*تُنشر هذه المادة ضمن ملف “آفاق العلمانية في سوريا” بالتعاون مع “حكاية ما انحكت” و”جدلية

1 – سؤال الإمكان وسؤال الوجوب

يدل عنوان هذه المقاربة على أن العلمانية ممكنة، في سوريا، كما في غيرها. ومن ثم، إن البحث  يتجه نحو الشروط التي تجعلها ممكنة. لكنَّ في العنوان مصادرة على المطلوب: العلمانية ممكنة؛  لذلك، يجب أن نبدأ بالسؤال: هل العلمانية ممكنة في سوريا؟ لا يحتمل هذا السؤال سوى إجابة واحدة من إجابتين: نعم هي ممكنة / لا هي غير ممكنة. هل نقع في القطعية اليقينية، إذا لم نجد غير هذين الجوابين، هل هناك حالة وسط بين الإمكان وعدم الإمكان؟

هناك صيغة أخرى لسؤال العلمانية: هل العلمانية واجبة في سوريا؟ هذا سؤال يحتمل إجابتين: العلمانية واجبة / العلمانية غير واجبة، بل يحتمل أكثر من إجابتين إذا أضفنا دواعي الوجوب وشروطه ودواعي عدم الوجوب: العلمانية واجبة إذا كانت تعني كذا أو كذا .. وإذا كانت تهدف إلى كذا أو كذا .. إلخ؛ العلمانية غير واجبة لأنها كذا أو كذا، وتؤدي إلى كذا أو كذا.

السؤال الأول، سؤال الإمكان أو عدمه، يحيل على المعرفة، وهذه لا تنفصل عن الأخلاق، ويعيِّن نموذجين مختلفين من نماذج التفكير: الأول نموذج إمكاني أو احتمالي، يتسق مع منطق الواقع  ومعنى  التاريخ ومعقولية العالم، وبكلمة واحدة: عقلاني. والثاني نموذج ثبوتي أو يقيني، قطعي مطابق لنزوع ذاتي، عاطفي أو وجداني، وبكلمة واحدة: إيماني.

والسؤال الثاني، سؤال الوجوب أو عدمه، يحيل على الأيديولوجية، بصفتها تعبيراً عن رؤية هذه الفئة الاجتماعية أو تلك لواقع المجتمع، وتفسيرها أو تأويلها لتعارضاته الملازمة، ويحيل على  السياسة، بصفتها ممارسة، تهدف إلى تحقيق مصالح معينة وغايات معينة.

لو نظرنا في الإجابتين المحتملتين عن السؤال الأول لوجدنا أن الإجابة بالإيجاب (نعم العلمانية ممكنة في سوريا)، تنفي الحتمية واليقين القطعي، وتنبثق من إدراك خصائص الواقع ومعنى التاريخ، بصفته “توقيع ممكنات على حساب ممكنات أخرى”[1]، وبهذا تتسق مع منطق الواقع  ومعقولية العالم، كما أشرنا، وتعين حدود الحرية. أما الإجابة بالسلب أو النفي (العلمانية غير ممكنة في سوريا) فتصادر على الإمكان أو تنفيه ذاتياً، فقط، ووهمياً إذا شئتم، فتنفي الحرية؛ إذ  ليس هنالك قوة تستطيع أن تمنع حركة الواقع وحركة التاريخ أو توقفها، أو تستطيع أن تقف في  وجه الإمكان؛ البشر يستطيعون توجيه الحركة، فقط، سواء حركة الواقع أم حركة التاريخ، ولكنهم  لا يستطيعون وقفها، لأنهم، هم أنفسهم، لا يتوقفون عن الحياة والنشاط والعمل والتبادل والتعاون  والتدافع والنزاع والصداقة والعداوة والزواج والطلاق والحرب والسلم … إلخ،  والتاريخ هو حياتهم  ونشاطهم وعملهم ومبادلاتهم وتعاونهم وتدافعهم ونزاعاتهم وصداقاتهم وعداواتهم وحروبهم  وموادعاتهم، القائمة منها والممكنة .. إلخ. وهذا معنى أن “البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم”، حسب المأثور الماركسي.

