*ينشر هذا المقال ضمن الطاولة المستديرة ما الذي تبقى من اليسار السوري؟

 تشكلت التيارات والأحزاب السياسية في سوريا في سياق النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وقادت النضال والعملية السياسية قوى تمثل البرجوازية والتجار وأصحاب الأملاك. أول الأحزاب الأيديولوجية  التي تشكلت، كان الحزب الشيوعي السوري في عام 1924، والحزب القومي السوري في1932، والإخوان المسلمين في 1932 وحزب البعث في 1940 والحزب الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني في 1940. اندمج الأخير مع حزب البعث وشكلا حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1952. لم يبرز دور الأحزاب الأيديولوجية إلا بعد الاستقلال، مع اتساع الفئات الوسطى، ممثلة بالجيش والمعلمين والمحامين والمثقفين وقادة الحركة الطلابية والنقابات وغيرهم، من خلال الاستفادة من الحريات المكتسبة حينها.

في الخمسينات كان الحزب الشيوعي السوري يمثل اليسار، ويحظى بشعبية حقيقية خاصة بين الأقليات والأكراد. تعاون مع الوطنيين في النضال ضد الاستعمار وربط بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الإقطاع والبرجوازية، وقاده الجمود العقائدي إلى الاعتقاد أن الطبقة العاملة قادرة ومستعدة لإسقاط البرجوازية، واعتبر القضية القومية من قضايا البرجوازية وتقود إلى التعصب. وتشكلت منذ 1948 رابطة النساء السوريات واتحاد الشباب الديمقراطي، وهي منظمات رديفة للحزب مستقلة تنظيمياً عنه، وهي جزء من فروع اتحادات دولية.

 بدأت الانقلابات العسكرية المتتالية، منذ عام 1949 وتحولت سوريا مسرحاً للصراع بين العسكر والحكم المدني، حيث كانت القوى التقليدية ممثلة بحزب الشعب والكتلة الوطنية تُعارض دخول العسكر في السياسة، بينما وجدت أحزاب البرجوازية الصغيرة ضالتها في الجيش بسبب عجزها عن الحصول على النفوذ الجماهيري، خاصة بين الفلاحين، وفي مرحلة الخمسينات ساد مناخ شعبوي وسيطر المد القومي وبدت المسألة الديمقراطية بوصفها إطاراً للمسألة القومية، حتى أن خالد بكداش غير موقفه من المسألة القومية في عام 1957.

تُوج المد القومي بموافقة الحكومة والقوى السياسية الممثلة بالبرلمان على الوحدة مع مصر في عام 1958، غير أن حل الأحزاب السياسية وقمع الحريات، والتدهور الاقتصادي قادوا إلى الانفصال، وتركوا وراءهم نفوذ الاشتراكية الناصرية في الجيش والسياسة. وقد كان حزب البعث من المدافعين عن الحياة البرلمانية لكن جاء انقلاب الجيش بغطاء سياسي من حزب البعث، تحت مسمى ثورة ضد الرجعية؛ فتم  حل البرلمان وأممت الصناعة وأعلنت الأحكام العرفية وأصبحت القيادة بيد مجلس اسمه مجلس قيادة الثورة يتم تعيينه. وبعد انقلاب 1963 حصلت صراعات وتصفيات بين الأجنحة العسكرية مختلفة الولاءات السياسية وبين الجناح العسكري والسياسي في حزب البعث والتي انتهت بانقلاب 1970 مما منح القوة للعسكر على حساب السياسيين، ويمين حزب البعث على حساب يساره، وتحول السياسيون إلى واجهة للعسكر لا أكثر.

دخلت البلاد في مرحلة جديدة واستطاع النظام من خلال تشكيله الجبهة الوطنية التقدمية، الهيمنة وإلحاق الأحزاب السياسية المكونة لها بسياسته. ومع تشكيل هذه الجبهة انشطرت الأحزاب المكونة لها إلى قسمين قسم مؤيد وآخر معارض. وتشكل اليسار المعارض من الرافضين للدخول في جبهة النظام، إضافة الى الانشقاقات المتلاحقة  في صفوف الحزب الشيوعي. وأدى عدم شرعية وجود أحزاب خارج الجبهة، إلى جعل أي انشقاق في صفوف القوى الرسمية، يُوصف كمعارضة.

