*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا

يزداد الجدل حدة، في أوساط النخب الثقافية والسياسية العربية ومنها بالطبع سوريا بيت القصيد، حول مفهوم الدولة المدنية، بين من يقول بأن الدولة المدنية لا يمكن أن تكون إلا دولة علمانية، وآخر يقول أن الدولة المدنية ليست نقيضاً للدولة الإسلامية، لأن المعايير التي تقوم عليها الدولة المدنية متوفرة في نظرة الإسلام للدولة.
وفي الوقت الذي يلتقي على الرأي الأول اتجاهان متناقضان ايديولوجياً، أولهما: التيارات العلمانية التي يؤكد منظروها، على علمانية الدولة المدنية. وثانيهما: الاتجاهات الإسلامية الراديكالية، التي تصر على اعتبار الدولة المدنية هي نفسها الدولة العلمانية، لذلك ترفض الاثنتان، هذا لسان حال المنظمات الإسلامية المتشددة منها جبهة النصرة ناهيك عن القاعدة، كما عبر عن ذلك بصراحة شديدة حزب التحرير الإسلامي الأردني.

غير أن أغلب تيارات “الإسلام السياسي” اتخذت موقفا مغايراً، رأت فيه أن “الأصول الإسلامية لا تتنافى في شيء مع مفهوم الدولة المدنية، بل تؤسس لها وتتفق معها. في المقابل  نجد عدداً من القوى والشخصيات العلمانية في سوريا، تبتعد عن العلمانية، بل تتخلى عنها لصالح الدولة المدنية، منهم برهان غليون[i] وحسن عبد العظيم المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية يعلن أنه مع الدولة المدنية بوصفها دولة المدينة وصحيفة المدينة، وهي التي أنشأها النبي العربي منذ 14 قرناً، ويبرر استخدامه لمصطلح المدنية كون العلمانية لها حساسية في القواعد الشعبية. من بين المتراجعين أيضاً، المعارض حازم نهار، الذي كان يقول إن سر نجاح أي ثورة هو منطقها العلماني، لكنه حالياً يسوق للدولة المدنية على اعتبار أن الشارع يملك حساسية تجاه كلمة العلمانية. وأيضاً رئيس تيار بناء الدولة السورية لؤي حسين الذي يعتبر الاستبدال هو في المصطلح فقط وليس المضمون.

وهناك قوى عديدة علمانية أو تدعي العلمانية (كالقوى الشيوعية التي لا تشغلها قضية العلمانية إلاّ في المناسبات)، التي تساهم رغم حسن النوايا في خلط المفاهيم ودعم القوى المعارضة للعلمانية.

ومن جهة النظام في سوريا، بقيادة حزب البعث، فهو لم يكن يوماً نظاماً علمانياً، فالموقف التاريخي لقيادة حزب البعث منذ تأسيسه غامض، ومنذ تسلمه السلطة لم يكن حزب البعث سوى تابع وأداة بيد النظام الديكتاتوري الشمولي العسكري، المسيطر على مفاصل الدولة، ومؤسساتها وعلى المجتمع بشكل مطبق، حيث لا نجد فرقاً بين السلطة والدولة ، بل السلطة هي الدولة في ظل النظام الشمولي.

ورغم قدرة هذا النظام على فرض ما يشاء من قوانين وقرارات، دون رقابة أو معارضة، إلا أنه لم يشأ أن يفرض نظاماً علمانياً، حيث هناك تجارب تم فرض العلمانية فيها بقوة النظام، كما حصل في تركيا والاتحاد السوفيتي.

