رغم التعديلات التي أجراها مجلس الشعب على بعض مواده، بقي القانون ٣١، الناظم لعمل وزارة الأوقاف، كابوساً مرعباً للعديد من السوريين، فمعظم تلك التعديلات وصِفت بأنها “لغوية ولفظية، شكلية وسطحية” لم تحدث فرقاً نوعياً في جوهره، ليبقى مثيراً للجدل حول آلية وطبيعة تطبيقه وما يخبئ في عمقه، إذ رأى فيه البعض نهجاً دينياً يسعى إلى “سَعوَدة” و”أفغنة” سورية.

المحامي وليد يرى أن هذا القانون “يمنح وزارة الأوقاف صلاحيات وغطاءً قانونياً للتدخل في كل ما يتعلق بالمجتمع، ويسمح لها ببسط نفوذها على معظم مناحي الحياة، ما يجعلها أقرب إلى دويلة مستقلة، تمتلك مؤسساتها الخاصة وقرارها المستقل وتتمتع بأجهزتها الإدارية والمالية.” فالقانون لا يكتفي بـ[إحداث مديريات للأوقاف في المحافظات] (المادة ٩٠)، إنما يخول الوزير ومجلس الأوقاف المركزي [إحداث شعب وقفية ملحقة بمديريات الأوقاف، وذلك للإشراف على أماكن العبادة ومتابعة العقارات الوقفية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي] بحسب المادة ٩٤. هذا يعني أن الوزارة “أوجدت لها منابر فكرية في كل مكان، عبر شبكة من المؤسسات الإيديولوجية، التي ستنتشر في معظم المدن والبلديات، قد تحاكي تجربة شُعَب حزب البعث التي توغلت في كل مفاصل المجتمع، كما أن هذا الأمر قد يجعل بعض الأديان والطوائف الأخرى تحذو حذو نظيرتها الإسلامية وتسعى لتشكيل مديرياتها وشعبها ولجانها الخاصة، أي مزيد من المؤسسات الدينية” بحسب المحامي وليد.

وفي السياق ذاته تقول المادة ٩٧ [ تُشكَّل بقرار من الوزير بناءً على اقتراح مدير الأوقاف لجان تُسمَّى “لجان الأوقاف” ملحقة بمديريات الأوقاف، تتولى الإشراف على حسن سير الشعائر الدينيَّة في نطاق عملها، ومتابعة عقارات الأوقاف والمحافظة عليها، والإبلاغ عن التعديَّات والتجاوزات عليها]. وأثارت هذه المادة الجدل الأكبر عند منتقدي القانون إذ وصف البعض تلك اللجان بـ”جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.” وهنا يتساءل المحامي وليد: “هل تحتاج بعض العقارات الوقفية التي يحميها الناس فطرياً ويرونها أماكن مقدسة إلى لجان للأوقاف؟” مضيفاً “ما هي طبيعة عمل تلك اللجان في المناطق ذات الاعتدال الديني والتنوع الطائفي؟ هل ستقوم بمنع المشروبات الكحولية والتدخين، ومراقبة غير الصائمين ومن لا يذهبون إلى الجامع، والتدخل في طبيعة اللباس، خاصة عند النساء؟”

وتحظى أيضاً الوزارة بامتيازات خاصة، فبحسب المادة ٦٥ [تعفى العقارات الوقفية في جميع معاملاتها من الضرائب والرسوم كافَّة أياً كان نوعها، وتُعفى من تقديم الكفالات والتأمينات والسلف بأنواعها]. كما يمكن للوزارة وفقاً للمادة الثانية: [التنسيق مع وزارتي الإعلام والثقافة للإشراف على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام كافةً، وكذلك المطبوعات الدينية].. أما الامتياز الأكبر فهو ما جاء في المادة ٨٦: [لمجلس الأوقاف المركزي أن يؤسس شركات تجارية مملوكة له من نوع شركات الأموال، تعمل وفق أحكام قانون التجارة والشركات والقانون المدني، للإستثمار وإدارة الأوقاف].

هذا الامتياز برأي المحامية نوال “قد يفتح باباً لفرص العمل، يضطر الباحثين عنها إلى الإذعان لسلطة الدين ليعملوا في تلك الشركات، التي يمكنها استخدام سلطة المال  لتحقيق أهداف ومآرب خاصة.” وتضيف نوال “بدلاً من تفعيل دور المجتمع المدني نرى القانون ينحيه جانباً، ليفعّل النشاط المجتمعي الديني، ما قد يؤثر على شكل وطبيعة ذلك المجتمع ويوجد شرخاً وانقساماً في بيئته ويؤسلم هويته المجتمعية” وعن ذلك تعطي مثالاً من بعض ما جاء في المادة الثانية: [تأسيس المبرَّات ودور رعاية الأيتام والمستوصفات والمشافي والمنشآت والمؤسسات والمراكز الخيرية والاجتماعية والاقتصادية التي تحقق أهداف الوزارة] وتتساءل “ماذا يعنى قيام المؤسسات الدينية على حساب المدنية؟ وما الهدف من إقامة مشاف ودور أيتام دينية؟ هل ستكون معنية فقط بالمؤمنين المنتمين إلى دين محدد؟” وتضيف المحامية نوال أن القانون لم يشر لطبيعة عمل تلك المؤسسات والمنشآت والمراكز والشركات، “التي قد تكون ذات طابع احتكاري وإيديولوجي، وتسعى إلى الانفراد بالعمل المجتمعي عبر وضع يدها على معظم مرافق المجتمع” بحسب تعبيرها.

