تُعتبر منطقة الشمال السوري من أصعب المناطق التي يمكن التكلم عنها والبحث فيها، بسبب صراع المصالح الداخلية والخارجية وتوزع أماكن السيطرة والنفوذ، والذي أدّى في النهاية إلى تدخلات عسكرية خارجية سواء في وسط محافظة إدلب أو في مدينة عفرين شمال سوريا، صحيح بأن مدينة عفرين لم تدخل في مناطق” خفض التصعيد” إلا أنها متّصلة بشكل مباشر بما يحدث فيها، كونها جزءاً أساسياً في مثلث صراع المصالح الروسي – التركي – الأمريكي، والذي زاد من حدّته في الآونة الأخيرة.

تمت تسمية محافظة إدلب وبعض من امتداداتها داخل محافظتي حماه واللاذقية بمنطقة ”خفض تصعيد“ رابعة في سوريا، وجرى الاتفاق عليها في لقاء ”أستانة – ٦” بين الدول الثلاث الضامنة، روسيا وتركيا وإيران، وهي في معطياتها تشبه مناطق خفض التصعيد السابقة كما وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين “إذا أقيمت منطقة تخفيف التصعيد، فحينئذ لن يحلّق فوقها الطيران شرط ألا يسجَّل أي نشاط عسكري في تلك المناطق“ وأضاف ”إنّ محاربة التنظيمات الإرهابية مثل تنظيم “داعش” أو “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، ستتواصل رغم احتمال إقرار المناطق الآمنة“.

تحمل منطقة ”خفض التصعيد“ في محافظة إدلب صفتين خاصتين، أولهما أنها تشمل المنطقة الجغرافية المعنية وتستثني فصائل المعارضة المتواجدة فيها، حيث أن الاتفاق تم توقيعه بين الدول الثلاث الراعية لمؤتمر أستانة، وثانيهما أنه سيتم نشر قوات تركية في ١٢ نقطة مراقبة من جانب مناطق سيطرة فصائل المعارضة المسلحة، فيما سيتم نشر قوات مراقبة روسية وإيرانية من جانب سيطرة النظام السوري. وفعلاً بدأت عناصر القوات المسلحة التركية بإنشاء مراكز مراقبة اعتباراً من ١٢ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٧، حيث أقيمت ثلاث منها على محور إدلب – عفرين، قرب قرية صولة وقلعة سمعان، وتلة الشيخ عقيل، ومع وصول الجيش السوري وسيطرته على مطار ”أبو الضهور“ العسكري مؤخراً، وصلت قوة عسكرية تركية إلى ”تلة العيس“ لإنشاء نقطة مراقبة رابعة ملاصقة لأماكن تواجد الجيش السوري، كذلك أجرى وفد عسكري للقوات التركية مساء الثلاثاء الفائت، جولة استطلاعية داخل مطار تفتناز العسكري شمال شرق إدلب، تمهيداً لإقامة نقطة مراقبة خامسة في المنطقة. ورجّحت بعض المصادر التركية – بحسب وسائل إعلامية تركية – بأن تُنهي القوات التركية انتشارها في جميع النقاط الـ١٢ المُتفق عليها، في إدلب وأرياف حلب وحماة والساحل خلال عشرة أيام فقط، مما يعني تسريعاً في تنفيذ العملية وانتقاء نقاط المراقبة بالتزامن مع تقدم الجيش السوري والقوات الحليفة نحو سراقب ومعرة النعمان من الجهة الشرقية. مما يوحي بأنها تحديد لمناطق النفوذ أكثر منها للمراقبة، فلا معنى لمراقبة انتهاكات خفض التصعيد – التي كنّا نتطلّع إليها – مع كل هذا التصعيد في المنطقة.

