-I-

ما جرى في سوريا ثورة بكل معنى الكلمة، والأحداث الدموية التالية ليوم 15 آذار 2011 والمستمرة حتى اليوم تؤكد ذلك ولا تنفيه، بل إن كل ما جرى دليل على أن الثورة تأخرت ما لا يقل عن ثلاثين سنة.

أكثر من ذلك، كل أحداث عام 2017، وما يبدو أنه تحول جذري في موازين القوى، وبوادر انتصار النظام الأسدي وحلفائه، هو دليل على أحقية الثورة حتى لو استبق بعضنا الأحداث وقرر أن الثورة هُزِمت.

صحيح أن وقائع ما بعد سيطرة النظام الأسدي على حلب في نهاية العام الماضي أثبتت أن هذه الثورة يتيمة، ومستحيلة، لكنها بدأت ثورة شعبية، بغض النظر عن عدم الإجماع عليها من كامل المجتمع السوري، وعدم الإجماع على تمثيل المعارضة للثورة. وساهم إصرار النظام الأسدي على الحل الأمني منذ اليوم الأول لانطلاق الثورة، واتهامها بالطائفية، بتأجيج الغضب الشعبي على النظام الأمني، خاصة مع الأداء الإعلامي الهزلي، والفشل حتى في إدارة العمليات الحربية ضد مجموعات متفرقة من الفصائل المسلحة؛ كل ذلك دليل جديد على أن سوريا كانت تستحق دائماً نظام حكم، وقيادة، أفضل من المافيا التي ظلت تبيع الشعب السوري شعارات طوال 41 سنة منذ 1970 حتى 2011، فيما تعتقل أصحاب الرأي، وتوزع المكاسب والمحسوبيات على المؤيدين لها، وتقبض الأتاوات من رجال الأعمال السوريين، والرشاوى من رجال الأعمال العرب، وغير العرب، في سلسلة فساد لم تعد أي معالجة تفيد في لجمها.

لكن لابد من الاعتراف بذكاء النظام، ومهارته في إدارة معركة الشر، وشيطنة الثائرين عليه، حين صنع ظاهرة داعش والنصرة، وبدأ بتصديرها إلى العالم الغربي، قبل أنصاره، لوضعهم أمام خيارين: إما داعش أو أخواتها، أو بقاء النظام، في ترجمة حرفية لما أطلقه شبيحته منذ الأيام الأولى للثورة الأسد أو لا أحد.”

أما عن الوضع الحالي، أو الوقائع على الأرض، ومع اقتراب الثورة من إتمام سنتها السابعة، فلا يوجد ما يثير التفاؤل، على الرغم من تحجيم قوة المعارضة العسكرية إلى درجات دنيا، والسعي إلى سوق مؤسسات: الائتلاف المعارض، والهيئة العليا للمفاوضات، إلى التسليم ببقاء النظام حتى عام 2021، مع إمكانية ترشيح بشار الأسد لفترة رئاسية جديدة، والاعتراف بدستور 2012. هذا يعني أن الآلام التي عاناها السوريون كانت بلا ثمن، وأن تحطيم المجتمع السوري بالطريقة التي تم فيها سيعني أن النظام الأسدي سيحكم إلى الأبد، بالمعنى الحرفي للكلمة، وليس بالمجاز الذي حاولت ثورة الشعب السوري تحطيمه.

-II-

من الصعب توقع حسم عسكري لأي من طرفي الحرب على سوريا، فلا النظام وحلفاؤه في إمكانهم استطاعوا حسم المعركة عسكرياً، ولا المعارضات بشقيها المدني والعسكري قادرة على ذلك.

هذا يعني أن الحل سياسي برعاية روسية أمريكية بالضرورة تبدأ بإجبار الطرفين على إيقاف القتال. وفي ما يتعلق بروسيا، عليها إجبار النظام الأسدي على سلوك طريق الحل السياسي، وليس كمناورات لكسب الوقت كما فعل في اجتماعات جنيف منذ صيف 2012. أما المعارضة فلا تحتاج إلى إقناع بجدوى الحل السياسي، بعد أن أدركت استحالة حسم القتال لمصلحتها منذ خسارتها معركة حلب أواخر عام 2016، خاصة اليوم بعد تجفيف مصادر الدعم المالي والعسكري عنها.