القانون والعلوم الشرعية

وتنص الفقرة هـ من المادة الثانية من هذا القانون على [تطوير التعليم الشرعي في جميع مراحله، وإحداث المدارس والمعاهد الشرعية الإسلامية وتنظيم شؤونها وإدارتها وذلك بهدف إعداد نخبة من علماء الدين المتمكنين من أدوات الخطاب الديني، يقدمون البديل عن التطرف والأفكار المنحرفة والتكفيرية]، وعن هذا الفقرة ترد الدكتورة الجامعية غادة بقولها “المؤمن الحقيقي لا يحتاج إلى المدارس والمعاهد الشرعية ليتقرب من الله، ألا يكفي عدد المؤسسات التعليمية الشرعية والجوامع الموجودة في البلاد؟ لا ننسى أن التطرف جاء من بعض خريجي تلك المؤسسات.”

وتؤكد د.غادة أن “ما ذكر في الفقرة يقوي لغة الخطاب الديني على حساب اللغة الوطنية الجامعة، فالتصدي للتطرف والأفكار التكفيرية لا يأتي من خلال علماء الدين ومنابرهم، بل من خلال القانون وعلوم الأخلاق ونشر الوعي والأفكار المدنية التي تساوي بين الجميع، وأيضاً عبر تطوير الجامعات والمراكز العلمية، وعبر تربية الأجيال الصاعدة على ثقافة المواطنة والاعتدال والقيم المجتمعية المعاصرة لا على ثقافة التدين”. ويحظى (المجلس العلمي الفقهي) وفقاً للقانون المذكور، بدور اجتماعي فاعل ذي سلطة مؤثرة في المجتمع، فيما لا يوجد أي دور مشابه للنخب والمرجعيات الثقافية والعلمية في أي قانون.

ويولي القانون المدارس الشرعية أهمية كبيرة، ويساويها مع المدارس التعليمية الحكومية فالمادة٣٩ تقول: [يكون لكل مدرسة شرعية إسلامية موازنة خاصة تصدر بقرار من مجلس الأوقاف المركزي]. ووفقاً للمادة ٤٣ [تُعدُّ شهادتا الإعدادية الشرعية والثانويَّة الشرعيَّة مُعادلتين لشهادتي التعليم الأساسي والثانويَّة العامة “الفرع الأدبي” ويتمتَّع حائزوها بالامتيازات والحقوق ذاتها التي يتمتَّع بها حائزو الشهادات التي تمنحها وزارة التربية].

وحول ما سبق تتساءل د.غادة “هل يحتاج الطالب إلى كل تلك السنوات الدراسية لتحصيل العلوم الشرعية؟ ألا يكفي فرض مادة التربية الإسلامية على جميع الصفوف ووجود كليات الشريعة؟ وألا يكفي ارتياد المساجد ومعاهد تحفيظ القرآن أو النشوء في أسرة متدينة لكي يتعلم أصول الدين؟  أليس من الأفضل استخدام ميزانية المدارس الشرعية لدعم المؤسسة التعليمية الحكومية؟”

وفي السياق ذاته يتيح القانون للمدارس الشرعية استقطاب الطلاب من المدارس التعليمية الحكومية، إذ [يجوز انتقال الطلاب بين الصفوف المتماثلة في مراحل التعليم الأساسي والثانوي العام والشرعي] وفقاً للمادة ٤٤، وهو أمرٌ قد يزيد من نسبة إقبال الطلاب على تلك المدارس نتيجة التسهيلات والمغريات المقدمة لهم.

ويرى المُدرس مازن أن هذا الأمر “أشبه بزواجٍ بين المؤسسة التعليمية والدينية” وهو ينطبق على المعلمين أيضاً، فبحسب المادة 47: [يستفيد العاملون والمدرسون في المدارس الشرعية من جميع الامتيازات والحقوق والتعويضات التي يتمتع بها نظراؤهم في وزارة التربية] لذا قد يلتحق المدرسون التربويون بالمدارس الشرعية كي يحصلوا على دخلٍ إضافي، خاصة أن دخلهم الحكومي يكاد لا يذكر.