الفرق بين السؤالين السابقين: سؤال الإمكان وسؤال الوجوب، والإجابات المحتملة عن أي منهما  يبين أن الحقل الأيديولوجي – السياسي لا يتطابق مع الحقل المعرفي – الأخلاقي، في أي مجتمع، وأن درجة انحراف أحدهما عن الآخر هي التي تحدد مدى تماسك الاجتماع المدني والاجتماع السياسي، أو مدى هشاشتهما، أو مدى تنثُّرهما، كما هي الحال في سوريا، ومدى إمكان تشكل روابط وطنية، أو مدى تعذر ذلك أو صعوبته.

نريد من هذه المقدمات أن نقول: العلمانية ممكنة في سوريا، كما في غيرها؛ هذا الإمكان مؤسَّس  على كونية العقل، أي كونية الإنسان العاقل والأخلاقي، وعلى أن كل تجربة إنسانية خاصة تنطوي على عنصر عام، هو لبها العقلاني، الإنساني، أو النوعي، فإن تحقق العلمانية في مكان  وزمان معينين يفتح إمكان تحققها في أمكنة – أزمة أخرى. ولكن العلمانية ليست واجبة، وليست حتمية، وليست غاية الغايات وسدرة المنتهى.

الموقف الثاني، (العلمانية غير ممكنة في سوريا) يتأسس على اعتبار الخصوصية، (خصوصية  مجتمعنا وثقافتنا وقيمنا … إلخ)، هي المعيار الوحيد للحقيقة والمعنى الوحيد للتاريخ. الخصوصية، هنا، تنفي العمومية ذاتياً، فتنفي ذاتها وذاتيتها موضوعياً، أي تنفي إنسانيتها، ومن ثم حريتها. ولهذا تظل إما منعزلة ومنكفئة على ذاتها، وإما تابعة ومستباحة، لأنها “هوية بلا ذات“، بتعبير  فتحي المسكيني، أو “نحن” بلا أفراد مختلفات ومختلفين، حرائر وأحرار.

هذا على صعيد الاستدلال العقلي، أما على الصعيد العملي أو الأخلاقي، الواقعي والتاريخي، فيتأسس الموقف الإمكاني على أن إمكان تحقق العلمانية مرهون بنمو المجتمع المدني ونشوء دولة سياسية (وطنية)، أو دولة حديثة. أي إن العلمانية تتموضع في سياق تطور المجتمع ونموه وتقدمه، وفي سياق “رفع السحر عن العالم”، وليست مرهونة بإرادة ذاتية لحزب أو طبقة. ويمكن أن نسميها “علمانية موضوعية”، تتحقق من دون قصد، وفقاً لحاجات النمو والتقدم، ومن دون معارك كلامية وضجيج أيديولوجي، وهذا ما كانت عليه الحال في سوريا، قبل اغتيال جنين  المجتمع المدني والدولة الوطنية.

2 – العلمانية والمسألة الوطنية

في الظروف السورية الراهنة، يبدو لنا أن إمكان العلمانية مشروط بالتحولات التي جرت، والتي تجري في بنى “المجتمع الأهلي”، وتتجه نحو مجتمع مدني حديث، نعني التحولات التي جرت وتجري في بنية العائلة الممتدة والعشيرة والجماعة الإثنية والطائفة الدينية، وتشكُّل الأسر النووية، وتراخي روابط القرابة، (قبل الحرب)، وتغير أساليب العمل والإنتاج وأساليب الاستهلاك وأنماط السلوك والقيم الحاكمة للعلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات ولا سيما بين الذكور والإناث… وكلها تحولات تمهد لعملية الانتقال من أحكام الأعراف والعادات والتقاليد والشرائع الدينية إلى  حكم القانون. هذا الانتقال العسير والبطيء والقابل للانعكاس هو الشرط الضروري الحاسم لتعلمن  الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية، لا لعلمنتها، على اعتبار حكم القانون، الذي يسري على جميع المواطنين والمواطنات، بلا أي تفرقة أو تمييز .. هو جوهر الدولة الحديثة وأساس المواطنة  الحديثة. (انزعوا القانون الوضعي من الدولة ومؤسساتها لا يتبقى منها شيء).