لكن الحل الأكثر عدالة لمستقبل ما تبقى من السوريين هو تشكيل مجلس رئاسي مهمته تشكيل لجنة لكتابة دستور موقت للبلاد، والإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة. يليها حوار وطني شامل غايته المحافظة على وحدة البلاد، إن كان بصيغة فيدرالية، أو لا مركزية إدارية.

لكن ذلك لا يكون إلا بإيقاف الحرب أولاً، وتيسير عودة النازحين، وما أمكن من اللاجئين، وتقديم كل ما يلزم لهم من مساعدات في بيئة خالية من السلاح، ومن الشبيحة، ومن الميليشيات.

-III-

الحل يبدأ بإيقاف الحرب، بع اتفاق سياسي على جدول زمني لإزاحة النظام بكل رموزه من حكم سوريا. يلي ذلك ترتيبات لسحب سلاح الميليشيات من الطرفين، كبداية لاستقرار قد يستغرق سنوات قبل أن ينسى السوريون تفاصيل الحرب، وقبل أن تختفي آثارها من عيونهم ونفوسهم.

لكن هذا الأمر لن يسمح النظام بمروره دون ضغط روسي أمريكي عليه.

ولأن النظام يريد تصديق أنه انتصر على الفصائل المسلحة، متناسياً الدور الروسي الأمريكي في الضغط على الفصائل، وسحب تسليحها للقبول بـمناطق تخفيف التصعيد، ينبغي على موسكو وواشنطن إعادة النظام إلى الواقع، خاصة أن ظاهرة تنظيم داعش، كـدولة، في آخر فصولها، وبعدما تكشفت أوراق ارتباط النظام بداعش بوضوح بعد ترحيل أكثر من 300 من عناصره باتفاق بين حزب اللهوالتنظيم السلفي القاعدي، وعبور هؤلاء العناصر غرب سوريا إلى شرقها تحت نظر وسمع النظام، وحليفه الروسي، وحليفه الإيراني، بل وانضمام 113 من هؤلاء إلى ميليشيات النظام بشرط ألا يقاتلوا في ديرالزور. هذه النقطة الأخيرة تعني أن هؤلاء مستعدون فقط لقتال فصائل الجيش الحر، وربما جبهة النصرة، كما كان يفعل داعش منذ ظهور في سوريا قادماً من العراق عام 2013.

ولأن النظام لا يقبل سوى بـنصر كامل، واستسلام المعارضة دون قيد أو شرط، وربما محاكمة المعارضة بتهمة الخيانة، فإن الوضع مرشح للتفجر لشهور أو سنوات، كون المعارضة لا تنوي الاستسلام، وتقاوم الآن الإملاءات السعودية للتسليم ببقاء الأسد، فضلاً عن مقاومة الجيش الحر للإملاءات الأمريكية، وغرفة موكبالانسحاب إلى الأردن وتسليم المناطق التي يسيطرون عليها لقوات النظام الأسدي والميليشيات الداعمة له.

ورقة داعش في يد النظام لم تحترق كلياً، بدليل أن المدن التي دمرتها غارات طيران التحالف ومدفعية قوات سوريا الديموقراطيةأصبحت خالية من داعش، بل من جثث عناصر التنظيم، ولا يوجد لدى قسدأسرى من داعش. هذا يعني أن عناصر داعش غيروا مقرات إقاماتهم في انتظار أوامر النظام، في حال رغبت روسيا أو أمريكا، أو كليهما، فرض حل سياسي يزيح النظام من حكم سوريا، وعندها سيلقي النظام بوصفته السحرية في وجه أمريكا وروسيا، وهو على استعداد لمحاربة إرهاب داعش لألف سنة قادمة على أن يتخلى عن مزرعته السورية.

-IV-

اصطف المثقفون السوريون في أغلبهم بين مؤيد ومعارض، على عكس فئة وازنة من السوريين التي اختارت الصمت.

ومعيار الاصطفاف هنا أخلاقي أولاً، دون أن ننفي وجود جانب سياسي لدى بعض المثقفين من الطرفين. أخلاقياً، لا شك أن المثقفين الذين اختاروا الثورة ولم يغيروا من موقفهم تبعاً لتسلسل الوقائع الدموية هم الذين فازوا، على عكس مثقفين غيروا موقفهم من الثورة بحجة التسلح، على الرغم من أن وحشية النظام أعطتهم مئات الفرص كي يراجعوا موقفهم الأخلاقي.