غير أن النظام السوري استخدم العلمانية، واستفاد من هذه الصورة الملتبسة التي ساهمت فيها أولاً: القوى الإسلامية التي كانت تدعي وتحرض ضد النظام مدعية أنها تحارب نظاماً علمانيا كافراً. واستفاد النظام من هذه الورقة كوسيلة للدعاية له أمام وسائل الإعلام الغربية لينال دعمها ضد الأصولية الإسلامية، غير أنه على أرض الواقع لم يفصل الدين عن مؤسسات الدولة، ويبرهن على ذلك الدستور في نص المادة الثالثة مننسخة عام 1973 وعام 2012 التي تتكون من فقرتين الأولى: دين رئيس الجمهورية الإسلام، والثانية: الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع. ويجدر الإشارة هنا، أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا، ليس فقط خاضعاً للشريعة، بليضعه رجال الدين وليس السلطة التشريعية،[ii] حيث يتم بداية اقتراح القوانين من قبل المرجعية الدينية الخاصة بكل طائفة،وتطرح على أعضاء مجلس الشعب لإقرارها و بعدها يتم التصديق والنشر وتصبح قانوناً. وغالباً ما يتم إقرار هذه القوانين دون الكثير من النقاش. إضافة لوجود مواد تجعل من أتباع ديانات غير المسلمين من المرتبة الثانية. كما أن وزارة الأوقاف جزء من السلطة التنفيذية، ويتم تعيين خطباء المساجد بقرار رسمي، و يتم تحديد الخطب الدينية والموافقة المسبقة عليها.

بعد الحراك الثوري الذي شهدته الساحة السورية، والتحول الدامي بعد استخدام العنف المسلح إلى الحرب، وصلت الانقسامات إلى أوجها بين مكونات الشعب السوري، على أساس سياسي وطائفي ومناطقي واجتماعي. وأصبح خطاب الكراهية والانقسام الطائفي طافياً وبارزاً من خلال محاولات الاستقطاب والتعبئة من قبل الأطراف المتناحرة، سواء من قبل النظام أو المعارضة المسلحة، واستطاعت القوى المتشددة في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، بناء كنتونات عسكرية، تحكم المواطنين وفق قوانين شرعية، شكلت طابعاً مصغراً لدويلات دينية، وفي هذا السياق الاجتماعي والسياسي، حصلت مساومات بين النظام والمرجعية الدينية الفقهية واتخذت السلطة قرارات في خدمة أسلمة المجتمع السوري تحت مسمى دعم التيارالديني الوسطي.

ونحن على أعتاب مرحلة، يُفترض أن تحمل حلاً للأزمة السورية يؤدي إلى بناء مؤسسات جديدة للدولة، وإن كان الدستور المرتقب جزءاً من الحل، من المتوقع أن يتم التوافق فيه على جملة من القضايا، في ظل توافق وتأثير دولي وازن ومؤثر. ولو فرضنا تم الاتفاق على علمانية الدولة السورية، كيف ستكون ردة فعلالفئات الاجتماعية المختلفة والقوى المؤثرة في الواقع السوري؟ وماذا نريد دولة علمانية أم دولة مدنية أمدولة علمانية مدنية؟ هذا ما سوف أحاول الإجابة عليه في هذا البحث.

تعريف الدولة العلمانية

استخدم مصطلح العلمانية لأول مرة، مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 عند توقيع صلح وستفاليا.[iii] وكلمة علمانية هي ترجمة لكلمة secularism (سكيولاريزم) المشتقة من الكلمة اللاتينية saculum (سيكولوم) والتي تعني العصر أو الجيل، أما في لاتينية العصور الوسطى، فهي تعني العالم أو الدنيا.

