بعد عام 1978 دخل سعد الله ونّوس في صمته الطوعيّ الذي استمر عشر سنوات. عزلة الصمت والصيام هذه كانت صيامًا عن الكتابة المسرحيّة فقط، إذ شهدت فترة العزلة تلك أغزر فترات حياته نشاطًا في المسرح، حيث ساهم في إنشاء مجلة الحياة المسرحيّة، وتأسيس المعهد العالي للفنون المسرحيّة والتدريس فيه، إضافة إلى تأسيس المسرح التجريبيّ الذي غيّر المسرح السوريّ تغييرًا كليًا، وكتب في المسرح وعنه، وفي الثقافة وعنها، كما لم يكتب من قبل. ولكنْ برغم هذا النشاط الهائل، واصلَ ونّوس (وكلّ مَنْ كتب عنه) الإشارة إلى السنوات 1978-1989 بكونها «فترة الصمت»، وكأنّ ونّوس يعني أنّ الكلام لديه مرتبط بالكتابة المسرحيّة الإبداعيّة حصرًا، وبأنّ كلّ ما عداها – على أهميته – ليس إلا إسهامات جانبيّة ترفد كتابته ولا تحل محلّها. اللافت أنّ ثمة فترة صمت أخرى أقصر تلت عودته الموجزة إلى الكتابة عام 1989 حين كتب مسرحيّة الاغتصاب، إذ استمرّت أربع سنوات تقريبًا حتى عام 1993 حين صدرت مسرحيّته يوم من زماننا، والمشاهد الأولى من منمنمات تاريخيّة. لم تحظ فترة الصمت الثانية باهتمام كسابقتها لأسباب عديدة، إذ شهدت هذه الفترة نشاطًا أوضح وحضورًا أكبر، حيث نال جائزة كبرى، وساهم في مشروع قضايا وشهادات مع عبد الرحمن منيف وفيصل درّاج (لعلّه أعظم مشروع ثقافيّ في سوريا التسعينيّات)، عدا عن إصابته الأولى بالسرطان التي برّرت – ولو جزئيًا – سبب صمته الموجز. ولكنّ تلك الأسباب ليست الأهم. لدينا سبب آخر يبرّر فترتَيْ الصمت كلتيهما: الخيبة.

كانت أواخر السبعينيّات وأوائل الثمانينيّات أشرس فترة في تاريخ سوريا الراهن (قبل انتفاضة 2011) حيث تضاعف القمع إلى درجات مرعبة، وترافقَ مع ظروف إقليميّة وعربيّة شتّت أنظار الناس عمّا يحدث: اتفاقيّة كامب ديڨد والحرب العراقيّة-الإيرانيّة، ومن ثمّ اجتياح بيروت. كانت تلك الظروف صاعقةً بدرجة كبيرة أعمتْ دارسي ونّوس عن الأسباب الشخصيّة للخيبة. هل كانت الظروف السياسيّة وحدها ما دفع ونّوس إلى محاولة انتحار عام 1979، تلتها فترة الصمت الطويلة؟ نعم ولا، فالسببان متضافران. لا يمكن لنا فهم أسباب فترة صمته الأولى الطويلة إلا حين نحاول فهم أسباب فترة صمته الثانية القصيرة: خيبة ونّوس من تلقّي أعماله. لو تأمّلنا فترة صمته الثانية سنجد أنّها بدأت بعد عرض مسرحيّته الاغتصاب، وبعد خيبته التي عبّر عنها مرارًا بسبب إساءة الفهم الفادحة التي دمّرت النص. كان ونّوس قد طوّر معظم أدواته الكتابيّة في فترة صمته الطويلة، وغيّر زاوية نظره للكتابة وللمسرح، حيث خفّف من الأيديولوجيا الصارخة التي كانت