لقد أصبحت تركيا حليفاً مهماً لروسيا في الشمال السوري، وبدونها لما استطاعت روسيا تحقيق نجاح عسكري في مدينة حلب، ولا إنتاج مناطق خفض التصعيد في سوريا، والتي كان من أهم نتائجها تحجيم مناطق سيطرة تنظيم داعش في دير الزور، وإنهاء تواجدها تماماً في البادية السورية (ضمن حصّة روسيا والجيش السوري في قتال داعش)، بالإضافة إلى حصر تواجد عناصر جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام حالياً) في منطقة إدلب وريفها، بعد اتفاقيات وعمليات نقلهم من مناطق الصراع المختلفة (عرسال لبنان وجبال القلمون غرب العاصمة دمشق، الغوطة الشرقية، مخيم اليرموك ومناطق جنوب دمشق، درعا). كما نتج من التعاون التركي الروسي عملية فصل لفصائل المعارضة المُصنفة معتدلة عن هيئة تحرير الشام، والتي طالبت بها روسيا كثيراً، ولم تستطِع أو ترغب القيادة الأمريكية في تحقيقها، ولكن تركيا استطاعت فعل ذلك، من خلال سحب فصائل معارضة من شرقي مدينة حلب وجعلهم إلى جانبها في عملية ”درع الفرات“ التي انطلقت إلى جرابلس لطرد تنظيم داعش، ثم توسعت لتشمل إبعاد المقاتلين الأكراد إلى شرق نهر الفرات، ومرة أخرى في سحب فصائل معارضة من محافظة إدلب وانخراطهم معها في عملية ”غصن الزيتون“ ضد وحدات حماية الشعب الكردي في مدينة عفرين، بالإضافة إلى تحييدها فصيل ”حركة أحرار الشام“ الذي شارك بصورة متأخرة في اجتماعات أستانة، ووافق على مخرجاتها بعد أن انقسم شاقولياً بين متشدّد انضم إلى هيئة تحرير الشام، ومعتدل اتّخذ من منطقة الغاب في الريف الحموي وبعض مناطق الريف الإدلبي مكاناً ثابتاً له.

كما هو ملاحظ، حققت تركيا الكثير من أهدافها من خلال هذا التعاون، فقد أصبحت تملك أكثر من قاعدة عسكرية في الشمال السوري حيث مناطق سيطرتها مع حلفائها من المعارضة، ونقاط مراقبة خفض تصعيد منتشرة في محافظة إدلب تحدد وتحمي مناطق نفوذها، بالإضافة إلى دخول جوي للأجواء السورية كان محظوراً عليها في السابق، مما مكّنها من التوغل في الأراضي السورية وحماية أمنها القومي كما تدّعي.

لكن هذا التعاون والتنسيق يحمل الكثير من تباين الرؤى بين الطرفين، فروسيا تنظر إلى الحل السوري بشكل كامل وشامل، ولكن من زاوية محدّدة تقتضي دعم الحليف ”النظام السوري“ وإقصاء جميع معارضيه، بينما تنظر تركيا إلى مصالحها من زاوية الطموح الكردي في الشمال السوري، إضافة لأطماع ومكاسب أصبح بالإمكان تحقيقها، وهذا خلق نوع من الندّية وبعض التصادم سياسياً وعسكرياً، وإن كان بطريقة غير مباشرة. فمثلاً استنكرت تركيا دعوة روسيا لممثلين من حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي ووحدات حماية الشعب الكردية لحضور مؤتمر ”الحوار الوطني“ في سوتشي، وعند دخول الجيش السوري المدعوم بالطيران الروسي إلى ريف إدلب وسيطرته على العديد من القرى والبلدات هناك، تصدّت بعض فصائل المعارضة الصغيرة لهذا التقدم السريع واستطاعت أن تحدّ منه وتسترجع الكثير من المناطق التي خسرتها، كانت كما يبدو بدعم وتسليح تركي، حتى أن صور المدرّعات التركية التي استخدمتها قوات المعارضة كانت واضحة في وسائل الإعلام وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، ناهيك عن عملية استهداف الرتل العسكري التركي المتوجه إلى ”تلة العيس“ من مناطق سيطرة الجيش السوري والرد التركي عليها، ثم مؤخراً بعد بدء عملية ”غصن الزيتون“ بأيام قام الجيش السوري بنشر وحدات دفاع جوي جديدة وصواريخ مضادة للطائرات في الخطوط الأمامية في ريفي حلب وإدلب لتُغطّي كامل المجال الجوي في شمال سوريا.