أجل، التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية قابلة للانعكاس، وهذا أي الانعكاس لا يظهر في  المدى القصير، ربما يظهر في المدى المتوسط. ومن المؤكد أنه يظهر في المدى البعيد، وقد  بين إخفاق الثورة السلمية، ثورة 2011، أن الروابط المدنية، نعني الروابط الوطنية، كانت تتفكك  شيئاً فشيئاً، منذ وحدة سوريا ومصر (1958)، ثم ثورة الثامن من آذار 1963، واغتيال جنين  المجتمع المدني (النقابات والأحزاب السياسية والجمعات والنوادي … إلخ، واغتيال جنين الدولة الوطنية، الليبرالية.

من جانب آخر، تعلمنا التجربة التركية القريبة منا أن العلمنة، التي فُرضت من فوق، لم يكن ممكناً أن يقبل بها مجتمع شديد التدين، أكثريته من المسلمين السنة، ولم يكن لها أن تستمر، وتتجذر في مؤسسات الدولة ودستورها وقوانينها لولا اقترانها بالمسألة الوطنية، وحرب الاستقلال وإلغاء نظام الخلافة، من اللحظة الأولى. الدرس التركي يؤكد، اقتران العلمانية بالمسألة الوطنية.

والمسألة الوطنية لا تقتصر على الاستقلال السياسي، أو التحرر من الاستعمار، كما جرى اختزالها دوماً، من دون أن يتحقق الاستقلال.

 المسألة الوطنية هي الانتقال من حكم الأعراف والعادات والتقاليد المحلية المختلفة، والشرائع الدينية الخاصة المختلفة إلى حكم القانون الوطني العام، الذي تضعه مؤسسة تشريعية منتخبة  انتخاباً صحيحاً. هذا الانتقال هو انتقال نوعي في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية، انتقال من نظام الامتيازات وتسلسل الولاءات الشخصية والعائلية والعشائرية والإثنية  والمذهبية إلى نظام الحقوق المتساوية، الذي ينطوي على اعتراف مبدئي ونهائي بتساوي الأفراد  ذكوراً وإناثاً في الكرامة الإنسانية والجدارة والاستحقاق. المسألة الوطنية، بعبارة أخرى، هي الانتقال من الرعوية  إلى المواطنة، أي من القطيعية والجماهيرية إلى المجتمعية، بحيث تسمو الرابطة الاجتماعية (الوطنية) على جميع الروابط الطبيعية أو الأولية وجميع الروابط الفرعية.

الذين وصفوا نظام البعث في سوريا بأنه نظام علماني، وبأن سلطته الشمولية والعنصرية علمانية، تجاهلوا ويتجاهلون حتى اليوم حقيقة أنه نظام امتيازات وولاءات مقابلة لها، منها امتيازات  متفاوتة لهذه الطائفة أو تلك، ولا سيما الطائفة العلوية، وولاءات طائفية، وامتيازات متفاوتة  لهذه العشيرة أو تلك. وهذا التجاهل ناجم إما عن جهل وإما عن مكر.

نظم الاستبداد والتسلط القديمة والحديثة جوهرها الامتيازات والولاءات المقابلة لها؛ و”احتكار الثروة  والسلطة ومصادر القوة”؛ فإنه من قبيل التناقض في التعريف اعتبار النظام التسلطي القائم على  الامتيازات والولاءات علمانياً، واعتبار النظام العنصري الذي يميز الأفراد والجماعات بحسب انتماءاتهم الإثنية أو الدينية أو المذهبية أو الجنسية نظاماً علمانياً. وإنه من قبيل مرض الفاهمة وعطب العاقلة، واعتلال الضمير، اعتبار العلمانية أداة للتسلط والاستبداد. هل يعقل أن يكون  تساوي البشر في الكرامة الإنسانية وتساوي المواطنين والمواطنات في الحقوق المدنية والسياسية أداة للتسلط والاستبداد، هل يعقل أن تكون حرية الفرد وحقوق الإنسان أدوات للاستبداد، هل يمكن  أن يكون تساوي النساء والرجال في الحقوق أداة من أدوات الاستبداد؟

العلمانية لا تتعلق بموقف سلبي من الدين، فرب رجال دين كان لهم فضل كبير في تأسيس العلمانية، بل تتعلق بالتمييز الذي يقيمه كل دين بين البشر، وبالسلطة / السلطات، التي تنتج  من هذا التمييز وتمارسه، وتتعلق بالتفاضل بين الأفراد وتفضيل الذكور على الإناث، أي إنها تتعلق بعدم المساواة وعدم العدالة. العلمانية لا تتعلق بموقف سلبي من الدين، بل بتضافر السلطات الدينية والسلطات السياسية على الاستبداد والتسلط وما ينجر منهما.

