الخفّة

ليس للخفّة مذهب في التعبير الصريح إلا للدلالة على ما لا وزن له إلا قليلا، أي أنها تلتزم منطوق الجسم المادي لتعبر عما لا جسم مادي له أو يكاد، وإذ يرميها النحويون باتجاه النافل واللاقيمة له فإنها تصبح عند شعراء التيه العربي صفة للجسم إذا عشق وهام فخفّ من مُلزمات الحياة =الدنيوية وطار في النسائم، فيقولون : يا خفّة الألم الصغيرة وخفيفة النظرات تُشعل راحتي، وأحيانا يذهبون في هذا مذهب التقليل من الشأن فيقولون: خفيف العقل أي قليله إذا استبدّ الرجل برأيه وطاوع فيه زوجته أو مستشاريه أو ابن صديقه ويقولون: خفّة الروح، كناية عن وجود لا وجود له ولا كثافة في الجسيمات، بل إحساس فاض فطاف.

فكيف إذن نلوي عنق المفردة ونسترشد بها في منطوق الأزمة: الأطراف المتحاربة لا ترى شريكا ذا ثقل وأمانة لتجلس معه على طاولة المباحثات وتقتسم معه قديد التراب وطبيخ الهواء، بل أنهم لا يرون وزنا للجغرافيا بتمامها، بالتلال والأنهار والمحاصيل الباكية، حتى احتاجت هذه الجغرافيا أن تتقسم على الورثة التاريخيين ليعرف المتحاربون أن التراب ينسلّ أيضا من بين الأصابع، فالأدوات خفيفة.

والحلفاء (حلفاء الطرفين) لا يعترفون بالمنزلق الذي انحدرت إليه الصيغة السورية للموت أو على الأقل لا يعترفون به علنا، بل يدعون إلى مزيد من الصمود ومزيد من الدم ما يقود إلى مزيد من القتل ومزيد من الفوات،في أغنية شيطانية لا تنتهي تراتيبها، فالحلفاء خفيفون.

الخفّة في كل ما جرى ويجري، خفّة تشي بانعدام المسؤولية عامة تجاه الدم والدمار، الخفة هي السمة الغالبة لخطابي المهاجمين والمدافعين، بين داخل وخارج ، بين يميني ويساري، بين خفيف وآخر أكثر خفة، خفة في تحليل المآل الذي انطبقت عليه ثورة حتى أصبحت حربا أهلية، وخفة في الدفع المؤجل، ذلك أن هناك كمبيالات آجلة الدفع سندفعها جميعا في قادم الأيام، منتصرين أو مهزومين، للعمامة الفارسية أو للبرنيطة الغربية أو للقلبق الروسي.

وفي هذا تخف الحياة حتى تتلاشى، تحت قذيفة فارغة.

اختلال الصفة

في كلام العرب المقسّم أضرابا أربعة في اسم ومصدر وظرف وصفة، تتخفى الصفة بشرط تحققها، كما يتخفى المطر في جيب السحابة، فلا يقال عن جندي أنه صنديد إذا كان هاربا من معركة تحرير بلاده من غزاته و لا يقال عن صياد أنه خبير إن كان يعود مساء إلى حجر زوجته بسلة سمك مشتراة من سوق المعلّب.

والخلاف ينشأ من إمكانية التحقق من الصفات المطلقة على غارب حروفها في صحافة وتلفاز، فمعارضة وطنية وحكم وطني ونظام جمهوري وأحزاب إسلامية وصولا إلى أمم متحدة وحقوق إنسانية، فالحزب النازي المرفوع على أعمدة الدمار الجغرافي كان ديمقراطيا ومسيحيا أيضا، وحزب البعث كان يلصق شعارا في داخل أمعاء كل مناصر، وحدة وحرية واشتراكية، فأثمرت وحدته حروبا شقيقة وقضت حريته ضربا في المعتقلات المعتمة ونامت اشتراكيته على أحلام الشركاء الحرابيق، وحدها التنظيمات الإسلامية لم تدّع أنها قادمة لنصرة الإنسان أو الجغرافيا، جاءت من الجحيم وترغب بإعادة الجميع إليه، من جاهلية ضيقة وإليها تعود، لكنها أيضا تعيد الحق مصحوبا ببركات مشايخها العظام إلى نصرة للدين وإقامة للعدل وهي من هذا تنصر الكفر وتقيم الظلم في غير مكان.