تغرق فيها أعماله الأولى، وحاول تبيان أفكاره الجديدة من خلال مسرحيّة الاغتصاب، ولكنّ الفهم الأيديولوجيّ المختزل للمسرح ولقضيّة فلسطين كان ما يزال راسخًا لدى الجميع ما أدّى إلى تسطيح المسرحيّة وقولبتها ضمن الأفكار الأيديولوجيّة الجامدة للجمهور، فصمت ونّوس من جديد قبل أن يبدأ مرحلته الختاميّة المذهلة كمًا وكيفًا في الكتابة، مرحلة شهدت تغييرًا جذريًا في كتابته وأفكاره ليقدّم سبع مسرحيّات عظيمة خلال خمس سنوات (1993-1997)، تكاد لا تشبه مسرحيّاته السابقة على الإطلاق: دفقات جماليّة بديعة، تشريح سيكولوجيّ قاسٍ ورهيفٍ في آن، تخفّف هائل من الحمولة الأيديولوجيّة. المفارقة هنا هي أنّ التلقّي الأيديولوجيّ الجامد الذي خيّب أمل ونّوس بعد الاغتصاب كان هو ذاته الذي كانت تنضح به أعماله الأولى. خيبة أمله من تلقيّ الاغتصاب مماثلة ومعاكسة في آن لخيبة أمله من تلقّي مسرحيّتَيْ الملك هو الملك (1977) ورحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة (1978). الهدوء الخانع في تلقّي مسرحيّتَيْ السبعينيّات يماثل التأدلج العاصف في تلقّي الاغتصاب. ونّوس السبعينيّات مرآة معاكسة لونّوس التسعينيّات: ونّوس الذي كان سيرقص فرحًا لو نجح التلقّي الصارخ لـ الملك هو الملك (في خروج مظاهرة مثلًا، كما كان يحلم دومًا) كاد يُجنّ بسبب تحقُّق هذا الصراخ في تلقّي الاغتصاب. الهدوء الذي خيّب أمله في نهاية السبعينيّات، كان هو ذاته الهدوء الذي كان يتمنّاه بعد عقدين. لا بدّ من التركيز على دراسة مسرحيّة الملك هو الملك على الأخص لنفهم عالم ونّوس كلّه: الملك هو الملك (ورحلة حنظلة التي يمكن لنا أن نراها جزءها الثاني أو المُكمِّل) هي النقطة الفاصلة في مسيرة ونّوس المسرحيّة. كانت نهاية مرحلة وبداية مرحلة مختلفة بل ومضادّة فعليًا.

الملك هو الملك ليست مسرحيّة مجهولة، بل لعلّها أشهر مسرحيّات ونّوس. حبكتها ليست مجهولة أيضًا، بل لعلّ رواج المسرحيّة أحد الأسباب الأهم في رواج حدوّتتها مع أنّها مأخوذة من قصة قديمة. ربما يعرف قراء كثيرون أنّ حبكتها مأخوذة من حكاية «النائم واليقظان» في ألف ليلة وليلة، ولكنّ عددًا أقل قرأ تلك الحكاية الأصليّة، وقلّة قليلة قرأت الحكاية نفسها في مدخل مسرحيّة شيكسپير ترويض السّليطة. القصة نفسها ولكنّ السياقات مختلفة. وكما هي الحال في الفن عمومًا، لا تهمّنا القصة بقدر ما تهمّنا معالجتها. ليس «ماذا» بل «كيف». ولذا سأتناول تلك السياقات الثلاثة المختلفة، وسأبيّن كيف نجح ونّوس بدرجة كبيرة في قلب التأويل السطحيّ للقصة، ليقدّم عملًا لا يشبه مصدره إلا بخطوطه العريضة.

