بمشاريع صغيرة يتحايل السوريون اليوم على واقع معيشتهم المرير بعدما أصابت الحرب اقتصادهم في الصميم، ورغم ضعف الإمكانات وبساطة الأدوات إلا أنها شكلت نوعا من الأمان لهم بعدما أصبح الخوف من الجوع همّاً يسيطر على أيامهم.

تنوعت هذه المشاريع وتعددت حسب ظروف المكان نفسه، إلا أن الغاية الأساسية منها هو تأمين اكتفاء ذاتي بالدرجة الأولى معتمد على ما تقدمه البيئة الموجودة وعلى نمط الإنتاج السائد سواء كان في الريف أو المدينة.

المشاريع الزراعية الصغيرة

وهي المشاريع التي تقوم على زراعة مساحات صغيرة من الأرض وغالبا ما تكون بجانب المنازل أو في أحواض خاصة لتأمين بعض الخضراوات الأساسية للطعام، وقد تتطور هذه المشاريع قليلا لتشكل دخلاً وان كان محدوداً لأصحابها إذا ما توافرت مساحة مناسبة من الأرض وكمية جيدة من الماء.

أهمية المشاريع الزراعية البسيطة أن كلفتها شبه معدومة وتؤمن طعاماً صحياً ومتنوعاً وبخاصة في المدن حيث لا تتوفر مساحات للزراعة وغالباً ما تتم في صناديق وأحواض على شرفات وأسطح المنازل أو في الحدائق المنزلية الصغيرة.

تخبرنا (نادية 42 سنة) عن تجربتها في الزراعة المنزلية فتقول: “أحب الزراعة بشكل عام وكنت قد حولت سطح بيتي لحديقة صغيرة أزرع فيها أنواعاً مختلفة من نباتات الزينة والورود، لكن سوء الأحوال المعيشية وغلاء الأسعار دفعني لاستبدال أحواض الورد بمشاتل صغيرة أزرع فيها بعض الخضار، وعموماً كانت النتائج جيدة واستطعت تأمين أغلب الخضر الضرورية وبتكلفة بسيطة جداً.”

العودة إلى أدوات وعلاقات الاقتصاد البدائي القديمة أصبحت سمة واضحة اليوم ونلاحظها بوضوح في الريف وخاصة في ظل غياب شبه تام لأي سياسة اقتصادية حقيقية، عدنا لنرى أدوات الزراعة البدائية والتي كانت شبه معدومة سابقا لكنها اليوم تشكل حلا جيدا للفلاح في ظل غلاء المحروقات وعدم توفرها، بالإضافة إلى إهمال المواسم والمحاصيل الصناعية والتي كانت مزدهرة فيما مضى والالتفات للمحاصيل الأساسية المطلوبة في السوق أو التي يسهل تخزينها وتسويقها وبخاصة بعد توقف التصنيع والتصدير للمنتجات الزراعية.

مشاريع صغيرة على هامش الزراعة

وجد الفلاحون أنفسهم أمام مشكلات عديدة واجهت القطاع الزراعي غير أن مشكلة تسويق المحاصيل كانت الأبرز في ظل توقف التصدير الخارجي وضعف القوة الشرائية عموماً وارتفاع تكاليف الإنتاج، لذا لجأ العديد منهم إلى إيجاد بدائل لبيع محاصيلهم عن طريق تصنيعها إلى منتجات يسهل بيعها وحفظها مدة أطول.

لجأ (أيمن 53 سنة) إلى تسويق محصوله من العنب بتصنيعه إلى منتجات مختلفة، فنرى في مستودع بيته الذي حوله لورشة عمل صغيرة أواني تحتوي بعضها على النبيذ وأخرى على دبس العنب أو الخل بالإضافة لسلال الزبيب، يقول أيمن: “منذ أن بدأت مشروعي لم أعد أخشى من كساد إنتاجي ورغم الصعوبات التي واجهتها في البداية إلا أنني نجحت في كسب ثقة الزبائن وبيع كامل محصولي وبأسعار جيدة”

