تساءلت منظمة “هيومان رايتس واتش – منظمة مراقبة حقوق الإنسان” في تقرير أصدرته في شهر شباط/فبراير، عن مصير اللقاح الذي يفترض أن يصل إلى سوريا، اللقاح المضاد لفايروس covid 19. ولخصت المنظمة تقريرها بعبارة: “ينبغي توسيع نطاق الوصول العادل إلى لقاح (كورونا)”، لتلحقه بجملة: “انعدام الوصول، والبنية التحتية التالفة، والتحيّز يهددون الحملة”.

تقرير المنظمة تضمن مخاوف من عدم إمكانية حصول الجميع على اللقاح، على قاعدة أنّه من حق كل شخص الحصول عليه، باعتبار أنّ الملف يخضع لاعتباري الطب والدواء، ومكافحة الوباء ضمن أطر الخطة الدولية العامة، بمعزل عن تفاصيل إضافية حاول التقرير عدم ذكرها بصورة مباشرة، على اعتبار أن جماعات كـ”النصرة”-و”تحرير الشام”، تسيطر على معظم إدلب وهي مصنفة على لائحة الإرهاب العالمي، فضلاً عن فصائل “درع الفرات” التي تعمل مع الجيش التركي في الشمال.

ما ورد في تقرير المنظمة يخلق تشابكاً في المعطيات والآليات والاستراتيجية الدوائية؛ فهناك على الساحة لاعبون دوليون في الإطارين العسكري والسياسي، ما يخلق التساؤل حول الشمال، فهل تركيا هي من تكفلت من خلف الستار طبياً بملف “درع الفرات” أولاً، وإدلب، ثانياً، على اعتبار أنّ ممثلة الصحة العالمية في دمشق أشارت بعدم إمكانية وجود اتفاقيات ثنائية مباشرة! وماذا عن مصير الأكراد تالياً والدور الذي قد تلعبه دمشق! وكل ذلك بعد الأخذ بعين الاعتبار أن موسكو تكفلت بمناطق سيطرة الحكومة السورية!

روسيا تمد سوريا بسبوتنيك VI

سجلت سوريا إلى جانب فلسطين والجزائر وتونس والإمارات، طلبها إلى موسكو بالحصول على لقاح “سبوتنيك” المعتمد منذ شهر آب/أغسطس من العام الفائت.

في الخامس والعشرين من شباط/فبراير الفائت تحدث وزير الصحة السوري “حسن غباش” عن أنّ بلاده طلبت من إحدى الدول الصديقة لقاحاً ليتم تطعيم السكان به، وجاء تصريح الوزير بعد ثلاثة أيام من إعلان مواقع صحفية روسية أن دمشق سجلت طلبها بالحصول على اللقاح. أضاف الوزير في تصريحه لوكالة الأنباء السورية أن التطعيم سيبدأ للكوادر التي تقف في الخطوط الأمامية، مشيراً أنه بحسب دراسات أثبتت أنه هناك 6.7 هي إصابات في حالات لا عرضية، وأنّ نسبة الإصابات بين الكوادر الطبية بلغت 3.6، ما يعطي انطباعاً حول مدى الانتشار بين العاملين في المجال الصحي من المعتنين بمرضى covid19.

وكانت قد أُجريت في دمشق دراسة استهدفت العاملين في القطاع الصحي بصورة مسحية شاملة، وخلصت الدراسة بالاستناد إلى معطيات البروتوكول العالمي أنّ تطعيم العاملين هو أولوية مرحلية، سيما أولئك الذين تخطوا 55 عاماً، فضلاً عن ذوي الأمراض المزمنة.

وأشارت مصادر مطلعة أنّ الحديث العام عن أرقام الإصابات وما تؤكده الوزارة مراراً لا يعتمد على الشروط المنطقية في ظل النقص الكبير في عدد المسحات، وبالتالي عدم منهجية البحث في المسح العام على مختلف الشرائح، إلا أنّ المسح للكوادر الطبية يبدو دقيقاً، بسبب حصر عدد العاملين والمستشفيات ومعرفة الواقع الصحي من ناحية القوى العاملة. وفي إطار متصل يتحدث مواطنون عن مخاوفهم من الانتقائية في توزيع اللقاح، في مرحلة ما بعد تطعيم الكوادر المستهدفة.