انبثقت دولة الحق والقانون، في سياق التحولات التاريخية الكبرى التي شهدتها أوروبا، بعد صراع طويلامتد ثلاثة قرون، ما بين العقل التنويري العلمي، وبين العقل الديني المسيحي وهذا ما سمي عصر التنوير. وتحت لوائه اندلعت الثورات في الغرب كالانكليزية 1680 والأمريكية 1770 والفرنسية 1789. وتزامن اندلاع الثورات في الغرب مع انتشار الفلسفات العقلانية، والرؤية العلمية والمادية بين الجمهور المتعلم، التي تعود جذورها إلى ما أنتجه فرانس بيكون 1620 في المنهج الجديد، وإلى كتابات هوبز 1679، وإلى عقلانية ديكارت، وإلى حلولية سبينوزا 1670 وإلى امبريقية جون لوك 1726 وأفكار لا بنتس، ومن بعدهم جاء: جان جاك روسو 1787 ، ومونتسيكو 1787. وتميزت هذه الثورات بالقطيعة المعرفية مع التصورالإلهي للكون، وقامت على أساس اعتبار المواطن الإنسان مركز الكون. ومن المتفق عليه أن فكر حركة التنوير هو الأساس الفلسفي التي انطلقت وبنيت عليه الدولة العلمانية، هي ببساطة رؤية مادية عقلانية حول رؤية محددة للعقل وعلاقته بالطبيعة، يكون فيها عقل الإنسان، والمرجعية الإنسانية مصدراً وحيدا للمعرفة وفق قواعد المنطق والحواس والتجريب. فمثلاً اعتبر روسو العقد الاجتماعي هو تعبير عن الإرادة العامة، من خلالها يتنازل الناس أمام الإرادة العامة، عن إرادتهم الخاصة. انطلاقاً من الرؤية الطبيعية التعاقدية، ومن الإيمان بالقانون الطبيعي وبقدرات الإنسان، أكد عصر التنوير فصل الدين عن الدولة، وعن رقعة الحياة العامة التي يمارس المواطن فيها حقوقه وحرياته.

ثمّة مبدآن علمانيان جوهريان ينبثقان من هذا الفصل:
المبدأ الأوّل: تفصلُ الدولة العلمانية بين مجالين مختلفين في حياة الناس: المجال العام مكرّسٌ لخدمة جميعالمواطنين على قدم المساواة، ويضمّ شؤون كالقانون والتعليم، وفي هذا المجال لا مرجعية لأي دينٍ. أماالمجال الخاص فيستوعب كلَّ المعتقدات والرؤى الشخصية، دينية كانت أم لادينية، أوإلحادية.
المبدأ الثاني: الدولة العلمانية تضمن المساواة الكلية، بين كل المتدينين بمختلف مذاهبهم، واللامتدينين والملحدين أيضاً. وتدافع عن حريتهم المطلقة في إيمانهم أو عدم إيمانهم (حريّة الضمير) .

تعريف الدولة المدنية

الدولة المدنية[iv] هي دولة لا عسكرية ولا دينية، ينعم فيها المواطنون بالحرية والمساواة في الحقوقوالواجبات، تسودها قيم الثقافة المدنية: كالتسامح وقبول الآخر والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة. ومن مبادىء الدولة المدنية:

مبدأ المواطنة الذي يعني أن الفرد لا يُعرّف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، أو بجنسه، وإنمايُعرّف تعريفاً قانونياً اجتماعياً بأنه مواطن وعضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات.

مبدأ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

ومن المبادىء الهامة  في الدولة المدنية أيضاً، أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة. كما أنها لا تعادي الدينأو ترفضه. حيث أن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فذلك يتنافى مع مبدأالتعدد الذي تقوم عليه الدولة المدنية.

