في ذاكرة طفولتي البعيدة، كانت قصص الأطفال المحرومين تعرض بكثرة على القناة التلفزيونية الوحيدة، في زمنٍ، كنا فيه بالكاد نقتات ما يكفينا من المأكل والملبس. في ذلك الزمن كان علينا أن نرى قصة موت بائعة الكبريت، الذي بقدر ما آلمنا، أيضاً أسعدنا خلاصها من الجوع والبرد.

إذا كان كاتبٌ في القرن التاسع عشر قد رأى في موت طفلة الكبريت حلا نهائيا للبرد والجوع والحرمان؛ فمن الذي رأى وقرر أن طريق الموت هو الحل الوحيد لأطفال سوريا، ونحن في القرن الواحد والعشرين؟

أطفالٌ نجوا من الموت في زمن الحرب والدمار والتهجير، لنجدهم في الشوارع والحدائق، وعلى وجوههم كل سمات الحرمان من أفراح الطفولة. لا ندري كيف تعلموا الحصول على سعادة مزيفة لبعض الوقت، بإدمان استنشاق مادة الغراء اللاصق المعروفة محلياً بـ”الشعلة”، بوضعها في أكياس أو علب بلاستيكية!. حتى باتوا أشبه ببائعة الكبريت وهي تشعل أعوادها راسمة بخيالها على الحائط صوراً للدفء والعائلة وأفراح العيد.

أحمد طفل في الثانية عشرة من العمر، فقد أهله في الحرب، ويعيش مشرداً في شوارع العاصمة دمشق، بلا سقف يؤويه، يقول إنه يمارس هذا السلوك يومياً مرتين تقريبا، ويشعر بالسعادة كأنه انتقل إلى عالم آخر، ويضيف أن استهلاكه لهذه المادة يزداد أيام البرد، فينسى تجمّد أطرافه لبعض الوقت.

لن تبحث عن بقية زملاء أحمد كثيراً، إنهم في وضح النهار يضعون أفواههم على الأكياس الحاوية على مادة “الشعلة”. إنها ليست لعبة أطفال، هي لعبة للموت، هم عنها غافلون.

ومادة الشعلة هذه تحتوي على مواد كيميائية طيارة تنتمي إلى مجموعة المذيبات العضوية، التي تسبب تأثيرات عصبية مباشرة، كالشعور بالفرح والنشوة واللامبالاة، وتستمر من نصف ساعة لساعة، تدفع الطفل، أو البالغ، إلى تكرار عملية الشم بعد زوال شعوره بالنشوة، ما يعني أن إدمان مادة الغراء هو إدمان نفسي أكثر مما هو كيماوي، كما أن استمرار الطفل بشم مادة الشعلة لفترات طويلة قد يسبب أضراراً في الجهاز التنفسي كون المادة تحوي مواد مخرشة قد تؤدي إلى تخرش الأغطية المخاطية في الرئتين وقصبات الصدر، إضافة إلى احتوائها على مواد تسبب سرطان الرئة في حال طالت مدة الإدمان.*

هذا النوع من الإدمان يسبب التشوش البصري وعدم الاتزان إضافة الى ثقل اللسان وبطء الحركة والرغبة والنشوة، وقد يؤدي التعاطي لفترة طويلة إلى ضمور المخ. **

كشفت وزارة الصحة التابعة للنظام في مطلع آذار عن ضبط حالات تعاطٍ للمخدرات في مدارس بريف دمشق وبعض الجامعات السورية، وكشفت رئيسة دائرة المخدرات بالوزارة، ماجدة الحمصي، عن وجود شائعات عن بدء انتشار ظاهرة شم مادة “الشعلة ” في المدارس.

وفي إطار تقاذف المسؤوليات، كشف مدير مركز فاقدي الرعاية التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، محمد عودة، عن معالجة المركز لـ57 حالة من الأطفال الذين كانوا يشمون الشعلة منذ بداية عام 2016 وحتى الآن منهم مايقارب 35 حالة مازالت بحالة استقرار، وبيّن عودة أن بعض هذه الحالات تمت إعادتها لأسرتها، في حين أن حالات أخرى لازالت في المركز مشيرا لتعرض 12 حالة لانتكاسات.

شمّ الأطفال لمادة الشعلة بات بديلاً عن تعاطي الحبوب والمهدئات العصبية، بسبب انخفاض سعرها وتوفرها في معظم المكتبات والمحلات. وإذا كان هناك ثمة صعوبات في وضع ضوابط لشراء مادة الشعلة وإدمانها، ماذا عن المستحضرات الدوائية المصنعة محلياً، مثل الكبتاغون والأوبرفال والبالتون، والتي يحصل عليها المدمنون بطرق خاصة دون وصفات طبية. فيما تشير التقارير إلى استخدام أساليب جديدة في نقل المخدرات لاسيما حبوب الكبتاغون والزولام، حيث تتم تخبئتها في حليب الأطفال، أو اخفاؤها داخل مشدات الظهر الطبية، أو القيام بخلطها بأعشاب ونقلها بين المحافظات.