اقتبس ونّوس حدّوتة مسرحيّته من ألف ليلة وليلة. أشهر طبعتين كاملتين لدينا من ألف ليلة وليلة هما طبعة بولاق وطبعة برسلاو، ولكنّهما ليستا متطابقتين إذ تختلفان باختلاف المخطوطات التي اعتمد عليها محقّقو الطبعتين. لم يعتمد ونّوس على أيٍّ من هاتين الطبعتين بل قرأ نسخة المطبعة الكاثوليكيّة التي حذفت المقاطع الجريئة وجمعت الحكايات من مصادر مختلفة. نجد حكاية «النائم واليقظان» في المجلّد الثاني من تلك الطبعة ولكن بعد «تهذيبها» من كلّ ما لا يتناغم مع المزاج المحافظ للكنيسة. لا نجد الحكاية في طبعة بولاق، ولكنّنا نجدها في طبعة برسلاو كاملة وبلغتها الأصليّة التي تمزج الفصيح بالمحكيّ. تبدأ الحكاية من نهاية الليلة الثانية والسبعين بعد المئتين وتنتهي بنهاية الليلة الثالثة والثمانين بعد المئتين، ولكن تحت عنوان مختلف: حكاية هارون الرشيد مع أبي الحسن الخليع. ولا نعرف من أين استمد شيكسپير تلك الحكاية، ولكن على الأرجح أنّه لم يقرأها بل سمعها كما تناقلتها الألسن لأنّ الحكاية دخلت ضمن التراث الفولكلوريّ لشعوب كثيرة: يشعر أحد النّبلاء أو الملوك بسأم فيقرّر اللعب حين يخدع شخصًا مغفّلًا سكرانًا بحيث يقتنع المغفّل أنّه بات الملك، وتنتهي اللعبة بعد يوم واحد حين يعود منطق السُّلطة المعتاد فيعود الملك ملكًا والمغفّل مغفًلًا. اختلاف حكاية ألف ليلة وليلة في أنّها سمحت للخليفة بخداع أبي الحسن مرّتين، وبذا زاد حبور الخليفة وتعالت قهقهاته وقهقهات القرّاء. الحكاية مضحكة حقًا، وتستحق قراءات عديدة، على الأخص بسبب لغتها المميّزة التي تمزج الفصيح بالمحكيّ والتي انتقلت إلى لغة السير الشعبيّة ولم تنتقل إلى «الأدب الجاد» فخسر الأدب العربيّ فرصة ثمينة لتطوير اللغة الأدبيّة. ولكن هذا خارج نطاق المقالة على أيّة حال.

لا يتعامل شيكسپير مع الحكاية بوصفها جزءًا جوهريًا من مسرحيّته، إذ يمكن لنا حذف المدخل من دون أن تتأثّر المسرحيّة. ولذا كان هذا المدخل مثار سجالات نقديّة طويلة تناولت سبب وجوده في هذه المسرحيّة دون غيرها، إذ يمكن إدخالها إلى مسرحيّات عديدة. يلتقي اللورد بكرستوفر سلاي وقد نام من فرط السَّكَر فتخطر له لعبة مسليّة: احملوا هذا السكّير إلى بيتي ليقتنع أنّه بات لوردًا. الاختلاف عند شيكسپير هو تصادف اللعبة مع دخول فرقة مسرحيّة تريد الترويح عن اللورد فيأمرها اللورد بعرض مسرحيّتهم أمام اللورد الجديد المغفّل. هذه المسرحيّة هي مسرحيّة ترويض السليطة نفسها. أي يبدأ شيكسپير هنا لعبته الأثيرة في إدخال المسرحيّة ضمن المسرحيّة، ولكن ما إنْ يبدأ تمثيل المسرحيّة حتّى ينتهي دور سلاي تمامًا، ويختفي من الأحداث. اختفاء سلاي من مسرحيّة شيكسپير يقوّي ثنائيّة الوهم/الحقيقة التي تقوم عليها مسرحيّة ترويض السليطة. يعيش أبو الحسن تجربة سلاي مضاعفةً: ينام ويستيقظ فيجد نفسه خليفة، ثم ينام ويستيقظ ليجد نفسه وقد عاد أبا الحسن، يُجنّ ويُضرَب لأنّه ظنّ أنّه الخليفة حقًا، ثم يعقل، فيستثمر الخليفة فرصة ذلك التعقّل الهش ليُدخله في التجربة مرةً ثانية. ينام أبو الحسن ويستيقظ فيجد نفسه خليفة مرة أخرى إلى أن يأتي الخليفة ويُبدّد الوهم وتسود «الحقيقة» من جديد.