أما بالنسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فكما تبَيّن بأنهم منقسمون إلى فريقين، فريق يميل إلى التنسيق والدخول في الرؤية الروسية للحل مع توفّر ضمانات يجب تحقيقها ضمن الدولة السورية، وهذا كان واضحاً في تصريحات الرئيس المشترك لـ ”قوات سوريا الديمقراطية“ السيد رياض درار حول أن هذه القوات ستنضم للجيش السوري الذي سيتكفل بتسليحها عندما تتحقق التسوية السورية، وفريق – أكثر ترجيحاً – يميل نحو الانخراط في المشروع الأمريكي المأمول تحقيقه شرق الفرات، والذي أدى إلى رفض الطرح الروسي الذي يقترح دخول الجيش السوري إلى مدينة عفرين لوقف العملية العسكرية التركية فيها. رغم ذلك من الملاحظ بأن عملية ”غصن الزيتون“ لازالت في محيط المدينة، والجيش التركي – الذي دخل المعركة بالتنسيق مع الروس – غير منخرط فيها بشكل مباشر على الأرض، بل تقوم فصائل المعارضة السورية بالدور الأكبر في الهجوم البري، مع مساندة للمدفعية والمروحيات التركية، بالإضافة إلى الطيران الحربي، وهذا يدل بأن هناك متّسعاً من الوقت لتحقيق مخرج سياسي ما، وأن روسيا – التي لم تسحب كامل جنودها من عفرين – لا تزال متمسكة بالورقة الكردية في محاولة منها لإبعادهم عن المشروع الأمريكي الذي سوف يؤدي حتماً إلى تقسيم سوريا، وهذا يتناغم بشدة مع مصالح كل من تركيا وإيران اللتين تعملان جنباً إلى جنب مع الروس لمنع تحقيقه، رغم تضارب المصالح فيما بينهم. لكن يبدو أن ”الماكينة“ الروسية تعمل في أفضل حالاتها، فعين على المشروع الأمريكي شرق الفرات والقضية الكردية، وأخرى على مخاوف وطموح تركيا، ومتابعة التنسيق معها لأجل القضاء على هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) في إدلب وريفها، بالإضافة إلى متابعة تطور الوضع في الجنوب السوري وما يجري بين الايرانيين والإسرائيليين، كل ذلك ضمن سعيها لتطبيق الحل وفق رؤيتها، وبما يتوافق مع قرار مجلس الأمن رقم ٢٢٥٤ الخاص بسوريا.

لكن – رغم ذلك – تظهر بعض الأمور غير المتوقعة، فمع قدوم العام الجديد، وفي السادس من يناير/كانون الثاني، تعرّضت قاعدة حميميم الجوية العسكرية التابعة للقوات الروسية في سوريا، إلى هجوم هو الأول من نوعه، بعدما حلَّقت ١٣ طائرة من دون طيار مزودة بقنابل يدوية الصنع هاجمت القاعدة الجوية الروسية في حميميم والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس، ولكن الهجوم فشل، بعد تصدي الدفاعات الأرضية لها، صحيح بأنه لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الهجوم، لكن بحسب وزارة الدفاع الروسية فإن الطائرات المسيّرة بدون طيار ”الدرونات“ انطلقت من جنوب غرب منطقة خفض التصعيد في محافظة إدلب، ولاحقاً مع التصعيد العسكري الأخير واشتداد القصف على مدينة سراقب في ريف إدلب، تمّ اسقاط طائرة سوخوي روسية بمضاد طيران محمول على الكتف، وهو سلاح محرّم على فصائل المعارضة امتلاكه منذ بداية الأزمة. لم تخرج روسيا حتى الآن بأي تصريح اتهامي، ولكنها طالبت بأجزاء طائرتها المحطمة لفحصها بغاية الكشف عن مصدر الصاروخ الذي أسقطها ونوعه، وأخيراً كان التصعيد الإسرائيلي في الجنوب بعد إسقاط مقاتلة F16 الإسرائيلية بمضادات طيران سورية، و ما تلاه من توعّد اسرائيلي لتواجد ايران في الجنوب السوري، ناهيك عن التصعيد الأمريكي – الغربي في مجلس الأمن ضد النظام السوري لاستخدامه غاز الكلور في الغوطة الشرقية وريف إدلب ضد معارضيه.

كل ذلك يرسم الكثير من علامات الاستفهام والقليل من الدلالات، فمن له مصلحة بقصف قاعدة حميميم ويملك هذه التقنية المتطورة؟ ومن سرّب لعناصر هيئة تحرير الشام مضاد الطيران المحمول على الكتف؟
هي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها، ومن الصعب الجزم بها، لكن يمكن تبيّن بعض من ملامحها من خلال من يريد تعطيل الحل الذي تقترحه وتنفذه روسيا في ظل تضارب وتجاذب مثلث المصالح في الشمال السوري، طبعاً دون أن ننسى من استثمر كثيراً في” هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) وغاب عن المشهد مؤخراً لأسباب خارجة عن إرادته.

إن ما نلاحظه ونعمل على متابعته اليوم في الشمال السوري، قد نرى مثله في الجنوب مع اختلاف اللاعبين وتشابه المصالح وتشابكها، هي أيام عسيرة على سوريا والسوريين، لا يمكن التنبؤ بها، لكن ما هو واضح بأن من يدفع الثمن هو الشعب السوري وحده، بعيداً حتى عن التعاطف الكاذب الذي كان في بداية الأزمة، فمنظر الأطفال والنساء الذين يتم استخراجهم من تحت الركام لم يعد يحرّك مشاعر أحد، بل بات الأمر أكثر وقاحة في استثمار الدم السوري لتحقيق مصالح أكثر.