“أصبح صوت بكاء أطفالي من الجوع، أعلى من صوت حبي لمهنة التعليم”. بهذه الكلمات عبر معلم في ادلب شمال غربي سوريا، عن معاناته وقسوة الظروف التي أجبرته على ترك مهنته الأساسية، بعد اضطراره للعمل بشكل تطوعي لأكثر من عام، ما تسبب بتراكم الديون والالتزامات على عاتقه. ويقول لـ “صالون سوريا” في ادلب: “وجدت عملاً كبائع في متجر لبيع المواد الغذائية، مقابل راتب شهري يؤمن مصاريف معيشتي اليومية مع أولادي الخمسة ووالدتي المريضة بالضغط والسكري.”
سليم الاسماعيل (35 عاماً) من مدينة إدلب، لم يكن ينوي التخلي عن مهنة التدريس، بعد أن أمضى أكثر من 10 سنوات فيها، لكنه اضطر لتركها بسبب انقطاع راتبه جراء قلة الدعم المقدم لقطاع التعليم. يقول: “لم تعد مهنة التدريس تعود علي بأي مقابل مادي، وإن كانت “الأحب” إلى قلبي، ولكنني معيل لأسرة كبيرة، وعلي أن أتوجه لعمل يوفر لقمة عيشهم .”
والاسماعيل واحد من مئات المعلمين في إدلب وريفها تأثروا بوقف دعم المؤسسات التعليمية في إدلب، وما ترتب على ذلك من انقطاع رواتبهم، ما دفعهم للابتعاد عن التعليم، والبحث عن فرص أخرى للعمل حتى وإن لم تكن ضمن اختصاصهم، بسبب عدم القدرة على تحمل أعباء المعيشة، بينما فضل آخرون العمل الإضافي، لتحسين أوضاعهم في ظل الفقر والنزوح والغلاء.
مدرسة التاريخ نورة السماحي (33 عاماً) تركت مهنة التعليم بشكل نهائي، والتحقت بوظيفة في إحدى المنظمات الإغاثية العاملة في إدلب، وتقول: “تركت المهنة بسبب الظلم والإجحاف وتباين الأجور من مدرسة لأخرى، فبعض المدارس الخاصة أو المدعومة من قبل المنظمات تمنح لمدرسيها راتباً يصل لأكثر من 250 دولار أميركي، فيما لا يتقاضى الكثير من المدرسين أي مقابل مادي مقابل عملهم .”
وتشير الى انه وقعت على عاتقها مسؤوليات كبيرة فرضها النزوح وإصابة زوجها وقعوده عن العمل، اذ ” تعرض زوجي لحادث سير منذ ستة أشهر، وبات عاجزاً عن العمل جراء إصابته بكسور في ظهره، فأصبحت مسؤولة عن تأمين احتياجات أولادي الثلاثة، إلى جانب دفع إيجار المنزل بعد نزوحنا من مدينة سراقب إلى مدينة أطمة الحدودية مع تركيا .”

مهن شاقة
استبدل المعلم عبد الكريم الخضر (29 عاماً) النازح من مدينة معرة النعمان إلى بلدة حربنوش بريف إدلب الشمالي، الأقلام والكتب والوسائل التعليمية بالمجرفة والمعول والعربة، وتوجه لمهنة البناء لتأمين مصاريف أسرته. ويوضح: “حين أصبحت أدخل الصف وأنا أفكر برغيف الخبز وآجار المنزل تركت المهنة والتحقت بمهنة البناء”. ويؤكد أنه لم يكن يتصور أن يلجأ لهذا العمل الشاق في يوم من الأيام، ولكن انقطاع الرواتب وشح الدعم عن قطاع التعليم أجبره على ذلك .”
ويضيف الخضر أنه معيل لزوجته وولديه، ووضعه المادي المتردي لا يحتمل الانتظار في العمل التطوعي لفترة طويلة، حيث بدأت الديون والفواتير تتراكم عليه، الأمر الذي دفعه للعمل في البناء لتغطية مصاريفه ونفقاته، لكنه وجد صعوبة كبيرة في التأقلم مع مشقة المهنة. ويشير الخضر الى انه يجني من عمله 50 ليرة تركية يومياً (ما يعادل نحو 150 دولاراً شهرياً)، بالكاد تكفي لتأمين المستلزمات الأكثر ضرورة لأسرته، ولكنها تبقى أفضل من لاشيء، وانتظار راتب قد لا يأتي .

مهنة إضافية
من جهته، لم يتخل المعلم سامر الكنش (31 عاماً) عن شغفه في مزاولة مهنة التعليم رغم توجهه لمهنة أخرى إضافية لتحسين وضعه الاقتصادي، وهو يفضل “مهنة التعليم على باقي المهن، لذلك أحافظ عليها إلى جانب مزاولة مهنة تصليح الدراجات النارية بعد الانتهاء من دوام المدرسة”.
ونزح الكنش من ريف معرة النعمان الشرقي نهاية عام 2019 إلى مخيم في بلدة كللي بريف إدلب الشمالي، وأحزنه حال أطفال المخيم الذين خسروا فرصهم بالتعلم لعدم وجود مدرسة ضمن المخيم، وبعد المدارس الأخرى في ظل عدم توافر وسائل نقل، الأمر الذي دفعه لإنشاء خيمة تعليمية والبدء بتعليم الأطفال وتعويض ما فاتهم، وضمان عدم نسيان ما تعلموه سابقاً .
يؤكد الكنش أنه لم يحصل حتى اليوم على أي راتب شهري، سوى حصوله على مبلغ 100 دولار أميركي إلى جانب سلة غذائية من إحدى المنظمات الإنسانية العاملة في إدلب، الأمر الذي أدى لسوء أحواله المعيشية بشكل كبير في ظل النزوح والغلاء، ففكر بالعمل مع أخيه في ورشة لتصليح الدراجات النارية، لتحصيل مصروف أسرته، دون أن يتخلى عن تعليم الأطفال.
أمام هذا الواقع أطلقت مديرية التربية والتعليم في محافظة إدلب في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) حملة بعنوان “ادعموا تعليم إدلب” لأن من حق المعلمين تقدير خبراتهم وتحسين أوضاعهم المادية وتوفير دخل منتظم .
وتجدر الإشارة أن عدد المدرّسين في المنطقة بحسب “مديرية التربية والتعليم” في محافظة إدلب 20 ألفاً، بينهم 5707 مدرسين يعملون بشكل تطوعي، وبالنسبة لمديرية التربية في حماة، فلديها 18 مدرسة موزعة في مناطق شمالي إدلب، ويعمل فيها 159 معلمًا ومعلمة، بينهم 25 يتقاضون راتباً و124 متطوعاً منذ بداية العام الدراسي الحالي.
ودفع الغلاء والنزوح الكثير من المعلمين المتطوعين للتخلي عن المهنة والتوجه لمهن أخرى تساعدهم على كسب العيش، ما يؤثر سلباً على العملية التعليمية في إدلب، ومستقبل أجيال بات على حافة الضياع.