تميزت هذه المرحلة بأزمة اليسار السوري على أكثر من مستوى؛ فعلى الصعيد التنظيمي أشارت طبيعة الانشقاقات من القمة إلى القاعدة إلى غياب الديمقراطية في الحياة التنظيمية لهذه القوى. وعلى صعيد برامج وشعارات وأهداف المعارضة اليسارية فقد تقاطعت مع جبهة النظام في قضايا رئيسية كمناهضة الإمبريالية وتحرير الأراضي المحتلة والاشتراكية، وهذا أدى إلى أن القاعدة الجماهيرية التي   سعت المعارضة اليسارية لاكتساب دعمها، كانت نفس القاعدة التي يعتمد عليها النظام.

دفعت عدة أسباب كـ(التطورات الداخلية، وتزايد أعداد المغادرين صفوف أحزاب اليسار بسبب أزمته  السياسية والنظرية والتنظيمية، والتطورات التي طرأت على الحركة الشيوعية العالمية) باتجاه تشكيل الحلقات الماركسية على أساس من السجال السياسي والنظري بين أعضائها. هذه السمة ميزت مرحلة الحلقات الماركسية ورابطة العمل الشيوعي، وضعفت مع تشكيل الحزب في عام 1981 بسبب الاعتقالات المستمرة أو انسحاب  كوادر التنظيم، الذي تشكلت قواعده الأساسية من الشباب، خاصة الطلاب وأغلبهم يفتقر الى تجربة سياسية، ويتميزون بالحماس والاستعداد النضالي العالي. وفي حقيقة الأمر لم يخرج الحزب في فهمه الديمقراطي عن الأصولية الماركسية، ودعا لتشكيل الجبهة الشعبية التي تضم القوى المعبرة عن الطبقات الشعبية من أجل الوصول إلى السلطة.

في عام 1979 شهدت الساحة السورية تطورات هامة فتحت آفاقاً جديدة، قوامها مواقف وسجال وحراك سياسي، على خلفية الصراع بين السلطة والإخوان المسلمين  نذكر منها تشكيل التجمع الوطني الديمقراطي من الأحزاب المنشقة عن جبهة النظام. ونشير إلى الإضراب العام الذي عم معظم المدن السورية عدا دمشق خلال النصف الثاني من شباط والنصف الأول من آذار عام 1980. هدف التجمع الوطني الديمقراطي حينها إلى تطوير الإضراب حتى يصل إلى عصيان مدني عام، يتم من خلاله فرض التحول الديمقراطي. غير أن الإخوان المسلمين استطاعوا تحويله الى حركة وتمرد وأحداث شغب، وانتهى الإضراب بزج كبار المحامين والقضاة والنقابيين في السجن، وعلى إثره كانت آخر مظاهر الاستقلالية للحركة النقابية في سوريا قبل تحويلها الى أبواق للسلطة.

وبدأ العنف المتبادل بين السلطة والإخوان. وبعد القضاء على الإخوان قامت السلطة بملاحقة الأحزاب اليسارية بهدف تجميدها، أو تصفيتها.

توجهت المعارضة اليسارية مجبرة بسبب القمع السافر إلى العمل السري، الذي شكل طوقاً خانقاً حجمّ من دورها، وفرض قيداً شديداً على التنظيمات السياسية وحدّد آليات عملها قسرياً، على حساب المبادئ التي يدعو التنظيم إليها، سواء في حياته التنظيمية الداخلية، أم في علاقته بالآخرين، حيث تتقدم العلاقات الشخصية المبنية على الثقة على حساب العلاقات التنظيمية، ويسيطر هاجس الرقابة الأمنية، والمخاوف المستمرة من الخروق الأمنية، التي يلعب النظام على وترها.

وانعكس تأثير النزيف المستمر للكوادر والقيادات نتيجة الاعتقالات على صعوبة تجديد البنى التنظيمية وصعوبة عقد الاجتماعات والمؤتمرات. وفي ظروف الملاحقة أو حملات الاعتقالات، تحولت العلاقات التنظيمية إلى علاقات خيطية، لنقل آخر الأخبار. وفي حال الملاحقة أو التعرض للمراقبة، كان أمام الأعضاء خيارين إما التخفي أو تجميد العضوية.