لا يفيدنا كثيراً تعريف العلمانية ومكان ولادتها وتاريخ ميلادها وهل هي بكسر العين أم بفتحها، فالمفاهيم، التي تنتقل من مكان ولادتها، تتحول غالباً إلى مفاهيم عالمية مشتركة بين جميع الثقافات الحية، كالديمقراطية، على سبيل المثال، ويصيبها ما يصيب الأشخاص الذي يهاجرون  من مساقط رؤوسهم إلى بلدان  أخرى مختلفة، تكتسب في كل مجتمع دلالات خاصة، تزيدها غنى وثراء، أو تفقرها وترذِّلها وتعزلها، بحسب كيفية استقبالها، ودرجة إدماجها واندماجها في البيئة المعرفية والثقافية الجديدة.

فلعل مفهوم “الدهريَّة” القدحي ينبئنا بكيفية استقبال العلمانية في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، كما ينبئنا مفهوم “الشورى” بكيفية استقبال الديمقراطية، في ظل تواطؤ العسكر والإسلامويين الذين يسيطرون على الثقافة ومؤسساتها، ويحاصرونها، في سوريا وغيرها، ويحجبون عنها الشمس والهواء النظيف. في بلاد يسيطر عليها عسكر وإسلامويون، لا سبيل إلى علمانية أو ديمقراطية ولا سبيل إلى حياة إنسانية.

3 – علمانية الأقليات وديمقراطية الأكثرية

أنتج تفكك الروابط الوطنية تباعاً، في سوريا، حالة ثقافية وأخلاقية مزرية، من مظاهرها أطروحة “علمانية الأقليات وديمقراطية الأكثرية”. القائلون بهذه الأطروحة يفترضون أن العلويين والدروز  والإسماعيليين ومن في حكمهم من “أهل التأويل”، إضافة إلى المسيحيين علمانيون (بالولادة)، وموالون لسلطة الأسد “العلمانية”. بالمقابل يفترض القائلون بهذه الأطروحة أن المسلمين السنة  ديمقراطيون (بالفطرة). حسب هذا المنطق، ينقسم المجتمع السوري قسمين: علمانيين وديمقراطيين، فنكون قد ودعنا التأخر التاريخي، ونعاني من فائض ديمقراطي، لدى السنة، وفائض علماني، لدى “الأقليات”.

ترتبط هذه المقولة المتهافتة منطقياً وواقعياً برؤية خاصة (أجل خاصة) للديمقراطية، تحصرها، أي تحصر الديمقراطية في صندوق الاقتراع، الذي يفضي بالضرورة إلى حكم “الأكثرية” (= حكم الشعب). وفق هذه الرؤية، يتطابق مفهوم الأكثرية ومفهوم الشعب: الأكثرية هي الشعب، والشعب  هو الأكثرية، و”الأقليات كسور الأمة” بتعبير ياسين الحافظ، وغيره (والله محيي الجيش الحر).

مقولة علمانية الأقليات أسست لمقولة “تحالف الأقليات”. والأرجح أن سلطة “تحالف الأقليات” صارت ممكنة في سوريا ما بعد الحرب، إن لم نقل مرجحة. ولكن، لنفكر في المعطيات الإحصائية: تبلغ نسبة العلويين من سكان سوريا، حسب بعض التقديرات، نحو 12% ونسبة المسيحيين 8% والدروز 3% والإسماعيليين 1%، إضافة إلى نسبة قليلة من الشيعة، ومن ثم إن تحالف نحو ربع عدد السكان، أكثر قليلاً أو أقل قليلاً، ضد الأكثرية؛ لا يمكن أن يقوم، ولا يمكن أن يصمد في حال قيامه، إلا بدعم قوى خارجية. لذلك، لا نستبعد أن تكون المقولة إياها من  منشأ إيراني، لأن لإيران مصلحة جذرية في تحالف من هذا النوع والروس لا يعارضونه. وهذا يعني استئناف الحرب بوسائل أخرى، ليست سياسية بالتأكيد.