تنوع الإنتاج الزراعي جعل (سمر43 سنة) تفكر في استثمار بستانها بطريقة غير تقليدية، فجعلت من الفواكه أنواعا مختلفة من المربيات والمجففات التي لاقت رواجاً كبيراَ في السوق، ما دفعها لفتح محل صغير تعرض فيه ما تنتجه في منزلها، تخبرنا سمر عن مشروعها وتقول: “بدأ مشروعي بتجفيف بعض الفواكه وعرضها وسرعان ما توسعت في الإنتاج ليشمل تصنيع المربيات المنزلية بطرق صحية ولذيذة، بالإضافة لصنع بعض أنواع الحلويات المنزلية أيضا، وبسبب نجاح عملي أصبحت أشتري الفواكه من بعض الأصدقاء وأساعدهم في بيع محاصيلهم لألبي الطلب المتزايد لدي، وعلى هامش مشروعي بدأت مؤخرا بالشراكة مع أختي بتجفيف أنواع مختلفة من الأعشاب الطبية المتوفرة في الطبيعة أو التي نقوم بزراعتها في حديقة البيت وعرضها في قسم خاص في المحل.”

المشاريع التعاونية الصغيرة

نشأت العديد من المشاريع التعاونية الصغيرة من حاجة أفرادها إلى عمل تشاركي منظم يعتمد بالدرجة الأولى على خبرة الأشخاص في العمل وعلى ما يقدمه كل فرد منهم من إمكانيات، وإيجاد حلول مناسبة في إدارة الإنتاج وتسويقه لتلافي الصعوبات الناتجة عن الحرب من توقف التصدير والاستيراد وغياب الدعم الحكومي والمؤسساتي لأغلب القطاعات الإنتاجية، أغلب هذه المشاريع انطلقت من ما توفره البيئة المحلية من مقومات وعلى حاجة السوق أيضاً، وشملت هذه المشاريع المتوسطة الحجم كافة القطاعات سواء الزراعية أو الصناعية أو التجارية وساهمت بشكل كبير في بقاء حركة الأسواق مستمرة ولو بالحد الأدنى بالإضافة لتوفيرها فرص عمل ودخلا للكثير من الأسر.

(أحمد، منصور، ورائد) ثلاثة أصدقاء قاموا بإنشاء مشروعهم الصناعي الخاص بهم وهو عبارة عن كراج كبير يقدم خدمة متكاملة للسيارات على اختلاف أنواعها من عمليات الصيانة الميكانيكية والكهربائية والدهان وإصلاح الإطارات والتنجيد وغيرها. وعن ورشتهم الصغيرة يقول أحمد: ” بدأت الفكرة من حاجتنا لمكان للعمل بعدما عجزنا عن تأمين محلات في المنطقة الصناعية بسبب غلاء أسعار الإيجارات إضافة لكثرة المحلات المنافسة، فكان الحل بإقامة ورشة متكاملة بالشراكة مع أصدقائي في مدخل قريتنا بجانب الطريق الرئيسي على أرض يمتلكها أحد أصدقائي، في البداية كان المشروع بسيطاً وصغيراً ولكن سرعان ما توسع بسبب الإقبال الجيد والسمعة الطيبة والأسعار المخفضة، واليوم يضم المشروع 5 أقسام مختلفة ويعمل به ما يقارب العشرين عاملا.”