أُعلن في شباط الماضي عن ضبط مجموعة تقوم ببيع الحبوب المخدرة داخل جامعة تشرين  في اللاذقية، وقبلها بيومين قالت وزارة الداخلية إنها ألقت القبض على شخصين بتهمة بيع وترويج المخدرات بين طلاب الجامعة، وفي وقت سابق ذكرت مواقع موالية تفاصيل إلقاء القبض على شبكة تعمل في ترويج الحبوب المخدرة في حدائق دمشق، بهدف استغلال الفتيات وتشغيلهن بالدعارة، كما أعلن قسم الآداب في فرع الأمن الجنائي بدمشق عن القبض على بائع قهوة وشاي في الحديقة الممتدة إلى جانب جسر الرئيس، يقوم بترويج المخدرات بين الأطفال والمشردين والفتيات، بغرض استدراجهم للعمل معه، ويقوم بخلط مشروباته بالمواد المخدرة.

وفي حمص، يتكرر الإعلان عن القبض على مروجي مخدرات، وعن حالات وفيات وقعت بين تلاميذ المدارس بسبب تناول جرعات زائدة من الحبوب المخدرة، إضافة إلى انتشار ظاهرة تعاطي الأدوية المسكنة مثل الستاكودائين وحبوب البلتان والترامدول، إذ تباع المواد المهدئة في الأكشاك أمام المدارس وعلى البسطات المنتشرة على الأرصفة، ويتم توزيع المخدرات وحبوب الهلوسة بمغلفات شبيهة بمغلفات علب الماجي المعروفة، إذ يطلب المتعاطون علبة ماجي.

في دمشق، الأكثر انتشاراً ومبيعاً بين الشباب وفي المدارس هي سيجارة الحشيش، والتي يصل سعرها حوالي 1000 ليرة، أي ما يعادل دولارين، وهي، كما يتم الترويج لها، من أجود أنواع الحشيشة البعلبكية، تتبعها حبوب الترامادول، حيث يصل سعر الحبة إلى 60  ليرة، يليه الكبتاغون وتصل العلبة إلى 3500 ليرة، أما مادة الهيروين فهي حكر على الأغنياء، يصل سعر الغرام إلى 20 ألف ليرة.

في آخر آذار الماضي، صرّح قاضي محكمة الجنايات بدمشق، ماجد الأيوبي لصحيفة الوطن السورية، أن نسبة دعاوى تعاطي وبيع المخدرات بلغت 60% من الدعاوي المنظورة أمام القضاء الإداري. وحسب إحصائيات صادرة عن وزارة الداخلية في حزيران 2018، تمت إحالة 3329 شخصاً إلى القضاء بتهم التعاطي والمتاجرة، في حين تم ضبط 679740 كغ من الحشيش المخدر، وأكثر من مليون و875 ألف حبة مخدر، و 21323 كغ من القنب الهندي، و18 كغ من مواد أولية لصناعة المخدرات.

ولا يقتصر الأمر على المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، فقد شهدت مناطق ريف حلب الشمالي والشرقي، أثناء سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية عليها، وعقب دخول فصائل الجيش الحر إليها في 2016، رواجاً لتجارة الحشيش والحبوب المخدرة، عبر تجارة عابرة للحواجز العسكرية المنتشرة على الأرض.

يقول القائد العام لـ”الشرطة الوطنية”، اللواء عبدالرزاق أصلان، أن قوات الشرطة في إعزاز وجدت بؤر توزيع مواد مخدرة، متهماً النظام وداعش وPkk، بالترويج لها. ومنذ مطلع 2017، حتى تشرين الثاني 2018، ازدادت ضبوطات التعاطي والاتجار بالمخدرات في ريف حلب. ونقلت وسائل إعلام تركية أنه تم ضبط سيارة إسعاف في ولاية كلس بداخلها 20كغ من الحشيش، قادمة من معبر cobanbey التركي المقابل لمعبر الراعي السوري.

في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، توسع تعاطي وتجارة الحشيش والمخدرات كظاهرة أساسية، خاصة في مدينة الرقة وريف دير الزور، وصولاً إلى مناطق سيطرة النظام في دير الزور. وتعتبر مدينتا منبج والحسكة المصدر الأساسي للحصول على الحبوب المخدرة؛ ففي تموز 2018، في ريف بلدة تل حميس، قبضت وحدات حماية الشعب “أسايش” على شخص بحوزته 300 حبة كبتاغون، وفي آب 2018، قبضت على تاجري حشيش في رأس العين.

هكذا تحاول قوى الأمر الواقع، المسيطرة في مختلف المناطق السورية، إلقاء تهم الترويج للمواد المخدرة على الأطراف الأخرى، في مشهد يبدو فيه أن معظم المليشيات العاملة على الأرض متورطة في هذه التجارة، في شبكة عابرة للحواجز التي تقيمها في حدود سيطرتها. ليقف المواطن السوري حائرا وخائفا من ظاهرة باتت أشبه بوباءٍ لا يعلم متى يقتحم بيته. وربما نصل لمرحلة تلك الأم في كبح غضبها، حين قالت لي، في محاولة لتقبّل تعاطي ابنها ذي الثلاثة عشر ربيعاً للتدخين: “الحمد لله ابني بيدخن ما بيحشش”.

المصادر

* حسب ماشرحه طبيب الأطفال كريم مأمون في لقاء مع جريدة عنب

** حسب ما أكدت كنانة الدبس المسؤولة عن محور الإدمان والتوعية في مشروع سيار الذي يعنى بالأطفال المشردين والمتسولين.