4 – علاقة الدين بالدولة

المسألة في سورية لا تنحصر في علاقة الدين بالدولة، لا سيما في الأوضاع الحاضرة، التي تبددت فيها الدولة كلياً، إذ الهياكل القائمة، التي تسمى دولة، ليس معترفاً بها من قبل ثلاثة أرباع السوريات والسوريين، ومن يعترفون بها دولة هم مجرد شبيحة، مهما علا شأن بعضهم. لأن اعتبار هذه الهياكل دولةً يقتضي إلغاء العلوم السياسية، وتخدير العقل والأخلاق. ليس هنالك صفاقة عربية ودولية أكثر من كذبة “الحفاظ على مؤسسات الدولة” وعلى “وحدة سوريا أرضاً وشعباً”. المسألة في سوريا إذن هي مسألة الافتراضات السياسية للدولة، التي سيحدد الدستور المرتقب ملامحها الأساسية، في مقابل افتراضات غير سياسية، أو شروط غير سياسية، كالعائلة  والعشيرة والطائفة والقوم أو الجماعة الإثنية والطبقة الاجتماعية أيضاً. في ظل افتراضات أو شروط غير سياسية للدولة السياسية، سيان أن تكون الدولة “جمهورية عربية سورية” أو “جمهورية إسلامية سورية” أو “جمهورية عربية إسلامية سورية عظمى”.

التحدي التاريخي في سوريا هو الإلغاء السياسي للعروبة والإسلام، الإلغاء السياسي للأقوامية (الإثنية) والدين، وقد تبين أن خطر الإحيائية القومية (البعثية) ليس أقل من خطر الإحيائية الإسلامية. وهذا الإلغاء أو النفي الإيجابي، أمر ليس في المستطاع تحقيقه في المدى المنظور، إذ ليس في سوريا بعد من يَبرز لهذا التحدي (من المبارزة)، ويحظى بهذا الشرف. أجل هذه  مبارزة مع التاريخ، أي مواجهة مع الذات، تحت مقولة: نكون أو لا نكون، والشرف قيمة من قيم المبارزة. العلمانية في سوريا ليست في أمر اليوم ولا في أمر غدٍ قريب، وكذلك الديمقراطية بالطبع. قد يكتشف مناهضو العلمانية من السوريين، إذا ثابوا من طائفيتهم إلى وطنيتهم، أن الديمقراطية بلا علمانية هي أي شيء سوى الديمقراطية، وأن الثورة الديمقراطية بلا علمانية هي أي شيء سوى ثورة ديمقراطية. تجربة الثورة السلمية ومآلاتها شاهد لا يدحض.

الذين يمارسون نقد الثورة ونقد الذات لا يلتفتون إلى هذه المسألة، بحكم مناهضتهم الضمنية أو الصريحة للعلمانية. وما زال كاتب هذه السطور يعتقد أن مناهضة العلمانية هي مناهضة المواطنة المتساوية ومناهضة الوطنية السورية، التي لا تكون وطنية إن لم تكن علمانية.

ما كان للدولة الحديثة أن تقوم في الغرب، في نظر كارل ماركس، وما كان للمواطنة المتساوية أن تتجذر فيها، قبل الإلغاء السياسي للملكية الخاصة، والإلغاء السياسي للدين[2]، ويجب أن نضيف اليوم الإلغاء السياسي للإثنية (القومية الشوفينية، العرقية – اللغوية، والعنصرية)، لأن الشعبوية التي تتنامى في الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية تعبر عن محاولة التراجع عن الديمقراطية إلى ماضي الدولة الديمقراطية القريب، أي إلى ما كانته “الدولة القومية” وسياساتها الحمائية ونزعاتها الاستعمارية وميولها العنصرية.