وفي تجربة مشابهة قام أولاد العمومة (بدر، سليم، قصي، وتمام) بإنشاء مزرعة لتربية الأبقار بالشراكة فيما بينهم فتقاسموا التكاليف ووزعوا الأدوار والمهام بحيث يشرف كل واحد على عمل محدد. يوضح (بدر 28 سنة) كيف يتم العمل بالمزرعة فيقول: “أقوم أنا وسليم برعاية الأبقار وتقديم الخدمات الأساسية لها من أكل وشرب وطبابة وتنظيف، بينما يتولى قصي وتمام العمل في الأرض وزراعتها لتأمين الأعلاف الضرورية  للمزرعة والاستغناء عن شراء الأعلاف من السوق”. ويضيف بدر: “مزرعتنا تعتمد على الإنتاج المتكامل بحيث نؤمن كل ما يلزمنا تقريبا باستثناء الطبابة فقط، لدينا أرض جيدة تؤمن لنا طعاماً للأبقار، وقمنا بحفر بئر صغيرة لتأمين الماء اللازم، عدا عن أننا حولنا روث الحيوانات إلى سماد طبيعي نستخدمه بفاعلية كبيرة في زيادة محاصيلنا وتحسين الإنتاج وأحيانا نقوم ببيع الفائض منه إلى الفلاحين، عدا عن أننا نعتمد في تسويق الإنتاج على محل أنشأناه خصيصاً لبيع الألبان والأجبان تشرف عليه وتديره زوجاتنا ويحقق لنا أرباحاً جيدة.”

ضعف الإمكانات الفردية ومحدوديتها من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار الأعمال والمشاريع التشاركية عدا أنها أكثر مرونة وأكثر قدرة على حل الإشكالات المتعلقة بتقلبات السوق والأسعار وفرص نجاحها واستمرارها أكبر بكثير من المشاريع الفردية الضعيفة التي لا تمتلك مقومات كافية.

ومن أكثر المشاريع التشاركية نجاحاً وانتشاراً ما يتعلق بورشات الخياطة والملابس، والتي كانت منتشرة ما قبل الحرب بشكل واسع في أغلب المدن إلا أنها اليوم أصبحت أكثر تخصصاً وأقل حجماً وتعتمد غالباً على مهارات نساء حولن منازلهن إلى ورشات صغيرة ساهمت بشكل كبير في تأمين فرص عمل جيدة للكثيرات منهن، (سوسن 45 سنة) تعمل خياطة منذ أكثر من عشرين عاماً تنقلت خلالها بين أكثر من مصنع وورشة عندما كانت تسكن في دمشق، لكن ظروف الحرب دفعتها لمغادرة العاصمة والاستقرار في قريتها بريف السويداء، حيث لم تجد عملاً لها إلا في محل لبيع الملابس وبراتب ضئيل، فقررت العمل على إنشاء ورشة خياطة صغيرة في منزلها بالشراكة مع بعض صديقاتها وأقاربها، وبعد فترة وجيزة تحول منزلها لورشة عمل فيها 7 نساء يعملن قرابة 8 ساعات يوميا. تقول سوسن شارحة حال ورشتها: “لم يكن لدي مال كافي لإنشاء مشروعي وحدي، كل ما أملك هو ماكينة الخياطة الخاصة بي، وكذلك الأمر بالنسبة لبعض صديقاتي فقررنا أن نجمع ماكيناتنا الخاصة في منزلي ونعمل سوية، حصلت بعدها على قرض صغير من أحد البنوك الخاصة وكان كافيا لأشتري المستلزمات الأولية من خيوط وبعض العدة والأقمشة، وبدأنا العمل كل واحدة منا كان لديها مهارة مميزة في الخياطة واستطعنا أن ننشئ عملاً متكاملاً يجمع بين الأزياء الشعبية التي تطلبها بعض نساء القرية وتلبية طلبات بعض المحلات العصرية في المدينة من فساتين وغيرها وبأسعار تعتبر رخيصة ومناسبة للجميع، واليوم بعد مرور 4 أعوام يعتبر المشروع انجازا مهماً لنا ويؤمن دخلاً جيداً لـ7 عائلات.”

حلول لا تسمن لكنها تقي من الجوع

بالرغم من كل المؤشرات السلبية اليوم في بلد يعاني من توقف إنتاجه ومن انهيارات سريعة في العملة والاقتصاد، تبقى هذه المشاريع الصغيرة حلاً وإن كان مؤقتاً وبسيطاً لكنه يعين على تحمل قسوة الظروف الحالية، هو اقتصاد بديل ليس إلا، يتأرجح بين الممكن والمتاح قد لا يسمن حقا لكنه يقي من بعض جوع.