ما الفرق بين الدولة المدنية و الدولة العلمانية؟

  1. العلمانية والمدنية كلاهما ضد الدولة الدينية. لكن العلمانية ترى أن الدين لديه شكل معين للدولة، وبالتالييجب فصله عن الدولة. بينما المدنية ترى أن الدين ليس لديه شكل للدولة، وبالتالي يتم التعامل معه كقضيةاجتماعية وثقافية.
  2. العلمانية تدعو للمساواة أمام القانون. وتعني المساواة فرض قانون واحد على الجميع. والتشريع والقوانينفي العلمانية يجب فصلها عن الدين. بينما في الدول المدنية تحترم الاستحقاق الديمقراطي. وبالتالي يجوزللأغلبية الفائزة تعديل القوانين مع مراعاة حقوق الأقلية والحفاظ على الشكل المدني للدولة.
  3. العلمانية لا تهتم بشكل نظام الحكم: علماني ملكي عسكري (ككوريا الشمالية) . حزبي (كالصين). المهمهو فصل الدين عن الدولة وقوانينها. أما الدولة المدنية فتشترط التداول السلمي المدني للسلطة. وبالتالي لنتكون دولة عسكرية.
  4. عدم اعتناقِ  الدولة المدنية، للمبدأ العلماني ومنها حق عدم الإيمان بدين أو الإلحاد،  يثير  الكثير من الشكوك  المحقة،  حول إمكانية المساواة الكليّة الحقيقية بين مختلف الفئات الدينية أو العرقية وحول إمكانية القطيعة مع ما يؤدّي إلى تمييز فئة عن أخرى.
  5. من أبرز الإنجازات الحضارية لتجارب الدول العلمانية، الفصل القانوني بين الدين والسياسة والعِلم، وبالتالي فصل التعليم عن تأثير أي دين. كما ألغت بشكل مطلق شرعية أية «فتوى» دينية أو سياسية تمسّحياة عالِمٍ أو مفكِّر، بينما لا تبدو في مشاريع الدول المدنية أية نوايا باتجاه إلغاء الفتاوى المعادية للحريةوالإنسان.

الإسلاميون والدولة المدنية 

يُعرف زكي بن أرشيد (الأمين العام السابق لجبهة العمل الإسلامي في الأردن) الدولة المدنية من وجهة نظرإسلاموية[v] بقوله “إن المعايير التي تجعل الدولة مدنية خمسة هي: تمثيلها إرادة المجتمع وكونها دولةقانون، وانطلاقها من نظام مدني يضمن الحريات ويقبل التعددية وقبول الآخر، وقيامها على اعتبار المواطنة أساساً في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين فيها، والتزامها بالديمقراطية والتداول السلمي على السلطة”.

أما كون القوانين تستند إلى المرجعية الإسلامية، لا يمنع تحولها بفعل الآلية الديمقراطية إلى قوانين مدنية،ويفيد هذا الأساس النظري في التمييز بين الشريعة والقانون على أساس أن الشريعة أحكام ملزمة دينياً للفردالمؤمن، بينما القانون فهو وضع بشري ملزم دنيوياً.

غير أنه ومن التجارب العديدة على أرض الواقع إن الديمقراطية لم تشكل سوى صباغ تتجمل بها الحركات الإسلامية شكلاً بأنها تقبل الديمقراطية والتنوع.

حيث رفض الأخوان في مصر أن تشارك قيادات غير محسوبة عليهم في تشكيل الحكومة رغم افتقارهمللقدرات الفنية لإدارة دولة. لكن عندما تكون العلمنة راسخة في المجتمع، فإن القوى الدينية سوف تتلاءم مع مستوى تطور الوعي الاجتماعي، حتى لا تفقد رصيدها وتحافظ على وجودها، مثال: حزب النهضة فيتونس. والسؤال يدور عن الشكل الذي سوف يتخذه التنافس السياسي بين الأحزاب الدينية والأحزاب العلمانيةأو اللادينية ؟ نظرياً يجب أن لا يكون الدين حزباً سياسياً، لأنه يتحول إلى عامل انقسام بين مكونات المجتمععلى أساس طائفي. ولو اتفقنا جدلاً على وجود أحزاب دينية، تقبل التعددية وتلتزم بمبادئ الديمقراطية،والتنافس السلمي للوصول إلى السلطة، من المعروف أنه خلال الصراع السلمي على السلطة في الدول الديمقراطية، يتم استخدام وسائل النقد وربما التجريح والتشهير بين القوى المتنافسة، فإن التوظيف السياسي للدين سوف يؤدي إلى استخدام أوصاف تكفير العلمانيين والتشهير بهم كونهم مرتدين والتركيز على حياتهم الشخصية وأمورهم الخاصة. وهذا ما يدفع العلمانيين بالمقابل للتشهير، والإساءة للأديان، ما يفقد الدين مكانته العقائدية، ويثير حساسية عالية لدى الجمهور، ويبعد الناخبين والمرشحين من التركيز على البرامج الاقتصادية والاجتماعية للمرشحين لصالح قضايا لا تخدم حياتهم بشيء، بل التلاعب بعواطف المتدينين ومناقشة قضايا تركز على الدين والأشخاص.