حين قلنا إن العلمانية ممكنة، وليست واجبة، وليست كذا وكذا، كنا نريد أن نقول إنها ليست مطلباً ثقافياً أو سياسياً، وليست بالأحرى شعاراً، وليست أيديولوجية لفئة اجتماعية بعينها… بل هي بالضبط سيرورة نمو وتقدم، بل سيرورات نمو متآنية أو متزامنة، في مجالات مختلفة، قد تتجه في لحظة معينة نحو مجتمع مدني ودولة سياسية حديثة. ولذلك نولي تنظيمات المجتمع  المدني، ولا سيما النقابات والأحزاب السياسية أهمية تستحقها، ونعتبرها، في حال استقلالها عن  السلطة التنفيذية وأدواتها، الأطر التي تجري فيها التربية على المواطنة المتساوية، لأنها، في  واقعها الفعلي، الأطر التي يمارس فيها الأفراد حياتهم العامة، مقابل حيواتهم الخاصة. والحياة  العامة مهما يكن مدى عموميتها (في قرية أو في حي أو في مدينة .. أو في حزب أو نقابة أو ناد أو جمعية) هي الحياة النوعية، أي الحياة الإنسانية، بتعبير كارل ماركس. تنظيمات المجتمع  المدني هي النوى (جمع نواة) الأساسية للمدنية، مقابل المؤسسات الطبيعية وشبه الطبيعية، كالأسرة والعائلة الممتدة والعشيرة … إلخ. الرهان في سوريا اليوم معقود على هذه التنظيمات، بما  لها وما عليها. وقد دعونا مراراً إلى تشكيل فيدرالية لمنظمات المجتمع المدني في بلدان اللجوء الأوروبية خاصة، لعلها تسهم في ما نسميه “وحدة الاتجاه” نحو مواطنة متساوية، لاعتقادنا أن المواطنة هي التي تنتج الوطن، وتنتج الوطنية.

5 – وحدة العقل والإيمان

سؤال الإمكان، الذي بدأنا به هذه المقاربة يطرح سؤالاً آخر: هل ثمة مبدأ يعبر عن المغزى الأعمق للعلمانية باعتبارها سيروة نمو وتقدم تاريخية، و”موقف منفتح للروح إزاء قضايا المعرفة  وقضايا الواقع”، ويقتنع به جميع العقلاء والعاقلات؟ على سبيل الافتراض و”التجريب” نقترح وحدة  العقل والإيمان، مبدأً جامعاً، لا يستفز أحداً، ولا يستبعد أحداً، ولا “يهدد ثقافتنا وهويتنا” المزعومتين، وجنبنا ويلات “الغزو الثقافي”.

من البدهيات، التي لا جدال، فيها أن غير العاقل لا يؤمن ولا يكفر، لا يوحِّد ولا يُشرك… إلخ؛  الإيمان مشروط بالعقل؛ بل هو مشروط بالصحة العقلية، أو بسلامة العقل، لا بت “العقل السليم”[3]. غير العاقل ليس مسؤولاً، بالتعبير القانوني، وغير مكلف بالتعبير الفقهي، وليس مواطناً بالتعبير  السياسي، وإن كان موضع رعاية واهتمام، وغير العاقلة كذلك بالطبع.

العقل والإيمان صفتان للشخص الإنساني، الكلي، تعيِّنان وجهين من وجوه ماهيته؛ وإن من  زاويتين مختلفتين؛ إذ يمكننا أن نقول: الإنسان كائن يؤمن (حيوان مؤمن)، مثلما نقول: الإنسان كائن يعقل، (حيوان عاقل)، على الرغم من التناقض الظاهري في هاتين الصيغتين، نعني الحيوان المؤمن والحيوان العاقل، ويمكن أن نضيف الحيوان الأخلاقي. يزول هذا التناقض الظاهري حين ندرك أن العقل مؤسس على اللاعقل، أي على طبيعية الكائن، أو فطرته أو غريزته، والإيمان مؤسس على اللا إيمان، أي على طبيعية الكائن مرة أخرى.

بهذا المعنى فقط يمكن أن نتحدث عن “دين الفطرة”، على نحو ما تحدث جان جاك روسو، حين قال: “بما أننا نرفض الخضوع لأية سلطة بشرية، لا نصادق على أي عقيدة متوارثة في بلد مولدنا، كل ما يمكن أن يهدينا إليه نور العقل، في حدود الطبيعة، هو دين الفطرة”[4].

الإيمان، بوجه عام، أشمل من الاعتقاد الديني، أو الإيمان الديني، لأنه يدل على معرفة يقينية، موضوعية أو ذاتية، ليست موضع شك. الإيمان الديني مُستغرَق في الإيمان، كما يقول المناطقة.  يمكن للشخص الإنساني أن يؤمن بنظيمة فكرية أو “حقيقة علمية”، مثلاً، مثلما يؤمن بعقيدة دينية.