لم يكتف ونّوس بهذه الحكاية بل جعل أبا عزّة يدخل في وهم أنّه الملك قبل أن تبدأ تجربته تلك. ربما كانت تلك إضافة ونّوسية أصيلة أو ربما قرأها في حكاية مختلفة من ألف ليلة وليلة، نجدها في طبعة برسلاو من نهاية الليلة الثالثة والأربعين بعد الخمسمئة إلى نهاية الليلة الرابعة والخمسين بعد الخمسمئة تُصوّر شخصًا يزعم أنّه الخليفة. محمد علي بن محمد الجوهريّ في حكاية «الخليفة الكاذب» لا يطمح لأن يصير الخليفة بل خلق عالمًا موازيًا يكون فيه هو الخليفة حقًا بقصوره وخدمه وجواريه. أما أبو عزة فيعيش في وهم ضمن الواقع: يتمثّل دور الملك في واقعٍ فيه ملكه الفعليّ. إضافات ونّوس إلى مسرحيّته ضاعفت الألعاب وجعلتنا نعيش في متاهة معقّدة يلعب فيها الجميع: لعبة الملك، لعبة عرقوب، لعبة الوزير، لعبة زاهد وعبيد. حوّل ونّوس حكاية بسيطة تقوم على لعبة مضحكة إلى عالمٍ مرعب شرّح فيه آليّات السُّلطة وأقنعتها وجوهرها. إنْ كانت حكاية سلاي قد بُترت قبل تطوّرها فهذا لا يعني بحال من الأحوال استحالة توقع مسارها، بل إنّ اختفاءه في ذاته هو النتيجة المتوقّعة: سيستمر وهم سلاي باستمرار غرقه في عالمه الكحوليّ بعيدًا من واقع الملوك والعامة على السواء. ما من فارق كبير إنْ صار سلاي لوردًا أم عاد إلى مهنته سمكريًا، وحتّى مهنته تلك عابرة لأنّه تقلّب في مهن عديدة وكأنّه يعيش في وهمٍ دائم لا واقع فيه. تغيّر ظاهريّ فيما الجوهر ذاته: كائن هش يعيش في دنيا هشّة مختلَقة رجراجة لا تعرف الثّبات ولا تكترث له. حين يصبح لوردًا فستكون محض حلقة من حلقات تقلّباته الوهميّة/الواقعيّة الكثيرة التي لن تنتهي إلا بموته. صحيح أنّه يتماشى مع اللعبة الجديدة حين ينتقل إلى التحدّث شعرًا كالنبلاء لا نثرًا كالعوام، ولكنّ تماشيه متّسم بتردّد خفيّ وكأنّ لاوعيه يرفض هذا التغيّر الجديد الذي لا يلائمه. حتّى في غمرة اقتناعه الظاهريّ بأنّه صار لوردًا لا يتخلّى سلاي عن البيرة ولا ينتقل إلى النبيذ، بل لا يجرؤ على طلب كوب كبير بل يطلب أصغر كوب ممكن لأنّه ما زال (وسيبقى) في تذبذب تام بين الوهم والواقع. سلاي هو سلاي ولن يصبح لوردًا. هذا ما يعرفه هو قبل غيره.