يقول الباحث د. نصير العمري[vi] إن تيارات الإسلام السياسي هي أحزاب سياسية يميزها عن غيرها أنهاتلعب لعبة مزدوجة، فمن ناحية تقدم نفسها للرأي العام من جمهور المتدينين على أنها أحزاب دينية إصلاحية “زاهدة” في السلطة. وفي نفس الوقت يقدمون أنفسهم بين الحزبيين وأمام الحكومات على أنهم مجرد أحزابسياسية لها برامج يعرضونها على الناس الذين لهم حق قبولها أو رفضها.

وبناء على هذه الازدواجية، يحق لمن ينافس الأحزاب الإسلامية أن ينزع عنها صفة “الإسلامية” لأنهاتستخدم الدين كغطاء وأداة سياسية.

والنتيجة: من غير المقبول وجود أحزاب دينية في الدولة المدنية لأسباب كثيرة كعدم قبول الفكر الديني للحرية بمفهومها المعاصر، وعدم قبول الفكر الديني للمساواة ومنها مساواة المرأة للرجل، والمساواة بين الأديان، كل هذا يقوض مبادئ الدولة المدنية المنشودة.

المجتمع السوري بين العلمنة والأسلمة

إن التمايز بين الفئات والمكونات المجتمعية على أساس الانتماء لطائفة، تخدم عملية تزرير المجتمع، وهذاالوضع ساعد و يساعد النظام في السيطرة على مكونات المجتمع وبث الفرقة بينها.

المجتمع السوري مجتمع حي، لعبت الأحداث التي مرت بها سوريا من الانتفاضة الشعبية ضد النظام إلى الحرب المكشوفة السافرة، في تغيير الكثير من أنماط وسلوك حياة الناس، وعلى الأخص دور المرأة في الأسرة والمجتمع بعد أن دخلت المرأة إلى المجال العام كمشاركة في التغيير المجتمعي. فقد دفعت الأحداث شريحة واسعة من الفئات المهمشة التقليدية من النساء إلى دخول المعترك العام، حيث اتجهت النساء للعمل وأصبحن معيلات وحيدات لعائلاتهن. بل أن عمليات النزوح والتشرد والهجرة الواسعة، أثرت كثيرا على أنماط السلوك في المجتمع وعلى كسر التقاليد والعادات المتخلفة التي تقيد مشاركة المرأة في الشأن العام، كل ذلك أثر على إمكانية تقبل النساء والرجال لأفكار جديدة وعادات وتقاليد جديدة فرضتها عليهم الحرب ومانتج عنها من عمليات النزوح واللجوء الفقر والتشرد، التي أدت إلى تفكك الأسرة سواء بسبب الموت أو الاعتقال والتغييب القسري أو بسبب تشتت العائلة الواحدة في أماكن متباعدة. كثيرة هي الظواهر التي أثارت الرعب في أوصال المجتمع المحافظ حتى  صارت الخطب في الجوامع تتناول لباس النساء وتحررهن وتطالب رجال العائلة بالتدخل. وهنا نخلص إلى أن المتغيرات المجتمعية وخروج فئات عن سيطرة العائلة البطريركية والقوى التقليدية تشكل رصيداً لعلمنة المجتمع وتقبله أفكار المساواة والحرية.

هذا الرصيد تم دعمه بفشل القوى المتشددة في إدارة المناطق التي وقعت تحت سيطرتها، حيث استخدمت مختلف وسائل العنف وقمع الحريات الشخصية للمواطنين، من تدخل في لباسهم وشرابهم وطعامهم وتنقلاتهم تحت ذريعة الشريعة. وطبقت القوى المتشددة القوانين الشرعية بشكل قسري ليس على مستوى قوانين الأحوال الشخصية فحسب، بل إن المحكمة الشرعية هي المحكمة الوحيدة المتواجدة في هذه المناطق وتحكم في كل القضايا وفق الشريعة الإسلامية. هذه السياسات أدت إلى ردود أفعال مناقضة لها عند المواطنين تمثلت بطوقهم للتحرر والانعتاق خاصة في أماكن سيطرة داعش، وجبهة النصرة.

