* تُنشر هذه المادة ضمن ملف صالون سوريا “المعاناة اليومية في سوريا

الطب العربي، طب الأعشاب، الطب البديل، كلها أسماء “لمصلحةٍ” واحدة، وكلها معاً، صارت هدفاً للسوريين. لا يوجد رقم دقيقعن مدى استخدام هذا النوع من الطب الشعبي، ولكن الفقر والجوع دفع بالكثيرين للجوء لهذا الطب فحسب تقديرات الأمم المتحدة أكثر من 90 بالمئة من السوريين يعيش تحت خط الفقر المباشر، أي أنّ نتاج الفرد منهم لا يتخطى دولارين في اليوم الواحد. وعلى أرض الواقع فحتى مبلغ دولارين في اليوم هو حلم بعيد المنال لمعظم المواطنين، فمتوسط راتب الموظف السوري شهرياً هو خمسون ألف ليرة سورية أي ما يعادل 15 دولاراً أمريكياً على حسابات السوق السوداء، وهي حسابات يُحظر التعامل بها في سوريا، سراً أو علانية، إلا أنها تحكم الشارع والتجارة والأسواق والحياة اليومية، فالجميع في الداخل السوري يعمل في المضاربة.

في ضوء هذا الحال، لجأ الكثير من السوريين إلى الطب البديل، لأسباب واضحة، على الصعيد العام ترتبط بالشح الدوائي الخطير في سوريا من جهة، وانهيار المنظومة الطبية من جهة ثانية، فضلاً عن ارتفاع أجور المعاينات الطبية بما لا يتناسب بأي شكل مع الدخل السوري (وصلت معاينة شريحة كبيرة من الأطباء إلى عشرة آلاف ليرة سورية)، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأدوية الكيميائية الموصوفة من قبل الأطباء (إن وجدت) فإنها إلى جانب المعاينة قد تكلف صاحبها راتبه كاملاً، وفي أحسن الأحول ثلثه أو نصفه.

ولتوضيح تجارب السوريين في هذا الإطار يقول سامي المعراوي الذي وجد ضالته في الطب البديل: “أقل كلفةً وعناءً ومالاً وجهداً وهو علاج طبيعي مئة بالمئة”. ويضيف عن تجربته مع المرض والأطباء والمشافي التي استنزفت مدخراته المالية: “لديّ مشكلة في الكلى، وعانيت منها طويلاً، وكلفتني الكثير من الأموال دون أن يتفق الأطباء على علاج واحد، حتى لجأت إلى أحد العطارين (العطار اسم شعبي لمن يعمل في الأعشاب) بعد أن سمعت عنه الكثير، وصف ليّ أعشاباً ومغلي الماء بالأعشاب، واظبت على الدواء، بت أشعر أنني الآن أفضل”.

وتعتبر مهنة العطارين نداً للطب التقليدي الذي يشن عليها على الدوام حرباً كبرى، إذ يرى المجمع الطبي أن الطب التقليدي والأدوية المصنعة وجدت لعلاج كل الأمراض نسبياً، في حين أنّ الطب الشعبي يعتريه ما يعتريه من النصب والسرقة والاحتيال. ويتفق الأطباء أن خلطات الأعشاب تفيد طبيعياً بحالات معينة ومؤقتة للغاية (غير مزمنة). فأعشاب كإكليل الجبل واليانسون والزعتر البري والزوفا والمليسة والميرمية والبابونج والشيح والزعفران والزنجبيل والقرفة والكمون وسواهم، تفيد في حالات معينة، كالمغص والصداع والإسهال والتشنج العضلي والمعوي والمفاصل والجيوب والقولون وآلام الظهر العضلية المؤقتة وغيرها؛ ولكنها حكماً لن تغني مريض السرطان عن الجرعات، ولن تعالج تلف الكبد، وبالضرورة فإن الديسكات التي تحتاج جراحة عصبية لن تشفى بالكمون والليمون مثلاً، ولن تكون بديلاً عن الدواء أولاً والمنفسة ثانياً في حال التدهور الصحي لمرضى الكورونا المعروف بـ كوفيد-١٩.

يعتقد المعالج النفسي بشار الماجد أنّ الأمر كلّه مرتبٌط بالحالة النفسية لمتلقي العلاج: “كثيرٌ من الناس يؤمنون بفعالية هذه العلاجات، وهي عادات متوارثة غالباً، نجدها في المجتمعات المغلقة التي تحكمها العادات والتقاليد والقصص المتوارثة، إذن، القصة كلها مرتبطة بالعامل النفسي، وحقيقةً فإن لهذا العامل  دوراً كبيراً للغاية في تحسن مفترض لأي مريض، ولكنه تحسن نفسي غير عضوي وهنا المشكلة، فارتياح الشخص لا يعني أن حالته المرضية لا تتطور، وبالمقابل فمن الممكن أن يحدث العكس تماماً، كل شيء وارد”.