سياسياً، ليس في يد المثقف المعارض، أو المؤيد، أن يفعل شيئاً. وربما عليه ألا يفعل شيئاً في السياسة، وأن يقتصر دوره النقدي على تقديم شهادته الأخلاقية والإنسانية تجاه البلاد، والناس، ومستقبل الأجيال الصغيرة. السوريون طالبوا بكرامتهم، كشعار وحيد لثورتهم،  وكخطوة في اتجاه الديموقراطية، وحكم القانون الذي يساوي بين كل السوريين، فهل يبرر هذا الطلب قتل أكثر من نصف مليون سوري، وجرح أكثر من مليون، ومعاناة أكثر من 750 ألفاً من إعاقات دائمة، واعتقال أكثر من 300 ألف سوري، ومقتل عشرات آلاف المعتقلين تحت التعذيب، وتشريد أكثر من 12 مليون بين نازح ولاجئ. مآسي هذه الفئات جميعاً جرى أغلبها على يد النظام الأسدي. والمثقفون في الجهتين يعلمون بذلك، لكن فئة من المثقفين المنحازين للنظام تصمت عن إطلاق إدانة أخلاقية ضد النظام، ربما لأن الإدانة الأخلاقية تستتبع إدانة سياسية، ومطالبة بمحاكمة المجرم على جريمته، وهذا ما يحاول هؤلاء تجنب التورط فيه.

-V-

على الرغم من كل الدم الذي دفعه السوريون، وتدمير جزء كبير من البنية التحتية للبلاد، وخروج أكثر من خمسة ملايين طفل من المدارس منذ أكثر من ست سنوات، لا أعتقد أن المشكلة بين السوريين، بل بين فئة من السوريين والنظام الأسدي، الذي اختطف الدولة والمجتمع السوريين ورهنهما لمصلحة عائلة تريد احتكار السياسة والاقتصاد إلى الأبد.

واليوم، لم يتغير شيء عن 2011 وما قبل في ما يتعلق بالعلة السورية، كون النظام لا يزال يسيطر على العاصمة، ويتقدم بدعم حلفائه، وتخاذل حلفاء المعارضة، ولن يتغير شيء مادام النظام يجد الدعم الروسي غير المحدود. أما السوريون، في المعارضة والموالاة، والفئة الصامتة، فلن يجدوا الوقت للتلاقي ومحو الأحقاد ما دام النظام، بمخابراته، ودساتيره التي تفرق بين السوريين، وممارساته التي تعطل الدساتير التي يفصلها على مقاس الرئيس وعائلته.

لكن بزوال النظام الأسدي، ومحاسبته على جرائمه، سيلتقي الناس، ويتم وضع دستور مدني مرحلي، ثم دائم، وتتم محاسبة مرتكبي جرائم الحرب من الطرفين. ولا أشك أن التسامح سيسود، بصفته حقاً وخياراً فردياً، على الرغم من تخوف بعض السوريين من انتقامات فردية قد تحصل دون أن تشكل قاعدة.

-VI-

أخطر ما قد ينتج عن تأجيل العملية السياسية في سوريا هو استقرار قسم كبير من اللاجئين في أوروبا، ودول الجوار، ودول عربية، وهذا هو الأرجح. بالطبع، قد نستثني سكان المخيمات، وخاصة في لبنان والأردن، فهؤلاء سيعودون خلال وقت قصير بعد وقف إطلاق نار حقيقي.

ومصدر هذا الخطر، في رأيي، أن إعادة الإعمار لا معنى لها دون عودة السوريين، وكل حديث عن مؤتمرات للمانحين لإعادة الإعمار غير مجدية دون مشاركة أصحاب المصلحة في الإعمار. أما الإعمار الذي يتولاه فساد الداخل والخارج، كما جرى في العراق، وفي أفغانستان، فسيبتلع كل المليارات، إن أتت، من خلال دورة فساد ستسير في قنوات سرية يعلمها المجتمع الدوليلأنه شارك في تدمير سوريا، وسيطالب بحصته من أموال المانحين، وسيأخذها على شكل مقاولات لن تتم، وبالتالي لن تصل تلك الأموال إلى النازحين أو اللاجئين، هذا إذا قرروا العودة أصلاً.