدمين

سخَّر تنظيم داعش الشبكة الرقمية لبث وتجنيد الشباب اليافع في صفوفه لسهولة استخدامها وسرعة انتشار وسائل الإعلام الجديد بين الشرائح الشبابية بحسب مؤيد كريم، الخبير في مواقع التواصل الاجتماعي وتقنية المعلومات، ويشير كريم إلى أن سرعة تطور الإنترنت أدى إلى تغير النظرة حول خطورة الإرهاب الإلكتروني من أعمال القرصنة التي تطال مواقع لمؤسسات حكومية وإعلامية ضخمة؛ إلى القلق من استخدام التنظيمات المتشددة لشبكات التواصل الاجتماعي لتجنيد الشبان واليافعين، لاسيما وأن عدد مستخدمي “الفيسبوك” من العرب قد تخطى الـ ٩٠ مليون مستخدم. ويقول كريم إن “عناصر التنظيم يلجؤون للترويج لأفكارهم المتشددة عبر أجهزتهم المحمولة وهواتفهم الذكية التي يصعب رصدها”، موضحاً أن “داعش يشن هجمات نفسية ضد من يعتبرهم أعداءه، من خلال نشره لأفلام مُرعبة لإعدام ونحر رؤوس رهائن وأسرى لديه”.

أما أكثر وسيلة تواصل اجتماعي يعتمد عليها داعش في حربه الإلكترونية، فهي موقع “تويتر” بحسب كريم، فهو يوفر خاصية العمومية والتدوين المباشر الذي يُتيح بث التغريدات لعدد هائل من مستخدميه. ووفقاً لكريم فقد تجاوز تعداد الحسابات النشطة على توتير العام الفائت ٢٧٠ مليون مستخدم، ويُقدر نشر أكثر من ٤٠٠ مليون تغريدة يومياً.

“أحفاد الرسول”، “دار الخلافة”، و”زهرة المقدس” جميعها حسابات تُصدر الإرهاب عبر منصات التواصل، لتحصل على أكبر عدد من المتابعين الشباب كما بينت الصحفية التونسية “زهور المشرقي” في مستهل حديثها. وتشير المشرقي إلى دراسة حديثة كشفت عن امتلاك تنظيم داعش لسبع أذرع إعلامية، ومنها “الفرقان”، و”الاعتصام”، و”مكاتب الولايات”، وإذاعة “البيان”، ومجلة “دابق” إضافة لـ٢٩٠ ألف صفحة على الإعلام الاجتماعي لاسيما “تويتر “و”الفيسبوك.” تهدف جميعها بشكل رئيسي للترويج والتسويق لفكر التنظيم حول العالم “لتجنيد أكبر عدد من الشباب لاسيما المتشدد في أفكاره من كل أنحاء العالم” بحسب الدراسة.

المسلمون والخبراء النفسيون…للدعاية

ولإدراك التنظيم لأهمية الدعاية الإلكترونية، أصدر استراتيجية تتناول سبل جعل المسلمين يعملون كنشطاء دعائيين لديها على الإنترنت، وهدفت الوثيقة المؤلفة من ٥٥ صفحة إلى جذب المسلمين وإغرائهم للترويج للتنظيم في نشر رسالته العنيفة المتشددة في العالم الرقمي والتي تحدثت إحدى فقراتها: “الأسلحة الإعلامية يمكن أن تكون في الواقع أكثر فعالية من القنابل الذرية.”

و أوصى باحثون من كلية “كينغر كوليدج” البريطانية في تقرير لهم بعد ترجمة الوثيقة على مواجهة سعي التنظيم إنابة المسلمين عنه كدعاة ومروجين، من خلال تزويد المجندين المحتملين من الشباب المسلم ممن يبحثون عن هدف لأنفسهم في غرف الدردشة برسائل إيجابية تلبي احتياجاتهم وتمنع تطرفهم.

يشير آرام حسن (استشاري الصدمات النفسية ومدير مركز “كوتم” في ألمانيا) إلى دراسات وإحصاءات أثبتت نجاح التنظيم في حربه الإلكترونية والتي فاقت نجاحاته في حروبه الميدانية التي خاضها في سورية والعراق.

ويتحدث حسن عن توظيف داعش لخبراء نفسيين يستخدمهم في مساعيه لتجنيد عناصره الجدد، “لديهم خبرة، تظهر جلية في إصداراتهم الإعلامية المقروءة والمرئية التي يخرجونها باحترافية عالية، ناهيك عن اللغة المستخدمة وتحكمهم في طبقات الصوت والمؤثرات. كل هذا يدل على خبرة وعلم واحتراف” يقول حسن.

وعن آليات التعامل مع هذه الدعاية يشير حسن إلى أن إيقاف تأثير التنظيم على الشباب يمكن حله على مستوى الأفراد، والحكومات، والمؤسسات الدولية من خلال إنشاء مراكز لمكافحة التطرف، وتوعية مستخدمي الشبكة العنكبوتية بخطورة هذه التنظيمات للحد من تأثيرها على عقول الشباب.