أبو الحسن حالة مختلفة لأنّ درجة تصديقه كانت أكبر ولكنّها لم تصل إلى مرحلة التماهي المطلق برغم هذا. لا ينبغي نسيان أن أبا الحسن كان يعيش أحلامه/أوهامه الموقّتة قبل أن يلقى الخليفة وتبدأ اللعبة. كان همّه وقتيًا زائلًا يبدأ ببداية الليل وينتهي بنهايته، يبدأ بسهرة وطرب مع أيّ شخص عابر وينتهي قبيل الفجر حيث يودّع ضيفه العابر محافظًا على قاعدة ألا يسهر مع الشخص نفسه مرتين. الثبات محض وهم بالنسبة إلى أبي الحسن، فأيّ ثبات مهما طال لن يدوم أكثر من ليلة واحدة يتبدّد بعدها الثّبات كما تتبدّد المنامات مع شمس النهار. ولذا وجدنا حيرته أقل حين تحوّل إلى خليفة: السهر والطرب بقيا على حالهما وما من اختلاف إلا في المكان والظروف. ولكنْ لا بدّ للعبة من تماهٍ ولو موجز، ولذا بات أبو الحسن يتمنّى أن تطول الليلة كي يؤخّر تبدُّد المنام الواقعيّ، إلى أن كاد يصدّق اللعبة حقًا فنام واستيقظ ظانًا أنّه الخليفة. ولكنّ شمس النّهار ستبدّد وهمه تبديدًا أقسى الآن لأنّه كاد يتماهى مع دوره في اللعبة. لا نرى نهار أبي الحسن إلا بعد تلك الليلة الوهميّة، إذ كانت سيرته ليليّة فقط. كان ليله هو الواقع فيما النّهار، النّهارات كلّها، مرحلة عابرة. أما الآن مزّق النّهار الأقنعة وكاد أبو الحسن يُجنّ لأنّ خيوط السُّلطة الجديدة أفلتت من يديه، ولم يعد – في الوقت ذاته – قادرًا على الإمساك بخيوط سلطة الليلة الواحدة التي كان ينتهجها دومًا. ولكن حين تكرّرت اللعبة وصار خليفةً مرة ثانية، لم يعد يكترث للمكان أو السياق، أو الوهم أو الواقع بل غرق في رقص جنونيّ ليعيش بهجة لحظته إلى أقصاها من دون أدنى تفكير أو تحليل ما إذا كان هذه المرة يعيش وهمًا أم واقعًا، ولم تتغيّر ردة فعله حين علم أنّه أسير لعبة مكرّرة. لا فارق إنْ كان خليفة أم لا، إذ عاود الإمساك بخيوط سلطته القديمة التي تبدأ وتنتهي في ليلة واحدة.

أبو الحسن وسلاي لم يكسرا شروط اللعبة الصارمة التي تقوم على الأقنعة من دون أدنى خلخلة لجوهر السُّلطة. عاش كلاهما حياته «الطبيعيّة» حتى حين كادا يتماهيان مع العرش. واصل سلاي شربه، وواصل أبو الحسن بهجته، ولم يستغلّا سلطتهما الجديدة إلا في موقف طفيف: أراد سلاي أن يضاجع «زوجته» الجديدة، فيما قرّر أبو الحسن تنفيذ انتقامه الشخصيّ من جيرانه الشّيوخ الذين كانوا ينكّدون عليه سهراته اليوميّة. تلخّصت السُّلطة والعرش في استغلالين باهتين بقيا ضمن شروط اللعبة. ولكنّ ونّوس لا يكتفي بشروط الأقنعة أو حتّى بتمزيقها، بل جعل أبا عزّة يخلخل شروط اللعبة كلّها، ويعبث بجوهر السُّلطة نفسه. وصل التّماهي إلى درجته القصوى في الملك هو الملك، ولم نعد أمام لعبة عابرة كما هي حال ألف ليلة وليلة وترويض السليطة. كلُّ من اشترك في اللعبتين كان يدرك أنّه يمثّل دورًا في لعبة تُخفّف سأم الملك، ولم يحدث أدنى تمرّد، لأنّ الأقنعة ستُرمى في نهاية المطاف ويعود كلُّ جوهرٍ إلى جوهره. ولكنّ ونّوس أوصل عبثيّة