وهذا أدى إلى اقتصار النشاط السياسي في ظروف العمل السري على دائرة ضيقة من العلاقات الوثيقة مع أشخاص مقربين، لذا فقد اتخذ النشاط طابعاً عائلياً يعزز العلاقات الشخصية، وأثر هذا التغيير على بنية الأحزاب وأدائها السياسي. فتح العمل السري المجال للتشكيك، وإلقاء التهم والتخوين لأتفه الأسباب، مما وتّر العلاقات بين هذه القوى وبين الأفراد في التنظيم الواحد.

  شكل السجن مكاناً ملائماً بين المعتقلين للحوار والتواصل، سواء بين أعضاء الحزب الواحد أو بين الأحزاب المختلفة. وعانى المعتقلون من غياب الدعم المعنوي نتيجة حالة الانحسار الجماهيري، ولم يطالب أحد بهم، سواء من الناس أو المنظمات أو الأحزاب. وكان الدعم المادي يقتصر على دعم الأهل، والكثير من الحالات فقدت دعم أهلها لأسباب مختلفة منها: عدم القدرة المادية أو لاعتراض الأسر على مواقف أبنائها السياسية. هذه الأسباب إضافة لظروف السجن القاسية، والاعتقال لمدة طويلة، وتراجع دور الأحزاب ونشاطها خارج السجن، دفعت مجموعات من المعتقلين، للتململ والمساومة مع النظام.

 وكان لانهيار الاتحاد السوفيتي دور مؤثر على صمود الكثير من المعتقلين اليساريين وعلى تحولهم الفكري من موقع لآخر. وبدأ النظام بإصدار أحكام قاسية بحق المعتقلين بعد سنين  ليبرر اعتقالهم، ومن سخرية القدر أن تتم محاكمتهم بتهمة  مناهضة النظام الاشتراكي .

 شكل عقد التسعينات، مرحلة مخاض صعبة لمرحلة ما بعد السجن، حيث بدأت الأحكام تنتهي، وعلى التوالي خرج المعتقلون من السجن بعد سنوات طويلة، وكانت واضحة المتاهة التي آلت اليها الأمور، حالة الفوضى في الأفكار والرؤى، ظاهرة الندم على سنين ذهبت سدى، والعمل بأقصى ما يمكن و بكل المتاح لتعويض ما فات من خسارات في العمل والدراسة والحياة الخاصة. لمس الكثير من الأشخاص عدم التقدير والاحترام لتجربتهم، وعانى الكثير من الضغط الاجتماعي والحصار الأمني بعد خروجهم من السجن من دون أن يتلقوا أي حماية، وكانت مرحلة أشبه بالكمون السياسي. كما برزت حالات من الشللية للثرثرة بعيداً عن السياسة والهم العام، وكان من الواضح التوجه والنكوص الى التكوينات الأولى الطائفية والعائلية، وانتشرت المهاترات والإساءات الشخصية، إضافة إلى التشكيك والإقصاء وغيره من العوامل الضاغطة.

 أما الموقف من المرأة فقد سيطر عليه عقل ذكوري، بإقصاء النساء قصداً عند بعض القوى اليسارية، بذريعة الخوف عليهن وحماية لهن من الاعتقال، ولتكون مهمتهن تربية الأطفال ودعم الزوج في حال اعتقاله. اختلف الوضع عند حزب العمل حيث شكلت النساء ثقلاً في عداده منذ الحلقات الماركسية، وزادت في فترة تشكيل الحزب. وكان لتوجه الحزب للشباب وخاصة الطلاب دور في اكتساب النساء كما أنه تميز بخطاب ثوري ضد العادات والتقاليد والدفاع عن المساواة بين المرأة والرجل، وكنا نلحظ الاحترام والتقدير من قبل الذكور للنساء المناضلات في صفوفه سواء المتخفيات أو المعتقلات، مما شجع على التحاق النساء بالحزب، إضافة الى نشاط النساء في صفوف الحزب، لكن أعتقد أن الدور الكبير لموقف حزب العمل المختلف من النساء يُعزى لبنية الحزب المكونة من الشباب\الطلاب التي تميزها عن الأحزاب الأخرى. لكن آثار النظرة الذكورية التقليدية للنساء عادت للظهور بعد خروج كثير من المعتقلين\ات الذين كانوا من جيل الشباب من السجن.  أسمح لنفسي بالقول إن تلك كانت المرحلة الأسوأ في تاريخ اليسار الثوري العاجز عن نقد ذاته وتجربته، والذي اتبع سياسة الهروب إلى الأمام.