من جهة أخرى، شكلت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مساحة واسعة من الشمال الشرقي في سوريا (تحت مسمى مناطق الإدارة الذاتية) حيث فرضت قوانينها العلمانية تجربة إيجابية وقبولاً عند شريحة واسعةمن المجتمع السوري.

إضافة الى ذلك تشكل الأقليات الدينية والعرقية سواء من دافع منها عن النظام أو من التزم الحياد أو منعارض النظام، رصيداً لدعم العلمانية حتى لو كانوا متعصبين لطوائفهم وحتى لو كان وعيهم للعلمانيةمحدوداً، غير أن الجميع يرفض استلام أغلبية دينية للحكم.

في المقابل اتخذ النظام السوري (الذي لا يعينه من أمر الدولة والمجتمع سوى الحفاظ على سلطته مهما كان الثمن) في فترة الأزمة عدة قرارات تصب في خدمة أسلمة المجتمع، حيث منح النظام رجال ونساء الدين سلطات وميزات تحت سقف الولاء للنظام، ما يُشكل على مستقبل المدنية والعلمانية المنشودة في سوريا،وتفضح وتكشف الهوة بين العلمانية والنظام السوري. نسلط الضوء في هذا السياق على:

1 ـ القبيسيات: قيل الكثير من الكلام عن حركة القبيسيات النسوية بعد أن سجلت حضوراً واسعاً في الشارعالسوري حيث تجاوزت أنشطة الحركة العمل الخيري، والدعوي التي بدأت به،  فالجمعية على سبيل المثالتشرف على 40 من أصل 80 مدرسة لتحفيظ القرآن في سوريا بناء على تراخيص رسمية. ويُقدر عددالمنتميات إلى الجمعية حالياً بأكثر من 75 ألف عضوة. كما أن عضواتها تقلدن مناصب رفيعة في وزارةالأوقاف السورية، وهو أمر سمح لهن بالمشاركة في صنع القرار .

وعلى صعيد الممارسة تتبع القبيسيات طريقة تمجّد الشيخة أو الآنسة القبيسية، وتفرض عليهن تقاليد طاعةمبالغ فيها ، تتعارض مع قيم الحرية الفردية.

ويبدو أن القبيسيات نجحن أيضاً من خلال علاقاتهن مع صناع القرار في الحصول على تراخيص رسميةلإنشاء مدارس ابتدائية تابعة لهن مثل “دار النعيم”، و “دار المجد”، يتم فيها تخصيص دروس إضافية لتعليمالدين.[vii]

إن خطر القبيسيات على مستقبل العلمانية ينبع من تدخلهن في شؤون التعليم (وهو شأن عام)،  حيث لم يقتصر عملهن على النشاط الدعوي في المساجد، بل امتد لتأثيرهن لمنع إصدار أي قانون لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية كحال قانون الأحوال الشخصية. ويجدر الذكر أنهن المنظمة النسوية الوحيدة التي نالترخصة وشرعية في النشاط، في الوقت الذي منعت الجمعيات النسوية العلمانية من الترخيص، وتم حلالاتحاد النسائي التابع لحزب البعث.

2 ـ قانون الأوقاف رقم 31 لعام 2018 مواده ملغومة،  لها تأثيرات سياسية واجتماعية واقتصادية، و تشكل خطراً على العلمانية والمدنية في سوريا حاضراً ومستقبلاً نخص بالذكر المادة 8 الأكثر تأثيراً بل خطراً، فهي توسع قنوات إشراف الوزارة على الشؤون الدينية، وتمنحها فرصة الرقابة على أي منتج فكري أو إعلامي.