اللعبة إلى حدود مرعبة. حوَّل ونّوس الحكاية المضحكة إلى قصة رعب حين شرّح مفهوم السُّلطة في ذاته. ليس الملك شخصًا بل هو منظومة كاملة لا يؤثّر فيها استبدال ملك بملك. شعار «مات الملك، عاش الملك!» لا يعني نهايةً أو بدايةً، بل هو استمرار لعمل السُّلطة بلا أدنى تغيير. حاشية الملك لم تُنكر أبا عزّة حين صار ملكًا، ولم تتعرّف إلى ملكها القديم حين بدأ لعبته. أمّا أركان السُّلطة فلم يكترثوا ما إذا كان هذا الملك هو ملكهم القديم أم لا طالما أنّ مسار الحُكم لم ينقطع، وأنّ أدوارهم لم تتخلخل. الملك هو العرش والرداء والتاج، والملك يبقى ملكًا طالما أنّه لا يتخلّى عن رموز سُلطته. حتّى حين يصبح الملك عاريًا ستستمر عجلة السُّلطة بالدوران برغم صوت هنا وتعجّب هناك. ربما كان عاريًا حقًا وضحكنا مع عبارة الطفل الذكيّ، ولكنّ الملك عاد ملكًا في اليوم التالي ولم يتغيّر أدنى تفصيل. أما هنا فلم يخلع الملك ثيابه بل خلع سُلطته كلّها من أجل لعبة لأنّه ظنَّ واهمًا أنّ السُّلطة هي الملك، بينما هي فعليًا نظام كامل لا بدّ للملك من أن يلعب دوره فيه بدقّة وإلا استُبدل ببساطة.

لم يعمد أبو عزّة إلى استغلال طفيفٍ لسُلطته العابرة كما فعل أبو الحسن وسلاي، بل أصبح هو الملك حقًا. بدأت حياة الملك الجديد بلحظة تتويجه، وأما كل ما سبقها فحياة شخص آخر تصادفَ أنّ اسمه هو اسم الملك. ارتدى أبو الحسن اسمه ووضعه الجديد حين ارتدى تاج الملك وأمسك بصولجانه. يشير ونّوس ببراعة إلى هذا التحوّل حين غيّر أسماء المتحدّثين مع تغيُّر هويّاتهم: تحوّل اسم «أبو عزة» إلى «الملك» بعد أن أمسك صولجانه، فيما بقي اسم «عرقوب» على حاله لأنّ تماهيه مع الوزير لم يكن تماهيًا تامًا؛ وكذلك حين تنكّر الملك والوزير باسمّيْ «مصطفى» و«محمود» بقي الاسمان على حالهما إلى أن تمكّن محمود من استعادة منصبه وزيرًا، فيما بقي مصطفى الذي كان ملكًا محتفظًا باسمه وهويّته الجديدة. أعظم مشهدين في المسرحيّة هما حوار الملك أبي عزّة مع «وزيره» عرقوب، وحواره مع أم عزة وعزّة. لا يثق الملك الجديد بعرقوب حتّى حين ظنَّ عرقوب أنّ التحوّل يشملهما معًا. عرقوب ابن ذلك الواقع الذي ولّى ويظنّ أنّ ما يعيشه الآن محض وهم عابر، على عكس الملك الذي نسف الماضي كلّه بواقعه وأوهامه وولد من جديد في واقع أوحد يكون فيه هو الملك، أما عرقوب فليس أكثر من آثار جانبيّة لزمن الماضي الذي لا بدّ من انتهائه. يحاول عرقوب تذكير الملك الجديد بمزاعمه القديمة التي كان يصرّح فيها بوجوب الانتقام من شهبندر التجّار والشيخ، ولكنّ خصوم الأمس ذهبوا مع أمس، كما سيذهب عرقوب لأنّه لا يصلح لدوره الجديد. وحين تدخل أم عزة وعزة على الملك الجديد، تشكّ عزة في أنّ هذا الملك يشبه أباها، ولكنّ الملك يُنهي ماضيه تمامًا في لحظتين: يأمر لهما براتب سنويّ، ويأمر مباشرةً بمعاقبة زوجها الذي اختفى وبتجريسه بحيث يُقفل الملك الجديد بذلك باب الماضي كلّه بلا تردّد.