فالعقل والإيمان ليسا مجالين متخارجين ومتنافيين بصورة مطلقة، بل هما حدان جدليان، متعارضان، وجود كل منهما هو شرط وجود الآخر، وانتفاء أي منهما هو انتفاء الآخر، وينتج من تعارضهما في كل مرة مركب جديد ليس أياً منهما، يمكن أن نسميه هنا، العقل المؤمن أو الإيمان العاقل. العلاقة بين العقل والإيمان، هنا، أكثر من علاقة تضايف[5]؛ إنها علاقة تجادل، يتحول بموجبها العقل إلى إيمان والإيمان إلى عقل، أي إن عملية/ عمليات التعقل تنتهي إلى يقين، وهذا يتحول إلى موضوع للعقل النافي مرة أخرى، وهكذا، أي إن اليقين يتحول إلى موضوع للتفكير والتساؤل والشك والنفي، وفقاً لمقدرات الأفراد المتفاوتة وشروط حياتهم المختلفة.

وحدة العقل والإيمان، مفهومةً على هذا النحو، هي، في اعتقادنا، مبدأ معرفي وأخلاقي في الوقت  نفسه، من المبادئ التي تضمن الطمأنينة للفرد والوحدة والاستقرار للمجتمع، وتستأصل جذور التعصب المغروزة في الجهل والهوى.. ومن ثم، إن العقل هو الذي يؤمن. ولكي لا يلتبس الأمر، نقول إن القوة العاقلة في الإنسان هي التي تؤمن، فتلبي حاجة الإنسان إلى يقين. لكن القوة العاقلة لا تؤمن إلا بعد شك، ولا تشك إلا بعد إيمان.

الشك والإيمان يتناوبان على الروح الإنساني، أو الروح الإنسانية. فحين يضعف الروح، ويستكين،  يميل إلى إيمان ثابت، لا يتزعزع، ولا يستنير بنور العقل، ولا يتطرق إليه الشك؛ فلا ينمو ولا يتجدد، يسمى “الإيمان الأعمى”، ويسميه بعضهم “إيمان العجائز”[6].

حين يؤمن العقل (أي الإنسان العاقل، الفرد الإنساني العاقل، الأنثى والذكر على السواء) إنما يؤسس عالمه الداخلي، ويؤثِّثه، فلا يشك الشخص إلا بمقدار ما يعمل على تعرُّف عالمه الخارجي، كما هو وإنتاج ذاته فيه، ويعود، في كل مرة، بأفكار جديدة و”حقائق” جديدة، يعيد ترتيب عالمه الداخلي، أو “تجديد أثاثه”، بمقتضاها. وهذه هي الطريق الملكية لتصالح الإنسان مع عالمه ومع ذاته، والطريق الملكية لتجديد المعرفة والثقافة. العلمانية هي هذا التصالح مع العالم ومع الذات، وهذا التجديد.

هذا، في اعتقادنا، يخرج العلمانية من دائرة السجال الأيديولوجي، ويضعها في سياق التطور التاريخي للمجتمع، الذي لا ينمو ولا يتقدم إلا بمقدار ما يجدد معرفته وثقافته، وهاتان المعرفة والثقافة من عوامل تجديد المجتمع كله.

الهوامش:

[1]– هذا، في نظرنا، أفضل تعريف وأوجز تعريف للتاريخ، يبين أن معنى التاريخ لا ينصرف إلى الماضي، ولا يعني التأريخ، أو سرد أحداث الماضي، لأن عمله هو النفي ونفي النفي، بلا توقف، وهو بالضبط وحدة الزمان والمكان.

[2]– راجع/ـي، ماركس وباور، حول المسالة اليهودية، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت،  بلا تاريخ نشر، ص 178.

[3]– العقل السليم معيار ذاتي، هو ما يعتبره المتكلم وما تعتبره الجماعة أو ما يعتبره المجتمع سليماً. والسلامة العقلية معيار علمي، من معايير الطب والطب النفسي.

[4]– جان جاك روسو، دين الفطرة، ترجمة عبد الله العروي، المركز الثقافي العربية، الدار البيضاء وبيروت، 2012، ص 16.

[5]– علاقة التضايف تعني أن كل تغير يطرأ على أحد العنصرين المتضايفين يطرأ على الآخر.

[6] – كلما تقدم الإنسان في السن تتقوى لديه النزعة الإيمانية، وقد يزداد تشدداً وتعصباً.