ويرفض العطار أبو هاشم أيّ اتهام بالنصب أو الاحتيال مشدداً “هذا ما وجدنا آباءنا عليه”، ويعتقد من وجهة نظره أنّ العلاج كله يكمن في الطبيعة، ليتساءل حول كيف كان يتعالج الأجداد والقدماء قبل وجود المستخلصات الكيميائية: “نحن طب قائم بقوة العرف، وعشرات الحالات تشفى على أيدينا وهناك الكثير من الأمثلة، نحن نبيع منتجاً طبيعياً والعلاج على ربّ العالمين”.

لبنان والدواء إلى سوريا

لعب إغلاق الحدود بين البلدين دوراً في الانتعاش المرحلي لسوق الأدوية الطبيعية، فالبلد الذي كان متنفساً دوائياً-اقتصاديا لسوريا ما عاد كذلك. فبعد حادثة المرفأ المحزنة بات لبنان نفسه يعاني أزمة دوائية خانقة.

وكان نقيب الصيادلة اللبنانيين ​غسان الأمين​ قد ذكر أواخر العام الماضي أن “هناك أدوية مفقودة من ​الصيدليات​ وذلك بسبب تهافت الناس على شرائها وتخزينها”، مشيراً الى أنه تم “وضع خطة لترشيد دعم ​الدواء​، وتناقلتها وسائل الإعلام بكل أشكالها، الا أنه لليوم لا قرار للحكومة بتبني الخطة، ولا تبني لهذه الخطة من ​مصرف لبنان​ لذلك تتهافت الناس على شراء ​الأدوية​ وتخزينها في المنازل”.

وفي حديث للأمين لصحيفة “الشرق الأوسط” في أيلول/سبتمبر الفائت كان قد قال علانيةً أنّ “مخزون الدواء في المستودعات الذي كان يكفي لستة أشهر عادة، بات لا يكفي لأكثر من شهر ونصف الشهر”، مؤكداً حينها أنّ مشكلة فقدان الدواء مستمرة.

وفضلاً عن كل ذلك لعبت عقوبات قيصر/سيزر دورها في الملف، فلبنان الآن مهدد بعقوبات اقتصادية شاملة وقاسية في حال أجرى أي تعاملٍ اقتصاديٍ مع سوريا بحسب ما نصت بنود القانون الأمريكي، ما خلق مشكلةً مضاعفة للبلدين، فسوريا التي كانت مصدراً دوائياً للبنان في سنوات حربها الأولى باتت الآن بأمس الحاجة لأي دواء من لبنان، سيما مع توقف حركة النقل بين البلدين بشكلها الرسمي وما كان يصحبها من “تجارة الشنطة”، وهي نوع من أنواع التهريب البسيط من خلال السائقين بين البلدين، ليبقى ملف التهريب بشكله العام على المعابر غير الشرعية قائماً، ولكنه دون فائدة يمكن التعويل عليها، فلا لبنان لديه فائض دوائي، ولا سوريا لديها ما تقدمه للبنان، على الرغم من أنّ سوريا أقرت غير مرة إعفاءات ضريبية على إدخال المواد الأولية من لبنان، إلا أنّ عقوبات سيزر أثارت فوضى في الحسابات المحلية والإقليمية وحتى الدولية.

كورونا وصراع المصالح

كانت قد سجلت أول حالة بفيروس كورونا كوفيد-١٩ في سوريا قبل تطبيق القانون الأمريكي بثلاثة أشهر تقريباً، تحديداً في الثاني والعشرين من آذار/مارس الماضي، مما خلق ضغطاً إضافياً على القطاع الطبي-الدوائي في سوريا، فالبلد المحاصر ليس بمقدوره الاستيراد بأي شكل، وبالتالي برزت المشاكل الصحية التي تتعلق بالاستيعاب المرضي من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى تأمين منافس وأدوية مؤقتة تغطي مرحلتي الانفجار المرضي اللتين مرت سوريا بهما، ليطفو إلى السطح سؤال يتداوله الشارع السوري: أين الحلفاء؟، وهم الأفضل في المجال الطبي والتقني والنفطي. بيد أنّ مؤشر الأيام يقول أنّ هؤلاء الحلفاء لا ينظرون إلى الشعب السوري بعين المنطق التشاركي، إنما ينظرون إلى سوريا من منطلق الكعكة الواجب تقاسمها بحدّة وتعزيز المكاسب على الأرض، فالعسكر هم العسكر، وليتولى السوريون أمرهم، هذا ما يقوله الواقع، فلا المنظومة الطبية بخير، ولا القطاعات الخدمية بحال جيد، فسوريا اليوم صارت “جمهورية الطوابير”، الطوابير بمعناها الخدمي، والطوابير بمعناها العسكري.