لم تُلاقِ مسرحيّة الملك هو الملك تجاوبًا يرضي ونّوس، إذ ظنَّ الجمهور أنّ المقصود بالمسرحيّة هو ذاته الذي كان مقصودًا في الحكاية القديمة ذاتها: أقنعة تُخلَع وتُرتدى. ولذا بادر ونّوس إلى إضافة تعقيبٍ نظريّ يشرح المسرحيّة كلّها. التعقيب مهم جدًا لا لفهم المسرحيّة فقط، بل لفهم عالم ونّوس كلّه ولفهم فهمه الخاص للسُّلطة. تبقى لهذا التعقيب أهميته البالغة اليوم أكثر حتّى من المسرحيّة التي لا يمكن أن نراها من أفضل أعماله لو طبّقنا قراءة نقديّة صارمة. تعج المسرحيّة في نصفها الثاني بتخبّطات كثيرة تُربك القارئ والمتفرّج، عدا عن غرقها في أمثولة مباشرة بدت فيها أقرب إلى البيان المسرحيّ لا إلى مسرحيّة بكامل فنيّاتها الجماليّة. خفَّ بريق المسرحيّة الآن ولكنّ التعقيب النظريّ بقي على أهميّته بلا تغيير، لأنّ فهمنا لمسألة السُّلطة ما يزال قاصرًا كما كان عليه الفهم السائد في السبعينيّات. يشير ونّوس إلى أنّ «تغيُّر الملك مع استمرار النّظام هو حدث عابر أو «انقلاب عسكريّ» ثانويّ الأهميّة. … إنّ حتميّة واحدة هي التي تتكلم وهي التي تتصرف. وهذه الحتميّة هي الهويّة الملموسة. أما الملك والملك، الأول والثاني، والثاني والأول، فيمكن باستمرار، ومكررين اللعبة مرة ومرة، أن نغيّر أحدهما بالآخر وتبقى الحتميّة واحدة لا تتغيّر. هنا ليس الجذريّ إبدال هويّة بهويّة، وما من إبدال حقيقيّ، بل إبراز تلك الاستمراريّة الطاحنة التي هي وحدها حقيقيّة وملموسة». لهذا التعقيب أهميته اليوم بعد «الربيع» كما كانت عليه أهميته قبله؛ بل لنا أن نستغرب موافقة الرقابة على عرض تلك المسرحيّة التي لا أظنّ أنّها ستلقى فرصة مماثلة اليوم. لعلّ جماليّات المسرحيّة لا تشفع لها كثيرًا ولكنّ لعلّ المسرحيّة لا تكتمل إلا في عرضها. فالقراءة ليست السبيل الأوحد لتبيان أهمية الدراما. وأخيرًا، تلفتنا نقطة مهمّة في الحكايات الثلاث وهي أنّ أبطالها «المغفّلين» لهم أسماؤهم الواضحة: أبو الحسن، كرستوفر سلاي، أبو عزة؛ أما أهل السُّلطة فأسماؤهم هي عروشهم: الخليفة (تشير ألف ليلة وليلة إلى هارون الرشيد في أغلب حكاياتها، ولكن لا يعني هذا بحال من الأحوال أنّ الرشيد يختلف عن غيره من الخلفاء من هذه الناحية)، واللورد، والملك. ليس للملوك أسماء، إذ يعلّمنا سعد الله ونّوس أنّ الملك هو الملك، أيًا يكن اسمه.

*تنشر هذه المادة بالتعاون مع جدلية.