يقودون اللغة من عنقها إلى حيث تجلد بالأحزمة والسياط وما من سلطة ليعاد التعريف إلى بطن صاحبه أو لاستقدام شرط وجند لغويين يمنعون إطلاق صفة الهبوب على نفخة لا تكاد تزيح ريشة عن كرسي، انظر كيف يستخدم “محلل” سياسي له في أوليات التحليل بضعة أيام قضاها في معتقل ما، انظر كيف يرمي الصفات على عواهن التطييف والتخوين، انظره كيف يقسم الخريطة العسكرية إلى طيبين فينعيهم وسيئين فيقصفهم وهو من كل هذا أمّي حتى في الوطنية وملفاتها.

إنها الصفات المختلة.

الصفيق

جاء في مخطوط معارج الهواء لأبي روز الطواحيني : أتى رجل إلى قاض وشكا أخاً له لا يعطيه نصيبه في إرث ٍ تقادم، فقال له: شاركه فإن فيها بركة، قال: شاركته في قطيع فالإناث له والذكور لي، وفي زرع فالمثمر له والعقيم لي، وفي رطب فالصالح له واليابس لي، قال: شاركه في الصلاة فالنار له والجنة لك.

وفي هذا المثال ما يرمي مثالا عن نوازع السلطة في الحكم، فلا هي تعطي وزنا للشريك / الشعب في السيادة  ولا هي تسمح له بالفرار في أرض الله الواسعة، ومن سخرية المنطوق أن في لفظ الشراكة كلمة شرك الذي هو ثقب في الأرض يزرع رماحا وسهاما حادة تنغرز في لحم السائر خلي القلب، الشراكة عند الحاكم الشرقي تعني أن تتحمل وزر الموت بصمت، أن تحمل بندقية لترتكب جريمة في حق أخ آخر لك، الشراكة في استيلاد الدم لا في استنبات القمح، في اختراع العداوات على جناح الطائفة أو الولاء لا على تجارة الحمضيات، شراكة أصحاب المزارع الطازجة التي ترانا أجراء غافلين يحق لها مصادرتنا إذا ارتأت والتضحية بنا على مذبح التخمير الطائفي .

والأسى يتعاظم حين تبحث في شريكك عن مآل العقد الموقع آنفا ، عن الشروط الجزائية وبنود الحق فلا ترى إلا نصالا حامية تجرد حياتك من حياتها، كأننا رهائن لا أكثر وربما أقل، رهائن يهدد بقتلنا في مجالس الأمم، إذا نقص كراء مزارعه أو تهدد محصوله النبيل، رهائن أسمائنا ورهائن طوائفنا ورهائن جغرافيا لا نستطيع منها فكاكا.

شراكة ضيزى وقسمة دم.

المنتهى

سيكونون في الغد القريب جالسين لتقاسم الدم السوري، بعدما استتبت قسمة الجغرافيا على مجلى الأطماع الإقليمية والدولية، سيجلس الجميع مع الجميع حين تقترب الحفلة من نهايتها ليوزعوا المهام النهائية: من سيأخذ بقايا الكعكة السورية، من سينظف صحون العشاء، من سيلملم الفوضى المتروكة  تحت الكراسي والسجاجيد الثمينة، وحده السوري الجائع والنازح والمهجّر واللاجئ والقتيل، السورية المطعونة والمهجورة والمبتلية بفقد الزوج والابن، وحده من دفع الثمن السابق وسيدفع لاحقا ارتهانا واحتلالا، من سيجلس آخر النهار على مائدة الذلّ ليلوك طبخة بحص لا طعم لها برائحة حرية كانت لفترة ما قريبة قرب الهواء الجاف الذي نتنفسه الآن.