جاء ربيع دمشق الذي حرك الساكن وأعاد الروح بعد موت وقام الناس من جديد، وكان اليسار جزءاً هاماً من المشهد. وكان من سمات هذه المرحلة الانتقال إلى العلنية، مع الاستعداد لتحمل كلفة ذلك، وبروز دور الأشخاص وليس الأحزاب، وساد خطاب تم التركيز فيه على الحوار مع النظام من أجل الانتقال الديمقراطي. وكانت دعوات الحوار تتجه إلى جهاز الأمن وليس لطرف سياسي من النظام،  وإلى جانب المنتديات نشطت حركة معارضة في الكتابة والإعلام. وصارت الديمقراطية هي البند الوحيد الذي تدعو له المعارضة بكافة أطيافها، كما ظهرت للوجود هيئات ومنظمات حقوقية تدافع عن قضايا المرأة وحقوق الإنسان والمعتقلين لمؤسسيها جذور أو انتماءات يسارية.

كان ربيع دمشق حركة نخبوية ضمت رموزاً وأصحاب تجارب سياسية أو اعتقالية سابقة، وكان اهتمام الشباب بها ضعيفاً، لكن كان هناك مشاركة واسعة لليسار الثوري المعارض. ونظراً لغياب رؤية واضحة فقد وقع اليسار ورموزه في فخ التحالفات والمشاركة في إعلان دمشق عام 2005، الذي غاب عنه مشروع مجتمعي وتم التركيز فيه على الديمقراطية في الوقت الذي انتشرت فيه مقولة انتهاء عهد الأيديولوجيات، حيث تحولت الديمقراطية إلى إيديولوجيا تغيب عنها التحديات التاريخية الموضوعية وتغيب عنها الرؤية المستقبلية للقضية الاجتماعية.

 واعتبرت القضايا الأخرى ثانوية، ومنها، الصراع الاجتماعي، والحداثة وقضية الحريات، هذه القضايا في واقع الأمر تتقدم وتتراجع معاً، ضمن الفهم الجدلي لحركة التاريخ.

جاءت انتفاضة الشعب السوري في غفلة عن الأحزاب السياسية، ومثلت هيئة التنسيق بمكوناتها اليسار، لكن لم يبرز دور أحزابها كأحزاب قادرة على تصويب الشارع أو قيادته ولم تتميز بشعارات خاصة، باستثناء شعاراتها ضد العسكرة وضد التدخل الخارجي بعد فوات الأوان، ولم تستطع أن تعبئ الشارع ضمن أطرها التنظيمية، بل انقسمت على ذاتها أكثر من مرة، لكنها اكتسبت شرعية ما دولياً.

وفي نفس الوقت تشكلت منظمات مجتمع مدني على هامش الهيئة أو بمبادرة من أعضائها، لكن كانت بمعظمها لا تمثل في الواقع نضال المجتمع المدني، بل استخدمت من أجل اكتساب مواقع أو تعزيز أدوار شخصية.

نحن بحاجة ليسار عقلاني يحتل مكانة مرموقة لا أن يكون على هامش المجتمع، وأن يكون دوره الكشف والقبض على المشكلات الأساسية في المجتمع، حيث إن ضعف اليسار لا يعود إلى شدة نفوذ قوة الإيديولوجيا التقليدية فحسب، بل بسبب عجزه التاريخي عن وضع الديمقراطية في العلاقة الجدلية بين المجتمع المدني والدولة الوطنية. وجاء إخفاق المشروعين اليساري والقومي بسبب النخبوية وعدم كشف الروابط بين الديمقراطية والمجتمع المدني، من أجل وضع الديمقراطية في سياق المشروع النهضوي.

 يمكن القول إن الكثير من المقولات الماركسية التي أنتجها واقع وعالم مغاير لواقع وعالم اليوم أصبحت شائخة يجب استبدالها بما يلائم واقع اليوم، ولكن يبقى المنهج الماركسي (القائم على الجدل والتفاعل بين الظواهر والقوى) حياً وقابلاً للاستفادة منه في حل التناقضات القائمة في المجتمع الإنساني سعياً لغد أفضل.