فقد أصبحت وزارة الأوقاف أحد أذرع النظام في الرقابة وقمع الحريات، حيث يحق لها وفق القانون مراقبة الكتب، ويرى الدكتور محمد حبش “أنه ستتوسع صلاحيتها بما يشمل كل ما ينشر ويطبع، وليس فقط الكتب الدينية والمتعلقة بالقرآن والتفسير، فلا يصدر أي مقال أو كتاب له صلة بالشأن الديني إلا بإذن الأوقاف“ا[viii] وبالتنسيق مع وزارتي الإعلام والثقافة للإشراف على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام كافة، وكذلك المطبوعات الدينية.

وقد أثمرت هذه السياسة بمنع الكتب النقدية للدين من التداول في الأسواق “ككتب الباحث نبيل فياض” وبالمقابل أغرقت السوق بالكتب الدينية الأصولية.

ويمكن الاستنتاج هنا أن العلمانية وحدها تجعل الدين وحرية الاعتقاد شأناً خاصاً وللمتدين حرية ممارسة اعتقاده الديني دون أي تدخل من السلطة وبموجب قانون الدولة.

بالمقابل المؤسسة الدينية عليها أن لا تتدخل على الإطلاق بالتعليم والصحافة والنشر والإعلام، فهذه حرياتعامة يجب أن تكون مكفولة بالقوانين.

إن سوريا المستقبل تحتاج إلى دولة علمانية تفصل الدين عن المجال العام الذي يتضمن شؤون القانون والتعليم والحريات العامة إضافة إلى الاقتصاد والسياسة. نشير هنا إلى أن قوى الإسلام السياسي لن يكون لها مستقبل في الدولة العلمانية إلا إذا خرجت من عباءة الدين وتحولت على سبيل المثال إلى أحزاب على غرار حزب العدالة التركي.

 ونحن أيضاً بحاجة إلى دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على أساس المواطنة المتساوية. غير أن القوى التي ترسم مستقبل سوريا قد تبتعد كثيراً عن حاجات الواقع، بل عن الوزن الواقعي للقوى المعبرة عن مصالح مختلف الفئات الاجتماعية، تحت وقع الضغوط والمصالح الدولية المؤثرة في عملية التسوية التي يعملون على تمريرها عبر الدستور، الذي سوف يكون أشبه بعقد بين الدول، وليس عقداً بين السوريين. فالدستور الذي يصنعه السوريون\ات هو الدستور الذي يخلق أكبر مساحات للحوار والنقاش والجدل والخلاف بين مختلف فئات المجتمع السوري، في ظروف تتوفر فيها فرص التمثيل الصحيح لتنوع كفاءات المجتمع. وأهم نقطة خاصة بالدستور المأمول هو كيف سيطبق دون حل سياسي شامل، ودون بناء الثقة بين مكونات المجتمع. فهل سيفرض بموجب وصاية دولية؟ وأي سلطة ستطبقه؟ النظام أم سلطة الشعب الذي يعبر عنهاالدستور!  يكتنف مستقبل سوريا الغموض، لكن كل الأمل في العمل على إنشاء دولة علمانية مدنية رغم كل التحديات.

هوامش:

[i] العلمانية في سوريا بين المجتمع والسلطة تقرير وسام العبدالله  نشر في موقع اليوم الثالث  تاريخ 27/8/2017

[ii] قانون الأحوال الشخصية في سوريا بين الواقع والطموح بحث سحر حويجة منشور في المنتدى القانوني السوري تاريخ 2018.

[iii]  د. . عبد الوهاب المسيري  العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة  المجلد الأول .

[iv]  وكييديا الموسوعة الحرة .

[v]   ازكي بن ارشيد  مقال  على موقع  الجزيرة نت  ا تحت عنوان  الدولة المدنية هل تشكل نقيضا للدولة الإسلامية

[vi]  د. نصير العميري مقال معضلات الصراع السياسي بين العلمانيين والإسلاميين  موقع المواطن  23/ 10 /2019

[vii] حركة القبيسيات شكوك عقائدية ومخاوف سياسية تقرير عفراء محمد  D W

[viii]   نور دالاتي عنب بلدي  مقال قانون الاوقاف الجديد سم في عسل الديمقراطية .