“أسترازينكا” الإنكليزي للشمال الغربي

تقدمت مناطق الشمال الغربي في سوريا، الخارجة عن سيطرة الحكومة، بطلب رسمي إلى مبادرة “كوفاكس”، التابعة لبرنامج “الصحة العالمي”، للحصول على لقاح covid19، بعد أن كانت قد سجلت مناطق إدلب تراجعاً ملحوظاً في تسجيل إصابات كورونا خلال الأسابيع الفائتة، في انتظار وصول لقاح “أكسفورد-أسترازينكا” الإنكليزي، في الأيام المقبلة.

و أجرت مناطق الشمال الغربي تنسيقاً حثيثاً مع كل من اليونيسيف ومنظمة الصحة العالمية للحصول على اللقاح، ولا زالت بانتظار الترتيب البروتوكولي مع مبادرة “كوفاكس”، بحسب تقارير صحفية. وسيستهدف اللقاح إدلب وريف حلب الشمالي، على أن يتم التطعيم على ثلاث دفعات، الأولى تستهدف نحو 20% من السكان على أربع دفعات أو أقل، وكذلك الحال فإنّ الأولوية ستكون للعاملين في القطاع الصحي وكبار العمر، وقد يصل عدد الجرعات إلى نحو مليوني جرعة، تكفي نحو 900 إلى 950 ألف نسمة.

ومن جانبها ترى دمشق أنّ العدد مبالغ به في إدلب، وترفع تساؤلاً حول إمكانية أنّ يكون التواصل شرعياً مع اليونيسيف ومنظمة الصحة على اعتبار أن النصرة تبسط سيطرتها بالقوة على الشمال الغربي.

وأشار مصدر مطلع في تصريح لنا أن اللقاح يجب أن يكون متاحاً لجميع المدنيين، وأنّ دمشق لن تدخر جهداً في حماية رعاياها، وتؤكد موقفها ذلك من خلال فتحها المستمر للمعابر لخروج العائلات والأفراد من مناطق سيطرة الفصائل إلى مناطق سيطرة الحكومة. وأضاف المصدر أنه: “بطبيعة الحال لا مشكلة لدينا مع أحد من سكان سوريا، بل إنّ السلطات مستعدة لاحتضان الجميع، وهذا ما نعول عليه منذ بداية الحرب، إذ لا مكان للأحقاد الشخصية في الملف السوري، وهذا يتضح من معاملتنا للهاربين من مناطق سيطرة المسلحين”.

“قسد” دون لقاح حتى الآن

تسيطر قوات سوريا الديمقراطية الكردية المعروفة بـ”قسد” على مناطق شمال، وشمال غرب سوريا، وتنتظر بدورها أي فرصةٍ للحصول على اللقاح، في ظل ضبابية تامةً للمشهد الدوائي المستقبلي هناك، ويتضح من التحركات الكردية أنّها تعول بالدرجة الأولى في الحصول عليه عبر مخاطبة منظمة الصحة العالمية، وفي هذا الحال فمن الممكن أن يمر اللقاح عبر دمشق، وهو الأمر الذي ما زال قيد المتابعة.

أكدت الدكتورة أكجمال ماجتيموفا (ممثلة منظمة الصحة العالمية في دمشق) في مقابلة سابقة مع “رويترز” أنها تأمل أن تبدأ حملة التلقيح في أبريل (نيسان)، لكنها نبهت أن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول اعتماداً على عدة عوامل وامور مجهولة حالياً.

وأكدت ماجتيموفا في حديثها أنّ أي إمدادات لعدد أكبر من اللقاحات الآمنة والفعالة التي تستطيع سوريا الحصول عليها ستعتمد على اتفاقات ثنائية وليس لمنظمة الصحة العالمية أي دور في هكذا نوع من الاتفاقات.